الاثنين 14 جمادى الآخرة 1443 - 17 يناير 2022

جُريج الرَّاهب

السبت 22 ربيع الثاني 1443 - 27 نوفمبر 2021 131 للعلامة الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري
جُريج الرَّاهب

عن أبي هريرة رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «كان جريجُ رجلًا عابدًا، فاتخذَ صومعةً فكان فيها، فأتته أمُّه فجعلت كفَّها فوق حاجِبها، ثمَّ رَفَعتَ رأسها إليه تدعوه، فقالت: يا جُريجُ أنا أمك كلِّمْني، فصادفته يصلِّي فقال: الَّلهمَّ أمِّي وصلاتي، فاختار صلاتَه، فرجعتْ، ثمَّ عادتْ في الثانية، فقالت: يا جُريج أنا أمُّك فكلمني، قال: الَّلهم أمِّي وصلاتي، فاختار صلاته، فقالت: الَّلهمَّ إنَّ هذا جريجُ وهو ابني وإني كلَّمته فأبى أنْ يكلِّمَني، اللَّهم فلا تمته حتى تريه وجوه المُومِسات، قال: ولو دعتْ عليه أن يُفتن لفُتن.

قال: وكان راعي ضأنٍ يأوي إلى ديره، قال: فخرجتْ امرأةٌ من القريةِ فوَقعَ عليها الرَّاعي، فحملت فولدت غلامًا فقيل لها: ما هذا؟ قالت: من صاحب هذا الدَّير.

قال: فجاءوا بفٌؤُوسِهم ومَسَاحِيهم فنادَوه فصادفُوه يصلِّي فلم يكلِّمْهُم، قال: فأخذوا يهدمون دَيْره فلما رأى ذلك نزل إليهم فقالوا له: سلْ هذه، قال: فتبسَّم ثمَّ مسح رأس الصَّبي فقال: من أبوك؟ قال: أبي راعي الضَّأن، فلما سمعوا ذلك منه قالوا: نبني ما هدمنا من ديرك بالذَّهب والفضة، قال: لا ولكن أعيدوه ترابًا كما كان ثمَّ علاه».

رواه البخاري ومسلم واللفظ له.

الشرح:

ورد في الحديث أنَّ جريجًا من بني إسرائيل، وأنَّه كان تاجرًا وكان ينقص مرةً ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خيرٌ لألتمسنَّ تجارةً هي خيرٌ من هذه، فبنى صومعةً وترهَّب فيها.

وكانت أمه تأتيه فيكلِّمُها حتى جاءته مرةً وهو يصلِّي فلم يكلمْها احترامًا للصَّلاة، – وجاء في حديثٍ ضعيفٍ: «لو كان جريجُ عالمًا لعلم أنَّ إجابة أمَّه أولى من عبادة ربِّه» - ومذهب المالكيَّة أنَّ إجابة أحد الوالدين في صلاة النافلة أفضل من التمادي فيها، وعندهم قولٌ بأن الإجابة تختَّص بالأمِّ، وهو قول مكحول من التابعين.

أمَّا الشَّافعيَّة فالأصحُّ عندهم أنَّ الصَّلاة إنْ كانت نفلًا وعلمَ المصلي أنَّ الوالد يتأذَّى بترك الإجابة، وجب عليه أنْ يجيبَ، وإلَّا فلا، وإنْ كانت فرضًا وضاق الوقت لم تجبْ الإجابةُ، وإنْ كان في الوقت متَّسعٌ ففي وجوب الإجابة قولان، الأكثر: أنَّها لا تجب.

و«المومسات»: جمع مومسة، وهي الزَّانية.

وورد في طريقٍ آخرَ: «أنَّ أمَّ جريجٍ لما غضبت قالت: أبيتَ أنْ تُطلع إليَّ وجهَك، لا أماتكَ الله حتى تنظُر في وجهك زواني المدينة، فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج.

فقالت بغيٌ منهم: إنْ شئتم لأفتننَّه، قالوا: قد شئنا فأتَتْه فتعرَّضت له فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسها من راعٍ كان يأوي غنمه إلى أصل صومعة جريجٍ، فلما ولدت من الزِّنا أخذوها، وكان من زنى منهم قتل، فاتَّهمت جريجًا، فأقبلوا على صومعته يهدمونها فلما رأى ذلك تدلَّى إليهم بحبل، فسبُّوه وضربوه وأخذوه إلى الملك، ومروا في طريقهم ببيوت الزَّواني فلما نظر إليهنَّ تبسَّم، فقالوا: لِمَ يضحك حين مر بالزَّواني؟

فلما أتوا الملك قال له: ويحك يا جريج كنَّا نراك خير الناس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه، فطلب أنْ يمهلوه.

فتوضأ وصلَّى ودعا، ثمَّ أتى الطفل وفمه في ثدي أمِّه يرضع منها، فمسح رأسه وقال: من أبوك يا بابوس – يعني يا رضيع - فترك الطِّفل ثدي أُمِّه، وقال: أبي الرَّاعي فأبرأَ الله جُريجًا، وأعظم النَّاس أمرَه وجعلوا يقبِّلونه، واقترحوا أنْ يبنوا ديره الذي كان يتعبَّد فيه من ذهبٍ وفضةٍ، فطلب أنْ يكون من طينٍ كما كان.

وسألوه بالله مم ضحكتَ؟ فقال: ما ضحكت إلَّا من دعوة دعتها عليّ أمي». هكذا جاءت القصة مفصلةً في طرق أخرى عند أحمد والطبراني.

العبرة من هذه القصة

يؤخذ من هذه القصة عبرٌ:

أحديها: عِظَم حقِّ الأمِّ على ولدها، فجريج مع كونه صالحًا عابدًا استجاب الله دعاء أمه لمَّا تغيَّر قلبها عليه حيث لم يجبها، مع أنَّه كان في الصَّلاة، فما بالك بمن يشتُم أمَّه أو أباه أو يضربهما أو يرغمهما على موافقة رأيه، أو يفعل غير ذلك من أنواع المضايقات لهما، فإنَّ هذا عقوقٌ لا يفلح صاحبه في الدُّنيا ولا في الآخرة.

ثانيتها: أنَّ الشَّدائدَ والمهمَّاتِ لا ينفع فيها إلَّا الالتجاء إلى الله وطلب معونته، فجريج اتُهم بالزِّنا وضُرب وأُهين وحُكم عليه بالقتل، فالتجأَ إلى الله بالصَّلاة والدعاء، وليس بينه وبين الموت إلَّا بضعَ دقائق، فأنقذه الله ونجَّاه، وأَنطَق له الطفل الرضيع:﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62] ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حزبه – أصابه - أمرٌ فَزِع إلى الصَّلاة.

ثالثتها: إكرام الله لأوليائه الصَّالحين بعد ابتلائِهم؛ ليختبرَ إيمانهم، ألَا ترى إلى جريج ابتليَّ أولًا بنكبة الاتهام، فلمَّا صبر والتجأ إلى مولاه أكرمه غاية الإكرام.

رابعتها: قوَّة الإيمان بالله وصحَّة التوكُّل عليه تفعلان العجائب والمدهشات، ألا ترى أنَّ جريجًا أقبل يخاطب الطفلَ الرَّضيع.

وتكلُّم الرَّضيع محالٌ بحكم العادة، لكنَّ الله علِم قوَّة إيمانه وصدق توكُّله، فأنطق له الطفل ولو استنطق الجماد لأنطقه له.

بل ذكر أبو الليث السَمَرْقَندي: أنَّ المرأة اتهمته أنَّه زنا بها عند شجرةٍ، فذهب إلى الشجرة يسألها، وقال: يا شجرةُ أسألك بالذي خلقك من زنى بهذه المرأة؟ فأجاب كلُّ غصنٍ منها: راعي الغنم.

وليس في ذلك ما يدعو إلى العجب؛ لأنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، وإذا كان العلم توصَّل إلى هذه المخترعات المدهشة كالراديو والتلفزيون والقنابل الطائرة وغيرها فما ظنُّك بخالقِ الكون ومبدِعه.

خامستها: الكذب والزُّور عاقبتهما الفشل والخيبة، فالمرأة اتهمت جريجًا كذبًا وزورًا وكادت تُودي بحياته، لكن الله أظهر براءته وصدقَه، فخرج من هذه التهمة الباطلة معززًا مكرمًا، وتلك عاقبةُ كلِّ بريءٍ صادقٍ.

" سمير الصالحين"

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا