السبت 22 ربيع الثاني 1443 - 27 نوفمبر 2021

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بيته (7)

الثلاثاء 13 ربيع الأول 1443 - 19 أكتوبر 2021 119 عبد العظيم محمود الديب
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بيته (7)

تلطُّفه صلى الله عليه وآله وسلم بالصغار ومداعبته لهم:

لم يقف برّه صلى الله عليه وآله وسلم عند حدِّ تحنيكه أطفال المسلمين، وتبريكهم، وتسميتهم، بل كان يداعبهم، ويلاطفهم، ويدخل السرور عليهم، روى البخاري بسنده عن أم خالد بنت خالد بن سعيد أنَّها قالت: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي وَعَلَيَّ قَمِيصٌ أَصْفَرُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «سَنَهْ سَنَهْ»، وهي بالحبشية حسنة. قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة [علامة النبوة التي كانت بين كتفي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم]، فزبرني (أي نهرني وزجرني، ومنعني) أبي من ذلك، ثم قال رسول الله عليه وسلم: دعها، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أَبْلِي وَأَخْلِقِي ، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي ، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي، قال عبد الله ابن المبارك (راوي الحديث) فبقيت حتى ذكر من بقائها. إرشاد الساري:8/435 -9/15).

والمعنى: أبلي وأخلقي كثيراً، أي: تعيشين حتى تستهلكي الكثير الكثير من الثياب فهو دعاء لها بطول العمر، وفي رواية: أبلي وأخلفي (بالفاء) والمعنى: أبلي هذا وأخلفي غيره، وهو أيضاً دعاء بطول العمر. وقد استجاب الله سبحانه وتعالى دعاء رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، (فبقيت حتى ذكر من بقائها) أي: طال عمرها حتى ذكرها الناس بذلك، وعرفوها به.

وهنا نجد من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مُبالغة في التلطُّف. والود والبر، فيقول للصبية: سنه سنه أي: جميل، جميل بلغة الحبشة. فلم خاطبها بلغة الحبشة؟ لقد كانت الصبية حديثة عهد بالحبشة حيث كانت عائدة مع المهاجرين من الحبشة، وأكاد أجزم أن الصبية علقت بعض كلمات من لغة الحبشة كانت تلهج بها، وتتظرف بها لما تراه من حب من حولها لتراها ذلك، كما نرى آل الطفل يرددون (لثغته) ويحاكون (لثته) وهم في سعادة وسرور. فكأن صبيتنا قد كانت تردد كلمة سنه سنه فيما تردد من كلمات تعلقتها من لغة الحبشة. فخاطبها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بلغة الحبشة ترديداً لقولها، واستحساناً لكلامها.

ثم لابدَّ أن نقف هنا أمام أروع صور البر الأبوي. فمحمد عليه الصلاة والسلام الذي تُرقِّقه الأبوة، ويُليِّنه الرفق والبر حتى تقبل الصبية عليه تتواثب على حجره وكتفيه، وتلعب بخاتم النبوة بين كتفيه، وتجيل أناملها تتحسس وتداعب وجهه الكريم وجسده الشريف. محمد الذي تبلغ به الرقَّة هذا المبلغ، هو هو محمد الذي كان يقف أمامه الأعرابي الفظُّ الجافي فتأخذه الروعة والهيبة، فيرتجف، ويضطرُّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يطمئن الرجل ويذهب روعه، فيقول له: «هوِّن عليك، إنما أنا لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد».

بل كانت هيبته صلى الله عليه وآله وسلم أبعد من هذا، وأكبر، فليست هيبة تروع وافداً لم يلقه من قبل فقط، بل كانت هيبة أكبر من أن تزول بالإلف والمعاشرة والمعايشة، فقد كان أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم الذين معه، يلازمونه ليله ونهاره، وحلَّه وترحاله أكثر هيبة له من الذين لا يعرفونه، ويكفينا في هذا المجال حديث واحد:

روى مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنَّه قال: «صحبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما ملأت عيني منه قط، حياءً منه، وهيبة، وتعظيماً له، ولو قيل لي صِفه لما قدرت» فهذا هو عمرو بن العاص داهية العرب، قائد الجيوش، وقاهر الأبطال ووزير معاوية ومستشاره، وصنديد قريش وابن سيد من ساداتها ابن العاص الذي كان يلبس الديباج مزرراً بأزرار الذهب، عمر وبن العاص هذا لا يقدر أن (يملأ عينيه) من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وأم خالد هذه الصبية (تلعب بخاتم النبوة). هذه الهيبة هذه العظمة كلها تلين وترق، وتبر وترحم حتى هذا الحد، فأي عاطفة هذه؟ وأي أبوة هذه؟ إنَّها الأبوة الكاملة الشاملة.

الأبوة الخاصَّة:

هذا عن أبوته صلى الله عليه وآله وسلم لأولاد المسلمين وعامتهم، أما أبوته لأولاده وأحفاده، فلا شك أنَّها كانت أبلغ وأكمل، سنة الخلقة، وطبيعة الفطرة أن يكون حب الإنسان لمن هم من صلبه وذويه أقوى من حبه لمن سواهم مهما بلغ في حبه ورقته فحبه لبنيه وذويه لا شك أبلغ وأكبر. طبيعة مطبوعة، وفطرة مفطورة، وجِبِلَّةٌ مجبولة.

وإذا نحن أخذنا في بيان سمات أبوته صلى الله عليه وآله وسلم، وملامحها، لوجدنا من ذلك ما يقضي الفطن العجب منه. ولكنا نوجز قولنا، ونعرض بعض ملامح الأبوة النبويّة وخصائصها على النحو التالي:

١- عدم التفرقة بين البنين والبنات، أو قل: إعطاء البنات من المحبَّة والتقدير حقهنَّ كاملاً، لا تنقصهنَّ أنوثتهن من ذلك شيئاً.

ولقد كانت البيئة الجاهلية الجافية، في حاجة إلى من يلقنها هذا الدرس عملياً وسلوكاً، قبل أن يلقنه لها نظريا وتعاليها، تلك البيئة التي كان فيها من تتحجَّر عاطفته، ويجف نبعُ الحنان في قلبه، وتنتكس فطرته، وترتكس طبيعته، حي يدفن ابنته حية في التراب، ﴿ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ٥٨ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ٥٩﴾[سورة النحل: 59-58].

في هذه البيئة وجدنا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم يخرج للصلاة حاملاً أُمامة بنت أبي العاص، ويتقدم إلى الصلاة، وهي على كتفه، فإذا سجد وضعها، فإذا قام رفعها. (حديث متفق عليه).

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، وبالناس أجمعين. ما أرحمه، وما أحلمه، وما أعظمه. أُمامة بنت زينب بنته على كتفه، وهو يؤم المسلمين في الصلاة؟ ماذا عليه لو تركها بحجرته؟ ماذا لو تركها مع من يرعاها ويهدهدها حتى ينتهي من صلاته؟!.

أُترى رسول الله تدفَّقت في قلبه ينابيع الحبِّ والشفقة. فلم يقدر على أن يحرم نفسه من ريح (أُمامة)، أم تُراه خاف عليها أن تتألم أو تبكي لفراق جدِّها، أم الأمر غير هذا وذاك؟ نعم. أراه صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يعلم المسلمين درساً في الأبوة أو درساً في الصلاة، أو هما معاً.

فكأني به صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يقول لأمته: أنَّ الصلاة التي هي مُناجاة من العبد لربِّه، الصلاة التي جُعلت فيها قرَّة عينه صلى الله عليه وآله وسلم، هذه الصلاة لا يبطلها، ولا يمنع منها أن تكون ابنتك على كتفك. بل لعله أراد أن يقول لأمته أنَّ هذه الطفلة والرقَّة لها والشفقة عليها من مطهِّرات القلوب وتخليصها لله فهي من المعينات على إحسان الصلاة.

أم الأمر أكبر من كل ذلك وأنَّه أراد أن يقول: إنَّ هؤلاء البنات التي كانت تسودُّ منهنَّ الوجوه أولى بالرعاية والإكرام والشفقة والرحمة..

نعم هذا ما أردت أن تقوله يا رسول الله؟ فها أنت قد قلته عملياً، ثم أكدته قولاً: «من كان له ثلاث بنات فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن، كن له حجابا من النار يوم القيامة» (ابن ماجة والبخاري في الادب المفرد وأحمد).

وقال صلى الله عليه وآله وسلم «من بُلي من هذه البنات شيئاً، فأحسن إليهن، كُنَّ له ستراً من النار يوم القيامة» (أخرجه البخاري).

نعم إنها الأبوة الحقَّة الكاملة التي تسع الذكور والإناث، ولا تفرق بينهما، ولا تقدر أن تفرق، لو أرادت، فسخاء العطاء، وتدفق البر لا يمكن أن يعرف حداً يُفرق بين الذكر والأنثى. ويزداد يقيننا بهذا الذي قلناه حين نسمع لعائشة رضي الله عنها تقول: «أهدي إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قلادة من جذع معلمة بالذهب، فقال: والله لأضعنها في رقبةِ أحبِّ أهل البيت إليَّ، فاستشرف لها كل نسائه، فأقبل بها حتى وضعها في رقبة أمامة بنت أبي العاص». (لأحمد وأبي يعلى).

نعم. أمامة (الأنثى) أحب أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إليه.

أيقدر أحد بعد ذلك أن يثير فرقاً بين البنين والبنات؟ بعد أن حمل محمد أمامة في الصلاة، وبعد أعلن أنَّها أحب أهل البيت إليه.

وفي هذا أيضاً أنَّه كان صلى الله عليه وآله وسلم يُدلل زينب بنت أم سلمة، وكانت طفلة في حجر أمها ويقول لها: يا زناب (الاصابة: 8/240) عن بنت الشاطئ.

كذلك نجده صلى الله عليه وآله وسلم يأسى لموت ابنته زينب وتظل اللوعة لا تفارقه حتى إذا ولدت الزهراء فاطمة أنثى سمَّاها زينب إحياء لذكرى ابنته الغائبة.

وأجار أبا العاص حين أجارته ابنته زينب، ومن قبل ردَّ لها قلادتها، وفكَّ لها أسيرها حين أُسر أبو العاص في بدر، وأرسلت زينب تفتديه بقلادتها.

وحبُّه صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة، ومَنْ فاطمة؟ إنها رابعة بناته صلى الله عليه وآله وسلم فلو قلنا: أحبَّ زينب لقيل كبرى بناته، وأول من أذاقته طعم الأبوة [في إحدى الروايات: أن زينب أول من ولد للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم]. أما رابعة البنات بعد زينب وأم كلثوم ورقية، ويصفيها كل هذا الحب، فهذا هو الحب الذي يتدفَّق من الأبوَّة الطاهرة المستقيمة السخيَّة، التي لا تعرف فرقاً بين الإناث والذكور، جاءت فاطمة رضي الله عنها وقد مات ولداه القاسم وعبد الله فلو كان هناك مجال للتفرقة بين الإناث والذكور لكان لفاطمة مكان غير هذا المكان ومنزلة أخرى غير هذه المنزلة، بل لكانت عبئاً يضاف إلى شقيقاتها الثلاث. ولكنها الأبوَّة الأصيلة النقيَّة، التي لا تُفرِّق في عطائها. وسخائها بين ذكر وأنثى.

وأخبار حُبِّه لفاطمة رضي الله عنها لا تحتاج إلى بيان أو تأكيد، ومن أراد أن يرجع إليها، ففي الصحيحين في (مناقب فاطمة) ما يكفي ويشفي.

وللمقالة تتمة في الجزء التالي..

المصدر: المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسُنَّة النبويّة، الدوحة، محرم 1400هـ

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا