السبت 22 ربيع الثاني 1443 - 27 نوفمبر 2021

محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

الخميس 22 ربيع الأول 1443 - 28 أكتوبر 2021 53 بسام الصفدي
محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم

الخطبة الأولى:

الحمد لله الذي كان بعباده خبيرا بصيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذَّكر أو أراد شكورا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله ربه هاديا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد، فيا أيها الإخوة الموحدون: إن من أجل ما يتقرب به العبد إلى ربه جل وعلا بعد الإيمان به وتوحيده= محبةَ نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أصل من أصول الإيمان، وشرْطٌ شرَطه الله تعالى على المؤمنين.

أخرج الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).

وأخرج البخاري من حديث عبد الله بن هشام، قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لاَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ)، فقال له عمر: فإنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الآنَ يَا عُمَرُ).

وتوعد الله من يقدم محبة شيء من المحبوبات على محبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24].

عباد الله: إن موجبات محبته صلى الله عليه وآله وسلم كثيرةٌ جدا؛ أعظمها وأجلها كماله صلى الله عليه وآله وسلم خلْقا وخلُقا، واصطفاءُ الله له على الخلق أجمعين، واختيارُه لحمل رسالته، وتبليغ دعوته.

أخرج مسلم من حديث واثلة بن الأصقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ)(1).

وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ)(2).

وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا)(3).

ومن موجِبات محبته بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم: كثرة خيره وإحسانه وأفضالِه على أمته، فما من خير حصل لهذه الأمة إلا وهو متسبب فيه صلى الله عليه وآله وسلم.

قال جل وعلا يمتن على هذه الأمة ببَعثته ورسالته صلى الله عليه وآله وسلم: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران: 164].

به نور الله قلوبنا ودروبنا، وبه حصلت لنا مصالح الدنيا والآخرة، وأسبغ الله علينا نعمه ظاهرة وباطنة؛ بصَّرَنا بعد عمى، وهدانا بعد ضلال، وعلمنا بعد جهل، لولاه ما عرفنا دينا ولا خُلقا ولا فضيلة، فجزاه الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته.

ولئن كانت محبته صلى الله عليه وآله وسلم بالمكان الذي عرفتم، والمنزلةِ التي علمتم= فينبغي لكل مسلم أن يغرغِر قلبَه بحلاوتها، ويسلك السبيل الموصلة إليها، وإن من أعظم السبل الموصلة إلى محبته صلى الله عليه وآله وسلم معرفةَ سيرته ومغازيه، وخَلْقة وخُلُقه وشمائله الكريمةِ الطاهرة، وقد كان السلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم يعلمون أولادهم سيرة رسول الله ومغازيَه كما يعلمونهم السورة من القرآن، فنشأ ذلك الجيل على الإيمان والسنة والفضيلة، لا يعرفون إلا هديه، ولا يَرومون إلا اتباعه، ثم خلفت من بعدهم خلوف يعرف الواحد منهم كل شيء إلا سيرته، ويحفظ كل شيء إلا سنته، فشتان شتان بين السابقين والخالفين.

وإن من سبل محبته صلى الله عليه وآله وسلم معرفةَ سنته وحفظَها وفهمَها، فإن المرء كلما كان بسنته أعلم كان أكثر محبة له واتباعا، فلا عجب أن يكون أهل الحديث أولى الناسِ به صلى الله عليه وآله وسلم؛ وذلك لكثرة ما عانَوه في جمع سنته وتدوينها وحفظها ونشرها والذب عنها، وقد ضربوا في ذلك أروع الأمثلة، يرتحل الواحد منهم شهرا لسماع حديث واحد، والآخر لا يترك حاضرة ولا بادية إلا دخلها مرتحلا في طلب حديثه وسنته، وثالثٌ يشرب البولَ مراتٍ في هذا الشأن، فرحم الله تلك الأرواح وقدَّسها، ورضي عنها وأرضاها.

معاشر الأحبة: إن محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم تعود على المحب بأعظم العوائد، وتكسبه خيرَي الدنيا والآخرة، وإني محدثكم عن فائدتين عظيمتين لمحبته؛ إحداهما يشهدها المحب الصادق في الدنيا، والأخرى في الآخرة، جعلنا الله وإياكم منهم بمنه وكرمه.

أما في الدنيا: فدونك ما أخرجه الشيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ). إنها الحلاوة والسكينة والطُّمأنينة والسعادة وانشراح الصدر الذي يجده المحب في قلبه، فيحيا حياة الملوك وإن كان فقيرا مُعْدَما، وقد صدق من قال: من وجد الله فماذا فقد، ومن فقد الله فماذا وجد.

وأما في الآخرة: فإليك ما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجل أحب قوما ولم يلحق بهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ)(4).

يا الله، أي شرف أعظم من هذا الشرف، وأي نعيم أجل من هذا النعيم، أن تكون أيها المحب مع حبيبك صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة، إنه لجدير بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يفرحوا بشيء بعد الإسلام فرحهم بهذا الحديث(5).

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأتباعه إلى يوم الدين.

أما بعد، فيا أيها المسلمون: إن محبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليست زعما باللسان تكذبه الحقائق والأعمال، بل لها شواهد تدل عليها، وترشد إليها؛ أجلها: صدق اتباعه، والتزام سنته، وانشراح الصدر بحكمه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد جعل الله ذلك شرطا في حصول الإيمان والهدى، والنجاة من الهلكة والضلال.

قال سبحانه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

وقال عز شأنه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} [الأحزاب: 36].

وقال تبارك اسمه: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54].

ومن شواهد محبته صلى  الله عليه وآله وسلم: نصرة دينه وسنته وشريعته، والدعوة إليها والذب عنها، وبذل النفس والمال دون ذلك.

ومن شواهد محبته صلى  الله عليه وآله وسلم: توقيره والإكثار من الصلاة والسلام عليه وعلى آله الطيبين.

{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

ومن شواهد محبته صلى  الله عليه وآله وسلم: محبة أصحابه، وأهل بيته، وقد كذب من ادعى محبته ثم انتصب يعادي أحب الناس إليه بأبي هو وأمي صلى الله عليه وآله وسلم.

جعلنا الله وإياكم في الدنيا من أتباعه وأنصاره، ورزقنا في الآخرة شفاعته وصحبته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا، ربنا اجعلنا لك ذكارين، لك شكارين، لك رهابين، لك مطواعين، لك مخبتين، إليك أواهين منيبين، ربنا تقبل توباتنا، واغسل حوباتنا، وأجب دعواتنا، وثبت حجاتنا، واهد قلوبنا، واسلل سخيمة صدورنا.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك، وعبادك الذين يجاهدون في سبيلك؛ نصرة لدينك، وإعلاء لكلمتك، اللهم انصرهم وثبتهم، وقوهم وأعنهم، اللهم صوب رميهم، وسدد رأيهم، واجمع على الحق كلمتهم، اللهم عليك بعدوك وعدوهم.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، وأنت يا مؤذن أقم الصلاة.

(1) وأخرجه الترمذي، وأحمد من طرق، وقع في بعضها زيادة (إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل)، ولا تصح.

(2) وأخرجه الترمذي، وأحمد، ووقع في رواية الترمذي: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الحَمْدِ وَلاَ فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ إِلاَّ تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلاَ فَخْرَ).

(3) والحديث أخرجه كذلك البخاري عن أبي سعيد رضي الله عنه بنحوه، وفيه قصة، وليس فيه: (وَقَدِ اتَّخَذَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا)، وأخرجه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه كذلك، وليس فيه كذلك ما سبقت الإشارة إليه في حديث أبي سعيد رضي الله عنه ؛ ولذا وقع الاختيار على لفظ مسلم.

(4) وهذا اللفظ مروي عن جماعة من أصحاب رسول الله رضي الله عنهم في الصحيحين وغيرهما بمثله أو نحوه.

(5) جاء ذلك عند أحمد في "المسند" كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه ، وسياقه مختلف عن سياق حديث ابن مسعود رضي الله عنه، غير أن فيه قوله للرجل السائل عن الساعة المحبِّ لله ورسوله: (أنت مع من أحببت).

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا