السبت 12 صفر 1443 - 18 سبتمبر 2021

ملامح سور القرآن: سورة ص

الخميس 26 ذو الحجة 1442 - 5 أغسطس 2021 103 محمد خليل الزروق
ملامح سور القرآن: سورة ص

سورة (ص) في الاصطفاء أيضًا مع مزيد تنويه بالوحي المحمدي، واصطفاء محمد -صلى الله عليه وسلم- للرسالة، ولذلك تجد في أولها: (أأنزل عليه الذكر من بيننا)، ويكون من جوابهم: (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب). وفي آخرها: (إن هو إلا ذكر للعالمين. ولتعلمن نبأه بعد حين).

وفيها تسلية للنبي -صلى الله عليه وسلم- بقصص الأنبياء المصطفين الأخيار، مع ذكر ما امتُحنوا به، كما امتُحن -صلى الله عليه وسلم- بأذى قومه وتكذيبهم واستهزائهم. فداود عليه السلام امتحن بسؤال الخصمين، إذ حكم بعد سماع دعوى أحدهما قبل سماع حجة الآخر. أو كان أحدهما ألحن بحجته فحكم له قبل التثبت، ويشير إليه: (وعزني في الخطاب)، كما ذهب إليه الأستاذ سبحاني في إمعان النظر، فتفطن إلى ما كان منه، وإلى أن الخصمين كانا من قبيل الفتنة له، فتاب وتاب الله عليه. أو اشتغل بالتعبد في المحراب عن شئون الرعية، ويشير إليه تسورهم للمحراب، كما ذهب إليه الأستاذ بسام جرار، وأيضًا قوله من بعد: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق)، وعقب عليه بأن الله خلق السماء والأرض بالحق، فلا يسوي بين المتقين والفجار، ولا بين الصالحين والمفسدين.

وسليمان فُتن بالخيل شغلته عن ذكر الله، وبإلقاء جسد على كرسيه، وذكر الكرسي يشير إلى شيء يتعلق بملكه، وتاب سليمان، ومَنَّ الله عليه بعطايا وسخر له ما سخر، كما مَنَّ على أبيه داود. وأيوب فُتن بالبلاء في بدنه، فصبر، وكشف الله عنه الضر.

وقوله تعالى في شأن سليمان عليه السلام: (فطفق مسحا بالسوق والأعناق)، فُسر هذا بأنه كفَّر عن اشتغاله بضرب سوق الخيل وأعناقها، واستُشكل بأنه تعذيب لها بلا ذنب، فهذا قول، وحُمل أيضا على أنه كان يمسح على سوقها وأعناقها حبًّا لها وإعجابًا بها، وهذا ما شغله، واستُشكل بأنه على غير ترتيب الوقوع، لأن الآيات: (إذ عُرض عليه بالعشي الصافنات الجياد. فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب. ردوها علي فطفق مسحًا بالسوق والأعناق).

والقول الثاني هو ما أرجحه، ورفع الإشكال يكون بتبين نظم الكلام، فقوله: (ردوها علي) يقع موقع الحال محذوف القول من قوله: (أحببت)، فالتقدير: أحببت حب الخير عن ذكر ربي قائلًا ردوها علي، وقصاراه أن فيه التفاتًا في قوله: (فطفق)، فاستعمل الغياب والأصل التكلم، أي فطفقت أمسح.

وأما وقوع القول حالا فكثير في القرآن والكلام، ومنه قوله تعالى: (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) أي قائليْنِ، وهذا بخلاف وقف الهبطي في هذا الموضع وغيره على (إسماعيل)، فالحال يقتضي الوصل.

وفيه أن الاشتغال بالدنيوي عن ذكر الله فتنة، كما قال الله تعالى: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة)، وموضع الزلل في الاستزادة فوق الحاجة، فقد تفقد سليمان الخيل وتمتع بمنظرها، ثم أراد الاستزادة من ذلك، فقال: (ردوها علي)، فشغلته حتى غابت الشمس، وكان يمكن أن يكتفي بالمرة الأولى.

وكأن الأنبياء المذكورين في السورة قسمان: قسم آتاهم الله من الملك ومن المال، وكان لهم ابتلاء مخصوص له صلة بما أوتوا، وهم داود وسليمان وأيوب، فقد ذُكر أن أيوب كان ذا ثروة واسعة، والقسم الآخر لم يتلبسوا بشيء من ذلك، ولذلك قال فيهم: (إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار)، وهي الدار الآخرة، وهم إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وألحق بهم طائفة أخرى، وهم إسماعيل واليسع وذو الكفل.

وفي ختام السورة مشاهد من القيامة، ومشهد إباء إبليس وتكبره وتوعده بإغواء بني آدم إلا المخلصين من عباد الله. وفي القيامة مشهد لافت له مَسِيس صله بمقصدها، وهو أن أهل النار السابقون إليها يتبرمون بفوج من اللاحقين، فيقول هؤلاء لهم: أنتم مَن سَنَّ لنا طريق جهنم فقد اتبعناكم. ثم يتفقَّدون قومًا كانوا يعُدُّونهم من الأشرار في الدنيا ويظنون أنهم معهم في النار، فيعلمون أنهم من أهل الجنة. وهؤلاء إما من الذين تابوا، وإما ممن كانوا يسخرون منهم من المؤمنين. والعبرة في الحالين أنهم أخلصهم الله لكرامته وجنته، بعد أن خالطوا أهل النار في الدنيا، وكان لكل منهم طريق.

وفي صدرها حديث الملأ عن الدعوة الجديدة، وتصويرها بأنه شيء يُراد، أي مدبَّر وله أغراض غير معلنة، ويستنكرون أن يُختار لها الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يختار لها أحد من الملأ، ولكنه فضل الله واصطفاؤه، وهو يختص برحمته من يشاء.

وفي السورة مشاهد للابتلاء بالخير والشر لمن صبروا في الابتلاء فاستحقوا الأوصاف المذكورة لهم، واستحقوا كرامة الآخرة، ومفهومه أن الذين ابتُلوا فكانوا من الطاغين استحقوا خلاف ذلك من الذام والعذاب. فقد استُخلف داود للحكم بالحق بين الناس، كما قامت السماء والأرض بالحق، وكما يحكم الله يوم القيامة بين الناس بالحق، فلم يخلق الله الخلق باطلًا، ولا يستوي عنده المحسن والمسيء. وابتُلي سليمان بما آتاه من الملك وما سخر له، وابتلي أيوب بالضر في بدنه، ثم عافاه الله وأنعم عليه. وكلهم وصفه بأنه أوَّاب، أي كثير الرَّجْعة إلى الله، توبةً وتذكرًا ودعاء، وكذلك من ذكر أسماءهم ولم يذكر هنا أخبارهم، فكلهم من الأخيار المصطفين.

وفي ختام السورة مشهد استكبار إبليس وقسمه أن يغوي العباد إلا المخلصين، وقسم الله تعالى أن يملأ جهنم منهم، وكذلك هي القصة، ليست تكلفًا واصطناعًا، ولكن ذكرى ونبأ عظيم، إن لم يستجيبوا له اليوم، فسوف يعلمونه عيانًا بعد حين، فيتخاصمون ويدعو بعضكم على بعض، وذلك حين لا ينفعهم العلم ولا التخاصم ولا الدعاء، بعد أن قضي الأمر وحكم الله بين العباد.

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا