السبت 22 ربيع الثاني 1443 - 27 نوفمبر 2021

نبي الرحمة (48) والأخيرة

الخميس 13 ربيع الثاني 1443 - 18 نوفمبر 2021 40 تلخيص: عمار النجار ومحمد نزار المراد
نبي الرحمة (48) والأخيرة

 

الصفات والأخلاق: (2)

متابعة مع كمال النفس ومكارم الأخلاق:

لنترك هند بن أبي هالة يصف لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال هند فيما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ـ لا بأطراف فمه ـ ويتكلم بجوامع الكلم، فصلاً لا فضول فيه ولا تقصير، دمثاً ليس بالجافي ولا المُهينِ، يعظم النعمة وإن دقت لا يَذُمُّ شيئاً، ولم يكن يذُمُّ ذَواقًاـ ما يطعم - ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها ـ سماحة ـ وإذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جُلُّ ضحِكِهِ التَّبَسُّمُ، ويَفْتَرُّ عن مثل حَبّ الغمام. وكان يخزن لسانه إلا عما يعنيه، يؤلف أصحابه ولا يفرقهم، يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره. يتفقد أصحابه، ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويصوبه، ويقبح القبيح ويوهنه، معتدل الأمر، غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا، لكل حال عنده عتاد، لا يقصر عن الحق، ولا يجاوزه إلى غيره. الذين يلونه من الناس خيارهم، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن ـ لا يميز لنفسه مكاناً ـ إذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب جليسه أن أحداً أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول، وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أباً، وصاروا عنده في الحق متقاربين، يتفاضلون عنده بالتقوى، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا تُرفع فيه الأصوات، يوقرون الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويؤنسون الغريب. كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صَخَّاب، ولا فحاش، ولا عتاب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يقنط منه. قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: لا يذم أحداً، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويعجب مما يعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، يقول: إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأَرْفِدُوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ.

وقال خارجة بن زيد: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوقر الناس في مجلسه، لا يكاد يُخْرِجُ شيئاً من أطرافه، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، يعرض عمن تكلم بغير جميل، كان ضحكه تبسماً، وكلامه فصلاً لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيراً له واقتداء به.

كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُحلَّى بصفات الكمال المنقطعة النظير، أدبه ربه فأحسن تأديبه، حتى خاطبه مثنياً عليه فقال:{وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم:٤]، وكانت هذه الخلال مما قرب إليه النفوس، وحببه إلى القلوب، وصيره قائداً تهوي إليه الأفئدة، وألان من شكيمة قومه بعد الإباء، حتى دخلوا في دين الله أفواجاً.

وهذه الخلال التي أتينا على ذكرها خطوط قصار من مظاهر كماله وعظيم صفاته، أما حقيقة ما كان عليه من الأمجاد والشمائل فأمر لا يدرك كنهه، فهو أعظم بشر في الوجود بلغ أعلى قمة من الكمال، استضاء بنور ربه، حتى صار خلقه القرآن؟

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنَّك حَميد مجيد.

اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنَّك حميد مجيد.

 

 

الحمد لله

فقد تم يعون الله وفضله تقديم سيرة المصطفى عليه الصلاة والسلام حسب ماكتبها فضيلة (الشيخ صفي الرحمن المباركفوري) في كتابه "الرحيق المختوم" والتي نقلناها لكم مع تصرف يسير جدا, وقسمناها الى مقاطع أو أجزاء صغيرة, وقدمنا كل يوم جزءا يسهل قراءته على الجميع.

جزى الله الشيخ المباركفوري خيرا, ونرجو الله أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم, وأن يتقبله منا لننال الأجروالثواب, كما ندعوه أن ننال جميعا شفاعة سيد المرسلين عليه وآله الصلاة والسلام وان نشرب من حوضه شربة لانظمأ بعدها أبدا, إنه سميع مجيب.

وَآخِرُ دَعْوَانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

فريق العمل.

الخاتمة

السيرة النبوية مدرسة تربوية:

نحمد الله العلي العظيم أن هدانا لفكرة نقل السيرة العطرة لسيد الخلق عليه وآله الصلاة والسلام، وتنظيمها على أجزاء قصيرة يسهل على القارئ متابعتها يومياً، وقد وفقنا الله فأتممناها كاملة كما جاءت في كتاب (الرحيق المختوم) لفضيلة الشيخ (صفي الرحمن المباركفوري) رحمه الله. مع تصرف يسير جداً.

و"الرحيق المختوم" من أشهر كتب السيرة في العصر الحديث حاز على جائزة رابطة العالم الإسلامي وتميز الكتاب بالأسلوب السهل إذ يناسب جميع فئات الأعمار ومختلف الثقافات.

كنا نستمتع يومياً وعلى فترة ستة شهور حيث عشنا في كل جزء كتبناه وقرأناه لحظات من حياة النبي عليه وآله الصلاة والسلام منذ نشأته وحتى وفاته، وقد كانت حياة مليئة بالكفاح والجهاد، ضرب فيها الأنموذج الأكمل في تحمل الاضطهاد والإيذاء المعنوي والبدني، في سبيل توصيل رسالة ربه إلى الناس، وهو رغم ما لاقاه من عنت وكفر وتكذيب وسب وشتم، كان يبدو على الدوام أحرص على هداية قومه:{فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا}[الكهف:٦].

ولم تكن أقواله صلى الله عليه وآله وسلم فقط هي دِعامة دعوته إلى الله، بل كانت أفعاله وخُلُقه وما جبِل عليه من صفات حسنة مصدقة ومكملة ومؤيدة لما يدعو إاليه، انها دعوة قِوامها الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن.

والناظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يرى أنه قد سار في حياته كلها على هذه المبادئ السامية، والأخلاق العالية.

مكَر به أهل مكة وأرادوا قتْله، ثم حارَبوه بعد أن ترَك لهم مكة فنصره الله عليهم يوم بدر، فعفا عن أسْراهم وحارَبوه في أحد فأصيبت رَباعِيته، وشُجَّ وجهه، وكُلِمت شفتُه، ودخلت حلقتان من المغفَر الذي يَستُر وجهه في وجنَتيه، فلم يَزِد على قوله: (اللهم اهدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون).

جمَع الكفار له الجموع وحاصَروا المسلمين في المدينة يوم الخندق وجاؤوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى بلَغت القلوب الحناجر وكانوا في أحرَج موقف.

صَدُّوه هو ومن آمن معه عن المسجد الحرام {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}[الأنفال:٣٤]. ومارجوعه عن العمرة عام الحديبية إلا حسماً للنزاع وحقناً للدماء.

وقد دار الزمن دورته ومرَّت الأيام وانفضَّت الأعوام، وانتصَر الحق على الباطل ودخَل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مكة ظافراً منتصراً، بعد أن أخرِج منها كُرهاً، ويقف أعداؤه الذين حارَبوه ووقَفوا حَجر عثْرة في سبيل دعوته أمامه أذِلاء، فيقول لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). وهكذا يَعفو عنهم جميعاً ليتألَّفهم بذلك فتُثمِر دعوته، فيدخلوا جميعاً في دين الله أفواجاً.

وبعد أن انتهينا من نقل السيرة شعرنا أننا أصبحنا أكثر قرباً منه عليه الصلاة والسلام وأكثر صدقاً في محبته، إذ اطّلعنا على تفاصيل جديدة في حياته زادتنا رغبة بالتأسي به والسير على نهجه واتباع خطواته، كيف لا وقد أمرنا الله بذلك {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا… }.

ولقد أصبح فهمنا للآيات القرآنية أعمق وأبلغ، فكثير منها نزلت وكانت مُنسجمةً ومتجاوبةً مع حوادثَ عاشها المسلمون مُدّةَ تنزيلِ القرآن أي مدة حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من بعثته الى وفاته وكذلك تحسن فهمنا للأحاديث النبوية الشريفة, وبصورة لاشعورية صرنا نقارن بين حياتنا ومايمر بنا من أحداث وحياة الصحابة الكرام فرأينا أنفسنا نحاول أن نرتقي بأخلاقنا وتصرفاتنا لنشابه الصحابة أو نقلدهم.

ثم إننا وجدنا في السيرة حلولاً لكثير من مشاكلنا ومشاكل مجتمعنا، وتعلمنا منها الاعتزاز بديننا والتمسك بشرع الله وحسن التوكل على الله والثقة بالله والتأكد أنه هو وحده الناصر والمفرِّج والرازق والوهاب والكافي وبيده كل شيئ، وفي حسن الإيمان به وجميل التوكل عليه كل مانرجوه من آمال وتطلعات وحلول للأزمات.

أجل كل ذلك تعلمناه من السيرة النبوية العطرة بل وأكثر لأن هناك من الدروس المستفادة مالم نشعر به ولكننا لمسنا آثاره. {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}.

السيرة النبوية مدرسة تربوية للفرد والمجتمع، فتدارسوها وعلموها أبناءكم، تسعدوا في الدارين.

نسأل الله القبول وجمعنا وإياكم على حوض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

فريق العمل

محمد نزار المراد عمار النجار

 

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا