الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 - 13 نوفمبر 2019

الشباب وتفاعلهم مع حال الأمة

الأربعاء 24 ذو الحجة 1431 - 1 ديسمبر 2010 801

بقلم إسماعيل الكيلاني


الشباب دور من أدوار العمر يمر به الإنسان أثناء تنقله بين مراحل العمر المتتالية ، إذ ينتقل من الطفولة إلى الشباب ثم إلى دور الرجولة فالكهولة ..
وقد حدد مؤتمر وزراء الشباب الأول في جامعة الدول العربية المنعقد بالقاهرة عام 1969م مرحلة الشباب بأنها في الغالب ما تكون بين سن الخامسة عشر والخامسة والعشرين -يرى المؤتمرون أن مفهوم الشباب يتناول أساساً من تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة ، انسجاماً مع المفهوم الدولي المتفق عليه في هذا الشأن- وهذا يعني المرحلة الإعدادية والثانوية والجامعية .


وهذه المرحلة هي مرحلة البناء الفكري والنمو العقلي ، مرحلة التأثر والتأثير .


والشباب هو الدور الذي تنبني فيه العقائد والمثل ، وتتشكل فيه النفس الإنسانية والعقل البشري بحيث تكون متأهبة لأداء دورها في حمل أمانة الحياة ومسؤولية المجتمع .


فإذا فقد الشاب الهدف والانتماء تحولوا إلى طاقة مبعثرة ، تتبدد في فراغ ، وتستهلك في غير المواقع الصحيحة ، وتنتهي إلى الحيرة والقلق والتمزق والعدمية ، وعاشوا حالة من الضياع ، تسهل على أعداء الأمة احتلال نفوسهم وعقولهم وأرواحهم وأرضهم ، وإذا فقدوا الالتزام والانضباط بالمثل التي يؤمنون بها انقلبوا إلى شر محض ، يدمرون أنفسهم وأمتهم .


والشباب -عبر التاريخ- هم الذين كانوا دعاة المساوئ والمنكرات ، كما كانوا هم الجيش العرمرم لرفع ألوية الخير والصلاح .


إنّ الشباب هم أسرع اندفاعاً من الشيوخ ، وهذه الظاهرة لا تختص بعصر دون عصر ، بل عمّت العصور وشملت الدهور وقد ورد في الأثر (خذلني الشيوخ ونصرني الشباب) لذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلّم يرعاهم رعاية خاصة ، يقربهم إليه ، ويربي فيهم الشخصية الاستقلالية ، ويدربهم على نحمل المسؤولية ، ويوصي بهم خيراً ، لأن صلاحهم إذا كان مبنياً على دعائم قوية من الخلق والدين ، فسيكون للأمة مستقبل زاهر ولن يؤتى الإسلام من قبلهم .


من هنا يجب العمل على تحصيل الشباب ليتمكنوا من أداء الدور الذي يجعلهم يتفاعلون مع حال الأمة التفاعل الإيجابي من خلال الولاء لدينهم وحضارتهم وذاتيتهم ، ولا يتحقق هذا إلاّ بقيام الجميع بواجبهم نحو هؤلاء الشباب بدءاً بالأسرة وانتهاء بالمجتمع .


ويكون ذلك ﺑ :
1- تأصيل الشورى -كما شرعها الإسلام- والتدريب عليها ضمن الأسرة والمسجد والمدرسة ونحو ذلك .
2- الحياة ضمن أطر جماعية ضرورة تربوية يتم فيها التدريب على الأعمال المشتركة ، حيث تنمو الروح الجماعية ، وتتحقق القيم الإسلامية من الأخوة والإيثار والتراحم والإحساس والتعاون ، والتواصي بالحق ، والتواصي بالصبر ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإقامة البنيان الذي يشيد بعضه بعضاً ، والجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى .
3- تنمية فكرة الاحتساب والإحساس بالمسؤولية ، وأن أعظم أهدافه : (تغيير الناس وهدايتهم وحب الخير لهم « لأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ » رواه البخاري .
4- مرحلة الشباب ليست مرحلة للجنس فقط ، بل مرحلة للتكاليف والمسؤوليات ، ومرحلة للنمو الجسدي والعقلي ، فإذا تعهدت التربية هذه الطاقات بالتوجيه والرعاية ضمن برنامج يوجه عاطفة التدين وحاجات العقل في العلم والمعرفة ، وطاقات الجسد بالتربية الرياضية ، كان ذلك كله تغطية للفراغ الذي يمكن أن يحس به الشباب ، كما أن التربية على معاني العفة والطهارة والنقاء والسمو الروحي مما يجنبهم كثيراً من المزالق والمحاذير .
5- الخطأ وارد « كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ ... » رواه ابن ماجه والدارمي ، والتصويب والرعاية والأخذ باليد هو الأصل ، قول الرسول صلى الله عليه وسلّم للشباب الذين ظنوا النجاة في التشديد على النفس ومخالفة الفطرة « ... فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي » رواه البخاري ، وطلب الإيغال في الدين برفق ويسر واعتدال .
6- القدوة الصالحة والأسوة الحسنة في البيت والمجتمع ، إلى جانب تعويدهم على اتخاذ الأنبياء المعصومين ، وجيل الصحابة محلاً للأسوة والاقتداء :


أ‌-   إبراهيم عليه السلام - البحث عن الحقيقة والصبر على الابتلاء
ب‌-  يوسف عليه السلام - العفة والطهارة
ت‌-  موسى عليه السلام - القوة والأمانة
ث‌-  فتية الكهف - التماسك والاستقلالية وعدم الذوبان في مجتمع الانحراف
ج‌-  محمد صلى الله عليه وسلّم - خاتم الأنبياء الذي تلتقي عنده خصائص النبوة والتجربة الإنسانية ليكون خير أنموذج للشباب في الأسوة والقدوة :


 لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرِ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا  [الأحزاب : 21]
7- تنمية الروح الجماعية باستشعار الأخوة في الله ، والمحبة فيه ، وهي التي إن توافرت لدى الشباب تمثلت ﺑ :
 الاهتمام بأمور الأمة وكأنها أمور شخصية ، روى البيهقي عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : « من أصبح ولم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم » .


 نصرة المسلمين في كل مكان من الأرض ، قال تعالى :  ... وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ...  [الأنفال : 72] .
 الولاء لله تعالى وحده دون سواه ، قال تعالى :  إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ  [الأنفال : 55]
 وحدة الهدف في الحياة ، قال تعالى :  وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  [الذاريات : 56]
 التواصي بالحق والعمل له ، قال تعالى :  وَالْعَصْرِ  إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  إِلاَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ  [العصر : 1-3] . وقال تعالى :  الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ  [الحج : 41]
وقال تعالى :  وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  [التوبة : 71]


- وأخيراً لا بد للشباب أن يعيش الحقيقة بحلوها ومرها ، بأن يحس الهزيمة ويتعرف على أسبابها ، ويستخلص العبر والدروس منها ، ويستشعر التحدي الذي يستنفر همته ويشحذ فاعليته ..


فلا يقع في شراك اليأس ، أو التهرب من حمل الأمانة والشعور بالمسؤولية ، فلينطلق متوكلاً على الله تعالى باتخاذ الأسباب الكفيلة بالقضاء على حال الهزيمة والذلة التي تعاني منها الأمة -بعد الهزيمة التي أصابت المسلمين في غزوة أحد ، أذن مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلّم بطلب العدو ، وقال : « لا يخرج معنا إلا من حضر بالأمس » وكان هذا الخروج إرهاباً للعدو وإعلاماً أن الذي أصاب المسلمين لم يوهنهم .


وقد كان لهذا الخروج الأثر الكبير في دفع أبي سفيان عن العودة إلى المدينة المنورة ، بل وجعله يسرع باتجاه مكة قبل أن يسلب مسمى النصر الذي أحرزه ، كما أنه كان دلالة على المعنويات العالية التي كان يتمتع بها الصحابة رضي الله عنهم ، فعلى الرغم من جراحهم لم يتخلف منهم أحد .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا