الثلاثاء 14 ربيع الأول 1443 - 19 أكتوبر 2021

عبيدة بن الحارث رضي الله عنه

السبت 4 صفر 1443 - 11 سبتمبر 2021 67 طارق عدي
عبيدة بن الحارث رضي الله عنه

شهيد يفوح المسك من قبره

حديثنا في هذه الأسطر سيكون بعون الله تعالى عن شهيد مقدام، من أوائل المسلمين، وأوائل المهاجرين، وأوائل المجاهدين، وأوائل الفرسان المبارزين المستشهدين في أول غزوة غزاها سيد المرسلين – صلى الله عليه وسلم – غزوة بدر الكبرى.

إنه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف بن قصي القرشي المطلبي رضي الله عنه، ويكنّى أبا الحارث وقيل أبو معاوية، وأمه سُخيلة بنت خزاعة بن الحويرث الثقفية. وكان رضي الله عنه أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعشر سنين.

أسلم مبكرًا، وقبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم بن أبي الأرقم، فهو من السابقين الأولين، وكان برفقته يوم أسلم الصحابي الجليل أبو سلمة بن عبد الأسد، وعبد الله بن الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون رضي الله عنهم أجمعين، وقد آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين بلال الحبشي رضي الله عنه في مكة المكرمة. وكانت هذه المؤاخاة الأولى التي آخى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في مكة قبل الهجرة، وهي مؤاخاة على الحق والمواساة. ثم هاجر إلى المدينة لما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إليها، وكان ذلك برفقة أخويه: طُفيل والحُصين ابني الحارث، ومعهم مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب، وقد نزلوا في المدينة أول قدومهم على عبد الله بن سلمة العجلاني، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة بينه وبين عُمير بن الحُمام الأنصاري رضي الله عنه، ومن عجيب المقادير وغرائب الأحداث أنه استشهد هو وأخوه الأنصاري وقتلا جميعاً في يوم واحد في يوم مشهود من أيام الإسلام، وموقعة عظيمة، أعز الله فيها دينه ونبيه صلى الله عليه وسلم، إنه يوم بدر الذي قال الله تعالى فيه: " يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين". ( الأنفال 45-46 ) . فكانا رضي الله عنهما نعم الأخوان المجاهدان الصابران، المضحيان في سبيل الله تعالى.

وكان لعبيدة رضي الله عنه قدر ومنزلة كبيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومحبة خاصة يستحقها لكبر سنه، وعظيم تضحياته، فأقطعه وأخويه طُفيل والحُصين أرضاً في المدينة بين بقيع الزبير وبني مازن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع المهاجرين الذين لا يملكون أرضاً قطعة أرض من الأرض التي لا يملكها أحد ، أو يتبرع بها أحد أصحابها من الأنصار، وذلك رأفة بالمهاجرين وعوناً لهم على الاستقرار في المدينة، وكانت دار عبيدة رضي الله عنه قريبة من مسجد رسول الله قلب المدينة، ومبعث النور، وواحة العلم والإيمان، والثكنة الأولى في الإسلام كما وصفها بعض الدارسين لسيرته صلى الله عليه وسلم. وفي هذا دليل قاطع على ما كان يتمتع به هذا الصحابي الجليل من سجايا رفيعة، وإيمان عميق، وكفاية عالية.

وعندما بدأ النشاط العسكري للمسلمين بعد نزول الإذن بالقتال وذلك في قوله تعالى: " أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وإن الله على نصرهم لقدير" قاموا بتحركات عسكرية هي أشبه بالدوريات الاستطلاعية، وكان المطلوب منها هو الاستكشاف والتعرف على الطرق المحيطة بالمدينة المنورة، والمسالك المؤدية إلى مكة أولاً، ثم عقد المعاهدات مع القبائل التي مساكنها على هذه الطرق ثانياً، وثالثاً إشعار مشركي يثرب ويهودها وأعراب البادية الضاربين حولها بأن المسلمين أقوياء، وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم، وكذلك إنذار قريش عقبى طيشها، حتى تفيق عن غيّها الذي لا تزال تتوغل فيه، ولعلها تشعر بتفاقم الخطر على اقتصادها وتجارتها وأسباب معايشها فتجنح إلى السلم، وتمتنع عن إرادة قتال المسلمين في عقر دارهم، وعن الصد عن سبيل الله، وعن تعذيب المستضعفين من المؤمنين في مكة، حتى يصير المسلمون أحراراً في إبلاغ رسالة الله في ربوع الجزيرة العربية. (بتصرف من كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري)

نشاطه العسكري وتضحياته

ولئن كانت أول سرية من سرايا المسلمين هي سرية سيف البحر بقيادة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه الذي عقد له رسول الله أول لواء في الإسلام، وكان حامله أبو مرثد الغنوي، فإن ثاني لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لعبيدة بن الحارث بن المطلب، عندما بعثه إلى بطن رابغ، وكان لواؤه أبيض، وحامله مسطح بن أثاثة بن عبد المطلب، فلقي عبيدة ومن معه المشركين في ثنية المرة، وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب، في مائتين من أصحابه، فكان بينهما تراشق بالسهام، ولم يسلّوا السيوف، ولم يصطفوا للقتال، وإنما كانت بينهم مناوشة، وقد رمى فيها سعد بن أبي وقاص يومئذ بسهم، فكان أول سهم رُمي به في الإسلام، وفي هذه السرية انضم من جيش مكة إلى جيش المسلمين رجلان هما المقداد بن عمرو البهراني، وعتبة بن غزوان المازني، وكانا مسلمين خرجا مع الكفار، ليكون ذلك وسيلة لهما للحاق بالمسلمين. ثم انصرف الفريقان وعاد المسلمون إلى المدينة، وعاد المشركون إلى مكة.

يقول اللواء محمود شيت خطاب في تعليقه على هذه السرية: بالرغم من أن القتال لم ينشب في المعركة، فلم يحرز أي طرف انتصاراً في القتال، إلا أن سرية عبيدة بن الحارث رضي الله عنه أحرزت انتصاراً معنوياً على المشركين لا ريب فيه، لأن انسحاب مائتين من المشركين ما بين فارس وراجل، أمام ستين من المسلمين، يدل على أن معنويات المسلمين كانت عالية، ومعنويات المشركين منهارة، والانتصار المعنوي لا يقل أهمية عن الانتصار المادي إن لم يكن أكثر أهمية منه وأعظم أثراً وتأثيراً.

صريع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم

عند الحديث عن استشهاد الصحابي الجليل عبيدة بن الحارث رضي الله عنه لا بد من التعريج على بداية القتال والاشتباك بين الجيشين في غزوة بدر الكبرى، وذلك حين تقدم الأسود بن عبد الأسد المخزومي من الحوض الذي كان بناه رسول الله صلى الله عليه وسلم باقتراح ومشورة من الحباب بن المنذر رضي الله عنه، وكان الأسود رجلاً شرساً سيئ الخلق صائحاً ومنادياً : أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه، فخرج إليه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فلما التقيا ضربه حمزة ضربة أطنت رجله –أي قطعتها – بنصف ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تشخب رجله دماً نحو أصحابه، ثم حبا إلى الحوض حتى اقتحم فيه يريد أن يبر بيمينه، ولكن حمزة رضي الله عنه ثنّى عليه بضربة أخرى أتت عليه وهو داخل الحوض وعند ذلك انقدحت شرارة المعركة، وثارت الحمية في الصدور، وفارت الدماء في العروق غيظاً وألماً فخرج بعده ثلاثة من خيرة رجال قريش وفرسانها الشجعان ومن عائلة واحدة وهم عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وحين انفصلوا عن صف المشركين طلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار هم : عوف ومعوّذ ابنا الحارث – وأمهما عفراء – وعبد الله بن رواحة، فقالوا: من أنتم؟ قالوا: رهط من الأنصار، قالوا: أكفاء كرام، مالنا بكم من حاجة، وإنما نريد بني عمنا، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث، ثم يا حمزة، وقم يا علي، فلما قاموا دنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فأخبروهم فقالوا: أنتم أكفاء كرام، فبارز عبيدة – وكان أسن القوم – عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد بن عتبة، فأما حمزة وعلي فلم يمهلا قرينيهما أن قتلاهما، وأما عبيدة رضي الله عنه فاختلف بينه وبين قرينه ضربتان فأثخن كل واحد منهما صاحبه، ثم كر علي وحمزة على عتبة فقتلاه، واحتملا عبيدة إلى رسول الله، فوُسّد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قُطعت رجله وأثخنته الجراح والدماء تنزف منه، فوضع الرسول رأسه على ركبته الشريفة، فقال عبيدة: يا رسول الله ليت أبا طالب حيّ حتى يرى مصداق قوله، وفي رواية: يا رسول الله لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بقوله منه حيث يقول:

كذبتم وبيت الله نبزى محمداً=ولما نطاعن دونه ونناضل

ونُسلمه حتى نُصرع حوله=ونُذهل عن أبنائنا والحلائل

وبعد انتهاء المعركة حمله رسول الله صلى الله عليه وسلم معه عائداً من بدر، فتوفي في الصفراء – موضع قريب من المدينة – بعد أربعة أيام أو خمسة من وقعة بدر فدفن بها بذات أجدال أسفل من عين الجدول .

وكان عمره يومئذ ثلاثاً وستين سنة رضي الله عنه. وثبت في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه أنه كان يقسم قسماً أن هذه الآية نزلت في حمزة وصاحبيه، وعتبة وصاحبيه، يوم بدر وهي قوله تعالى: "هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولهم مقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق." (الحج 19-22)

وروى البخاري عن علي بن أبي طالب أنه قال: أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة، قال قيس: وفيهم نزلت :"هذا خصمان اختصموا في ربهم" قال هم الذين بارزوا يوم بدر : علي وحمزة وعبيدة، وشيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة.

ومن كراماته وعظيم إكرام الله له رضي الله عنه جزاء ما قدم وبذل وضحى لهذا الدين الحنيف مخلصاُ لله تعالى، ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل مع أصحابه بالتأربين – اسم مقبرة بالصفراء – في إحدى أسفاره، قال له أصحابه: إنا نجد ريح مسك يا رسول الله، فقال: وما يمنعكم، وها هنا قبر أبي معاوية يعني الشهيد الشجاع عبيدة بن الحارث رضي الله عنه.

وبهذا طويت صفحة مشرقة من صفحات شهداء الإسلام العظماء، من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ممن حملوا مشعل الهداية، وراية الحق والعدل والنور إلى البشرية جمعاء، فكانوا دعاة للإسلام، حماة لأهله، وسداً منيعاً وحصناً حصيناً في وجه الطغاة العتاة من الكافرين والمشركين، بذلوا الغالي والنفيس لتعلو راية الإسلام والإيمان، ففازت البشرية بانتشار الدين الحنيف، وفازوا رضي الله عنهم بجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، يتقلبون في نعيمها ويجنون من ثمراتها وخيراتها وبركاتها. قال تعالى: "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون. (آل عمران 169-170)

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا