السبت 12 صفر 1443 - 18 سبتمبر 2021

لماذا تشقى البشرية؟

الأربعاء 25 ذو الحجة 1442 - 4 أغسطس 2021 120 محمد عادل فارس
لماذا تشقى البشرية؟

ألا يخطر في بالنا سؤال عن الشقاء الذي تعيشه البشرية: أزمات اقتصادية، وغلاء وتضخم، وأمراض جسدية ونفسية وعقلية، وارتفاع في نسبة الانتحار... فضلاً عن عمليات الاغتيال والتجويع والتهجير والإذلال وانتشار البطالة والجريمة...

بعض هذه الأمور تزيد نسبته في الدول الفقيرة، وبعضه في الدول الغنية التي تتوافر فيها أسباب الرفاهية والتقدم التكنولوجي و"الديمقراطية".

والذي يقرأ الإحصاءات التي تنشرها جهات رسمية وغير رسمية لا بد أن يتساءل، بينه وبين نفسه، وربما بينه وبين أصدقائه وأقرانه: ماذا وراء كل هذه الكوارث؟!

ويكفي أن تستمع إلى نشرات الأخبار لتجد أنه لا تكاد تخلو نشرة منها من تلك الأخبار التعيسة.

ألا ترون أن السبب الحقيقي وراء ذلك كله هو الخواء الروحي وضعف الإيمان باللّه، أو غياب هذا الإيمان؟ ألا ترون أن المناهج المدرسية ووسائل الإعلام والمنصات الثقافية، حتى في بلاد المسلمين، تسارع إلى تقليص الجرعة الإيمانية حتى تغيب معاني الإيمان عن القلب والعقل والعاطفة فتنشأ نفوس صلدة جاسية لا تستضيء بنور الإيمان ولا تكاد تهتم خارج نطاق شهواتها، فإذا حُرمت من هذه الشهوات، أو نزل بها بلاء في بدنها أو مالها، أو توافرت لها كل الشهوات ثم لم تشعر بالسعادة... أصيبت ببعض الأمراض النفسية كالقلق والإحباط واليأس... فاندفعت لتنتقم من المجتمع أو من بعض أفراده، أو لتنتحر فتتخلص من الحياة كلها.

ثم ألا ترون أن المتديّنين، على الرغم مما يعتور حياتهم من تقصير، هم أقل الناس تأثّراً بهذه العلل؟!.

الإيمان الحق يعطي الإنسان الطمأنينة والرضا بقضاء الله تعالى، ويعلّمه أن الابتلاء بأنواعه، يمكن أن يصيب المؤمن، وأن المؤمن يتلقى ذلك بالتسليم بقضاء الله، ويأخذ بأسباب النجاة والفلاح والسلامة والنصر.

يقول ربنا سبحانه: (لَتُبلوُنَّ في أموالكم وأنفسكم، ولتسْمَعُنَّ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومِن الذين أشركوا أذىً كثيراً. وإن تصبروا وتتقوا فإنّ ذلك من عزم الأمور). {سورة آل عمران: 186}.

ويقول جلّ وعلا: (ولَنَبلُونّكم بشيءٍ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. وبشّر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبةٌ قالوا: إنّا لله وإنّا إليه راجعون. أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة، وأولئك هم المهتدون). {سورة البقرة: 155-157}.

ولنتذكر حال امرأة واحدة، إنها الصحابية الخنساء، كانت قد واجهت مصيبة في جاهليّتها حين فقدت أخاها صخراً، فملأت الدنيا عليه حزناً حتى همّت بقتل نفسها وقالت:

يذكّرني طلوعُ الشمس صخراً وأذكـره لكلّ مغيب شــمـسِ

ولـولا كـثــــــرة البــاكيـــــن حــــولي على إخوانهم لقتلتُ نفسي

ثم نراها وكأنها إنسان آخر، بعد أن ملأ الإيمان قلبها، فقد نُعي إليها أولادها الأربعة يوم القادسية، فما زادت على أن قالت: الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو أن يجمعني الله بهم في مستقر رحمته.

نعم، مَن الذي يستطيع أن يواجه ضغوط الحياة إلا قلبٌ آمنَ باللّه وبقول نبيّه صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "يا غلام إني أعلمك كلماتٍ: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن باللّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

هذا هو الإيمان بقضاء الله وقدره، وهو ما يميز المؤمن.

ولنقل أخيراً ما علّمنا إيّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما رواه البخاري: "اللهم لا مانع لما أعطيتَ، ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجدّ". ولنكنْ من الذاكرين (الذين آمنوا وتطمئن قلوبُهم بذكر الله. ألا بذكر الله تطمئن القلوب). {سورة الرعد: 28}.

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا