السبت 22 ربيع الثاني 1443 - 27 نوفمبر 2021

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بيته (6)

الاثنين 12 ربيع الأول 1443 - 18 أكتوبر 2021 94 عبد العظيم محمود الديب
الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في بيته (6)

أُبوَّتُه صلى الله عليه وآله وسلم

لا تخطئ النظرةُ الأولى لسيرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم كمالَ صفة الأبوة عنده عليه الصلاة والسلام - ككل صفاته - واذا كان من أبرز مظاهر الأبوة، وأهمها، الشفقة بالأطفال والرِّقَّة لهم، فقد كان ذلك واضحاً جلياً في حياته عليه الصلاة والسلام، ليس مع أبنائه وبناته الذين من صلبه، أو أبنائهم وبناتهم فقط بل كان ذلك مع أبناء المسلمين عامَّة، وذلك يشهد بقوة الأبوة وأصالتها لديه صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد يكون الإنسان أباً عطوفاً شفوقاً مع أبنائه خاصَّة، يستنفدون طاقة حنانه، وجهد شفقته وآخر بِرِّه، فلا يبغي لغيرهم شيء، أما نبيّ الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كانت الأبوة فيه (كاملة) شاملة فاض برُّها، وحنانها وشفقتها على أبناء المسلمين جميعاً، وسعدوا بها، وتفيئوا ظلالها، كانت أبوة سخيّة معطاءة، بارة حانية تُعلم الآباء كيف يكون البر، وكيف تكون الرحمة، وكيف يكون الحنان، بل كيف تكون الأبوَّة.

وما زال - وسيظل - يرن في آذان البشرية أخبار تلك الأبوَّة الكاملة الشاملة، حيث سجلتها الأحاديث الصحيحة سطوراً من نور يهدي الإنسانية إلى سنة خير البرية.

من مظاهر الأبوَّة العامَّة:

كان صلى الله عليه وآله وسلم يفرح بأطفال المسلمين، ويهنئ ميلادهم، ويباركهم ويسعد إذ يأتونهم بهم يحنكهم، ويسميهم، ويبين للمسلمين كيف يستقبلون أبناءهم ويحثُّهم على الفرحة بهم، والاحتفال بمقدمهم، ويدعوهم للعقيقة عنهم يوم سابعهم، ويشهد هذه الولائم تنويهاً بها، وإعلاءً لشأنها وللمناسبة التي أقيمت من أجلها.

عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنَّها حملت عبد الله بن الزبير بمكة، قالت: فخرجت وأنا متم (أي: في آخر أيام الحمل) فقدمت المدينة، فنزلت بقباء، فولدت بقباء، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضعه في حجره، ثم دعا بتمرة، فمضغها، ثم تفل في فيه، فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم حنَّكه بالتمرة (التحنيك: هو أن يمضغ التمرة حتى تلين ثم يدلك بها حنك الصبي، داخل فمه، حتى ينزل إلى جوفه شيء منه). ثم دعا له، فبرَّك عليه. وكان أول مولود في الإسلام.

وفي رواية زيادة: «ففرحوا به فرحاً شديداً، لأنَّهم قيل لهم: أنَّ اليهود قد سحرتكم، فلا يولد لكم». (رواه الشيخان).

وفي الصحيحين أيضاً عن عائشة رضي الله عنها نحو هذا الحديث، وفيه وسماه (عبد الله).

ولا يقولن قائل: أنَّ هذا يدخل في باب ملاطفة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لأبنائه، وآل بيته، فإنَّ أسماء أخت عائشة رضي الله عنها زوجه، والزبير زوج أسماء ابن صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - لا يقولن قائل ذلك فإن هذا لم يكن لابن أسماء وحدها. والأخبار عن فعله عليه الصلاة والسلام ذلك بغير عبد الله بن الزبير لا تقف عند حصر.

وكأني بأصحابه رضوان الله عليهم قد عرفوا حبَّه عليه الصلاة والسلام لذلك وسعادته به، فكانوا يحرِصون عليه ويهتمون به، بل وجدوا هم - أيضاً - خيراً في ذلك لأبنائهم، وبركة عليهم..

يشهد لذلك ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: ولدت أم سليم (زوج أبي طلحة، وأم انس) غلاماً، فقال أبو طلحة احفظ (أي لا يتناول شيئاً، كما صرَّح بذلك في رواية أخرى، عند البخاري أيضاً) حتى تأتي به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. (وفي الرواية الأخرى أن الذي طلب حفظه من أن يتناول شيئاً هي أم سليم، ولا مانع أن يكون الطلب بالمحافظة على الغلام من أن يتناول شيئاً قد كان من كل منها من أبي طلحة، وأم سليم، وتكرَّرت الرواية من أنس رضي الله عنه).

قال أنس: وأرسلت (أم سليم) معه (أي: الصبي) بتمرات، فأخذه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أمعه شيء؟ قالوا: نعم، تمرات. فأخذها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فمضغها، ثم أخذ من فيه فجعلها في (فم) الصبي وحنَّكه به، وسماه عبد الله» (إرشاد الساري 8/252).

وهذا الحديث أخرجه مسلم بزيادة: «فجعلَ الصبيُّ يتلمَّظُه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حب الأنصار التمر». [ملاحظة: قال القسطلاني في إرشاد الساري عن هذا الحديث: (أخرجه مسلم في باب الاستئذان)، وليس الأمر كما قال. بل هو في باب استحباب تحنيك المولود عند ولادته].

فهنا نجد حرص كل من أبي طلحة، وزوجته أم سليم على أن يكون أول ما يدخل جوفَ الصبي من ريق النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم.

ولا يفوتنا أن نسجل ما ظهر من تلطُّف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومداعبته حين علق على تلمُّظ الطفل (يتلمظ أي: يحرِّك لسانه في فمه، ليتتبع ما فيه من تمر) قائلاً: «حب الأنصار التمر»، فكأنَّه عليه الصلاة والسلام يفسر تلمظ الغلام، بعراقته في حبِّ التمر، وإرثه ذلك عن آله الأنصار، فقد كان أهل المدينة (الأنصار) أهل نخيل، فالتمر شائع فيهم، وعامَّة طعامهم، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ذلك في معرض المجاملة والثناء والرضى عن الأنصار، وأبناء الأنصار.

وربما قيل: إنَّ أم سليم، وأبا طلحة ليسا بعيدين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأنس خادم الرسول ابن أم سليم، والمولود أخوه لأمه، فهو يرتبط بنوع صلة بالنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقطع هذا القول، ويؤكد أنَّ ذلك البر بالأبناء كان لكل أبناء المسلمين.

قال أبو موسى: ولد لي غلام فأتيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم به، فسمَّاه إبراهيم، وحنَّكه بتمرة، ودعا له بالبركة، ودفعه إليّ، وكان إبراهيم هذا أكبر ولد أبي موسى الأشعري (رواه البخاري في باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه) ورواه مسلم في باب استحباب تحنيك المولود. [وهم القسطلاني أيضاً في هذا الحديث. حيث قال: أن مسلماً أخرجه في باب الاستئذان].

وربما كان أوضح في الدلالة على أنَّ ذلك كان شأن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بصفة عامة، وأنَّه كان مألوفاً معروفاً عند المسلمين ما رواه هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة رضي الله عنهم: «أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم، ويحنِّكهم» أخرجه مسلم.

فهذا الحديث بهذه الصيغة ناطق وشاهد بأنَّ ذلك كان شأناً منه، ومعروفاً عنه ومعهوداً من صحابته معه، بصفة عامة، وأن الأحاديث التي رويت، وحددت أسماء ووقائع معينة مجرد أمثلة، وليست حاصرة جامعة مانعة.

وكان صلى الله عليه وآله وسلم، في تسميته لأبناء الصحابة رضوان الله عليهم يتوخَّى فيها المناسبة لحال كل طفل، وما يدخل السرور على أسرته ويسعدهم، ينطق بذلك الحديث التالي:

عن سهل بن سعد قال: أتي بالمنذر بن أبي أسيد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين ولد، فوضعه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على فخذه وأسيد جالس، فلهى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بشيء (أي شغل به) بين يديه، فأمر أبو أسيد بابنه فاحتمل من على فخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقلبوه، فاستفاق رسول الله صلى الله صلى الله عليه وآله وسلم (أي مما شغله)، فقال: أين الصبي؟ فقال أبو أسيد: أقلبناه يا رسول الله، قال: ما اسمه؟ قال: فلان يا رسول الله. قال: لا، ولكن اسمه المنذر، فسماه يومئذ المنذر) رواه الشيخان.

فمع ما كان فيه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من شغل، استغرقه حتى احتمل الصبي من على فخذه من غير أن يشعر، مع ذلك لم ينسَ أن يسأل على اسمه، ولما عرفه، غيَّره، لا لكراهية الاسم الذي سموه به، ولكن (المنذر) كان ابن عم أبيه، وكان قد استشهد ببئر معونة، وكان أميرهم، فاختار النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم له اسم (المنذر) تفاؤلاً أن يكون خلفاً من ابن عم أبيه الشهيد الذي استشهد ببئر معونة. (شرح مسلم للنووي: ج14 ص 127).

ومن هذا أيضاً ما رواه أحمد والبزار عن علي رضي الله عنه قال: لما ولد الحسن سميته حرباً، فجاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أروني ابني، ما سميتموه؟ قلت: حرباً. قال: بل هو حسن، فلما ولد الحسين سميته حرباً، فجاء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلت: حرباً. قال: هو حسين، فلما ولد الثالث سميته حرباً، فجاء صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: أروني ابني ما سميتموه؟ قلت: حرباً. قال: بل هو محسن».

فنحن هنا أمام إصرار من علي رضي الله عنه على (اسم حرب) وكرَّره في كل مرة ولد له فيها ولد من فاطمة، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في كل مرة يتجاوز عن اختيار علي وإصراره، ويغير الاسم، فلماذا أصرَّ علي رضي الله عنه، ولماذا غيَّر صلى الله عليه وآله وسلم ما أصرَّ عليه؟

أخال علياً - كرَّم الله وجهَه، وهو رجل الحرب المعروف بالبطولة والإقدام، صاحب المبارزة يوم بدر، وصاحب الصولة والجولة يوم خيبر- كان يختار اسم حرب ليكنى بأبي حرب، فتوافق كنيته صفته وحالته، فهو البطل أبو حرب. كذا كان يقدر علي رضي الله عنه فلِمَ لم يرضَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؟ ولم يتهاون في تغييره؟

والذي يلوح لنا أن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم رأى البطولة والشجاعة والثبات في الحرب صفات كاملة مُتحققة في علي كرَّم الله وجهه، فلم يرضَ له أن يحصر نفسه في هذا الجانب وأن يجعل كل همه الحرص على هذه الصفة وأن ينادى بها، بل أراد أن يلفته إلى غيرها، ولعله صلى الله عليه وآله وسلم أراد أبعد من هذا، أراد أن يخفف من اهتمام علي بالحرب وانشغاله لها.

للمقالة تتمة في الجزء التالي

المصدر: المؤتمر العالمي الثالث للسيرة والسُنَّة النبويّة، الدوحة، محرم 1400هـ

الحلقة السابقة هـــنا

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا