الجمعة 28 ربيع الثاني 1443 - 3 ديسمبر 2021

رحمته صلى الله عليه وسلم بالجنّ

السبت 8 ربيع الثاني 1443 - 13 نوفمبر 2021 64 جمع وإعداد: عبد المجيد أسعد البيانوني
رحمته صلى الله عليه وسلم بالجنّ

كما نفهم من قول الله تعالى: {الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين}[الفاتحة:2]، أنّ الله جلّ وعلا ربّ كلّ شيء فِي هذا الوجود ومليكه، فكذلك علينا أن نفهم من قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين}[الأنبياء:107]، شمولَ الرحمة بِالنبيِّ صلى الله عليه وسلم لكلّ شيء فِي هذا الوجودِ: الإنس والجنّ والملائكة، والحيوان والنبات والجماد، ولا عجب في ذلك ولا غرابة، فالله تعالى يختصّ برحمته من يشاء، وَالله ذو الفضل العظيم.

قال أبو بكر بن طاهر رحمه الله تعالى: زيّن الله مُحَمّداً صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة، فكان صلى الله عليه وسلم كلّه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، وحياته صلى الله عليه وسلم رحمة، ومماته رحمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( حياتي خير لكم، ومماتي خير لكم ) [ذكره العجلوني في كشف الخفا 1/442 وعزاه للديلمي عن أنس وعزاه في الجامع الصغير للحارث عن أنس، وفيه عند ابن سعد عن بكر بن عبد الله مرسلا بلفظ حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم فإذا مت كانت وفاتي خيرا لكم تعرض على أعمالكم فإن رأيت خيرا حمدت الله وإن رأيت شرا استغفرت لكم].

وكما قال صلى الله عليه وسلم: ( إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فرطاً وسلفاً ) [الفرط بفتح الهاء والراء: هو الذي يتقدم الواردين فيهيئ لهم ما يحتاجون إليه].

وروى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إنما أنا رحمة مُهداة ) [أخرجه البيهقي في دلائل النبوة].

والجن مكلَّفون بالإيمان بالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، وبلوغ دعوة نبينا محمّد صلى الله عليه وسلم لعالم الجن:

قال الله تعالى: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}[الجن:1 ــ2].

وقال الله جلّ شأنه مخاطباً نبيّنا محمّداً صلى الله عليه وسلم: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِين * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيم * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيم * وَمَن لاَّ يُجِبْ دَاعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِين}[الأحقاف:29 ــ32].

وفي الحديث الشريف: ( أنّ نفراً من الجنّ ـ سبعةً، وقيل: تسعة، وقيل: أكثر ـ جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ ببطن نخلة ـ موضع على بعد ليلة من مكة ـ فلمّا سمعوه قالوا: أنصتوا.. ) [انظر تفسير القرطبيّ 16/176 والفتح لابن حجر 7/171، والسيرة لابن كثير]، كما أخبرنا الله تعالى عنهم.

وممّا يدلّ على أنّ الجنّ مكلّفون كالإنس قوله تعالى متحدّياً للجنّ بهذا القرآن كما تحدّى الإنس: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}[الإسراء:88].

وكذلك الخطابات والنداءات الموجّهة في سورة الرحمن إلى كلّ من الجنّ والإنس تدلّ على أنّ الجنّ مكلّفون كالإنس.

وفي الحديث الشريف: ( وَأُرْسِلْتُ إِلَى الخَلْقِ كَافَّةً ) [رواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 812، عن أبي هريرة رضي الله عنه]. والجنّ من الخلق. وفي رواية: ( وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ، وَبُعِثْتُ إِلَى الجِنِّ وَالإِنْسِ ) [رواه البزار، وانظر لفظ البزار في فتح الباري للحافظ ابن حجر 6/345].

وقال عَزَّ وَجَلَّ: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِين}[الأحقاف:29].

وقد أجمعت الأمّة بكلّ فرقها ومذاهبها ـ فيما نعلم ـ على أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسل إلى الجنّ، كما هو مرسل إلى الإنس، وإذ كان صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فهو رحمة للجنّ، كما هو رحمة للإنس، وقد ثبت في القرآن الكريم، والسنّة والسيرة الشريفة أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم اجتمع أكثر من مرّة بالجنّ، ودعاهم إلى الله تعالى، وبلّغهم دعوة الحقّ.

عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الجِنِّ ؟ قَالَ: لا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ، فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ.؟! قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلَ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْنَاكَ، فَطَلَبْنَاكَ، فَلَمْ نَجِدْكَ، فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ، فَقَالَ: ( أَتَانِي دَاعِي الجِنِّ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: ( لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْماً، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ )، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( فَلا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا، فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ ) [رواه مسلم في كتاب الصلاة 682، والترمذي في كتاب تفسير القرآن 3181].

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكَّةَ، وَهُوَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ قَالَ: ( لِيَقُمْ مَعِي رَجُلٌ مِنْكُمْ، وَلا يَقُومَنَّ مَعِي رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِنَ الْغِشِّ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ) قَالَ: فَقُمْتُ مَعَهُ وَأَخَذْتُ إِدَاوَةً، وَلا أَحْسَبُهَا إِلاّ مَاءً، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِأَعْلَى مَكَّةَ، رَأَيْتُ أَسْوِدَةً مُجْتَمِعَةً، قَالَ: فَخَطَّ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَطّاً، ثُمَّ قَالَ: ( قُمْ هَاهُنَا حَتَّى آتِيَكَ، قَالَ: فَقُمْتُ وَمَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِمْ، فَرَأَيْتُهُمْ يَتَثَوَّرُونَ إِلَيْهِ ـ أي: يتطلّعون إلى رؤيته من بعيد ـ قَالَ: فَسَمَرَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلاً طَوِيلاً، حَتَّى جَاءَنِي مَعَ الْفَجْرِ. [ رواه أحمد في مسند المكثرين من الصحابة 4150].

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِي الله عَنْهمَا، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلاّ شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ ـ موضع على ليلة من مكة ـ وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا}[الجن1 ــ2]، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ...}[الجن:1]، وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ [رواه البخاري في كتاب الأذان 731، واللفظ له، ومسلم في كتاب الصلاة 681، انظر كتاب: " الإيمان بالملائكة " من سلسلة العقائد للشيخ أحمد عزّ الدين البيانوني].

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا