الاثنين 21 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019

في ذكرى الجلاء

الثلاثاء 21 رجب 1438 - 18 أبريل 2017 2326 الشيخ مجد مكي

 

 

هذه الكلمات التي بين يدي القارئ بمناسبة ذكرى الجلاء في 17نيسان، هي خطبة جمعة ارتجلتها على منبر جامع السلام بحلب، عندما كنت خطيباً فيه، وقد ألقيتُ هذه الخطبة في يوم الجمعة 7جمادى الأولى سنة 1398الموافق14نيسان 1978، وأنا في الحادية والعشرين من عمري، وقد وجدت أصول هذه الخطبة وعشرات غيرها مكتوبة بقلمي، فأحببت نشرها، لتعبِّر عن حماس الشباب، وتوقُّد النفوس، وعن التوجه الفكري الذي أحمله، والذي ربينا عليه، ودعونا إليه، وقد قام الأخ الفاضل طارق قباوة بصفها  فجزاه الله خيراً، فإلى القراء الكرام أُقدِّم هذه الكلمات التي كتبتها وألقيتها، بمناسبة عيد الجلاء، راجياً أن يكون فيها النفع والفائدة: (مجد مكي).

 

 

حب الوطن:

"إن حبَّ الوطن أمرٌ مركوز في النفوس، وإنَّ بلالاً الذي ضحَّى بكل شيء في سبيل عقيدته ودينه هو بلالٌ الذي كان يهتفُ في دار الهجرة بالحنين إلى مكة في أبياتٍ تسيل رقَّةً وتقطر حلاوةً :

ألا ليت شعري هل أبيتنَّ ليلةً              بوادٍ وحولي إذْخـــرٌ وجليل

وهل أردن يوماً مياه مِجـــَنّةٍ                وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل

حدود الوطن:

وإن حدود وطننا ليس من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر، إنما وطننا الإسلامي هو العالمُ كلُّه من المحيط إلى المحيط... إنّ حدود وطننا العقيدة وليست التخومَ الأرضية، ولا الحدودَ الجغرافية. فكلُّ بقعةٍ فيها مسلم يقول: (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله )، له عندنا حرمته وقداستُهُ وحبُهُ.. وإنّ مهمتنا ليست فقط تحرير الأرض، وتخليص البلاد... بل في أعناقنا أمانةٌ يجب أن نبذلها تلك هي هدايةُ البشر بنورِ الإيمان، وأن نرفع كلمة الله على كل بقاع الأرض، ويخفق لواءُ الإسلام في كل مكان.

وطن المسلم:

إننا لا نؤمنُ بالنزعة الوطنية الضيقة، التي تعطي الولاء لرقعةٍ من الأرض ولعنصرٍ من الأجناس.. إنّ وطن المسلم هو دارُ الإسلام، وإن قوم المسلم هم  الذين جمعتهم أخوةُ الإيمان :{إنما المؤمنون إخوةٌ}، وأعداء المسلم هم أعداء الإسلام:{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانةً من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتُّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون}.

إنَّ كل شبرٍ من الأرض تدين بالإسلام قطعةٌ من الأرض الإسلامية، ويقرر الفقه الإسلامي هذه الحقيقة، فيقول العلامة ابن عابدين:"إن الجهادَ فرضُ عينٍ إن هجم العدو على بلدٍ مسلم"، ويقول أيضاً:" مسلمةٌ سُبيت بالشرق وجَبَ على أهل المغرب تخليصها من الأسر". فالمسلمون أمةٌ واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يدٌ على من سواهم.

إن الوطن الذي يريدُهُ الإسلام وطنٌ ربَّانيٌّ إنسانيٌّ... ربَّانيُّ يستمدُ كل مقوماته من توجيه الله وحكمهِ، ويتجه إلى الله بكل شعوره وعمله.. وإنسانيٌّ يشملُ الجنس الإنسانيَّ كلَّه في رحاب العقيدة، فتذوب فيه فواصل الجنسِ والوطنِ واللغة والنسب..

فلا تعصب لعشيرةٍ ولا لقومٍ ولا لجنس..

ولستُ أدري سوى الإسلام لي وطناً      

                                    الشامُ فيه ووادي النيل سِيَّان

وكلما ذُكرَ اســــــــــــــمُ الله في بلدٍ       

                             عـددتُ أرجاءه من لبِّ أوطاني

لقد أطلقَ الإسلام البشر من نعرةِ الجنس، ونتن العصبية للقوم ، واللصوق بالأرض والطين ليتطلعوا إلى السماءِ، وأطلقهم من قيد اللحم والدم.. ليرتفعوا في عليين..:{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق}.

قصة حاطب بن أبي بلتع?

لقد نزلت هذه الآية في حق حاطب بن أبي بلتعة من أهل بدر وأهل الهجرة، وكان له بمكة أولادٌ ومالٌ ، فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة بعدما نقض أهلها عهد الحديبية، أمر المسلمين بالتجهز لغزوهم وقال:" اللهم عمِّ عليهم خبرنا" فكتب حاطبُ كتاباً وبعثه مع امرأةٍ مشركةٍ يعلمهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً، فأطلعَ الله رسوله على ذلك فبعث في أثَرِ المرأة.

روى البخاري ومسلم عن علي قال:" بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مُرثدٍ والزبير بن العوام وقال: انطلقوا حتى تأتوا روْضة خاخٍ فإنَّ بها امرأةً من المشركين معها كتابٌ من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأدركناها تسيرُ على بعيرٍ لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: الكتاب؟ قالت: ما معي كتاب، فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتاباً، فقلنا : ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتُخرجنَّ الكتاب أو لنجردنك، فلما رأت الجدَّ أهوت إلى حجزتها ـ وهو موضع شد الإزار من الوسط ـ فأخرجته فانطلقنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر : يا رسول الله قد خان الله ورسوله والمؤمنين دعني فلأضربنَّ عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ما حملك على ما صنعت؟ قال حاطبٌ : والله ما بي إلا أن أكون مؤمناً بالله ورسوله أردتُ أن تكون لي عند القوم يدٌ، يدفع الله بها عن أهلي ومالي، وليس أحدٌ من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله.. فقال : صدق ولا تقولوا إلا خيراً، فقال عمر: إنه قد خانَ الله ورسوله والمؤمنين، دعني فلأضرب عنقه : فقال: أليس من أهل بدر.. لعل الله اطلع إلى أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم... فدمعت عينا عمر وقال: الله ورسوله أعلم. فأنزل الله تعالى قوله:{ يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهاداً في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضلَّ سواء السبيل}.. إنه لا إسلام في أرض لا يحكمها القرآن، ولا تقومُ فيها شريعته.. ولا دار إسلام إلا التي يهيمن عليها الإسلام بمنهجه وقانونه، وليس وراء الإيمان إلا الكفر: وليس دون الإسلام إلا الجاهلية، وليس بعد الحق إلا الضلال.

الوطنية الصادقة:

وقد أوجب الإسلام أن يعمل كل إنسان لخير بلاده، وأن يتفانى في خدمته حتى أنه لم يجز أن تنقل مال الزكاة أبعد من مسافة القصر إلا لضرورة.. ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنيةً، وكان المسلمون أشدَّ الناس إخلاصاً لوطنهم وتفانياً في خدمته، وأساسُ هذه الوطنية الصادقة هي العقيدة الإسلامية.

الزحف الصليبي على بلاد الإسلام:

واجه الوطن الإسلامي في هذا القرن زحفاً كثيفاً من العالم الغربي المسيحي وامتدت الأيدي الصليبية الحاقدة إلى كثير من بلدان الإسلام، وأخذت تعمل لتمزيق دولة الإسلام القوية الواسعة فوضعت يدها على هذه البلاد وبسطت سلطانها في أسماء مختلفةٍ من احتلالٍ واستعمارٍ ووصايةٍ وانتداب.. ولكن هذا العدوان الصارخ والظلم الفادح أحرج الصدورَ وأثار النفوس فهبت هذه الأمم تطالبُ باستقلالها وتجاهدُ لاسترداد حريتها.. واشتعلت الثورات وعمَّتِ اليقظةُ النفوس، وخطا المسلمون خطواتٍ طيبةً في استرداد مجدهم وبناء دولتهم واستعادة حريتهم.

لقد تواطأت الدول النصرانية على الإسلام والمسلمين، وبيتت المكيدة، ودبرت الخطة، وأعدت العدة، وجمعتِِ الجموع، وهيَّأت القوةَ.. وركبوا البحار ولعاب الأمل يسيل على عرض أشداقهم بانتزاعِ الأرض المباركة، وأحلامُ الظفر تتراقص لهم بعرش الوطن الإسلامي.

دخول فرنسا الجزائر:

فدخلت فرنسا الجزائر لإعادة ذكريات عهد القراصنة الصليبيين... وكانت أولى أعمالهم في الجزائر هدمَ المساجد وتحويلها إلى كنائس.. وكان مسجد(الفشاوة) وهو من أروعِ مساجد البلاد، كان فيه مئات المصلين،هجم عليهم الفرنسيون وذبحوهم في المسجد، وحوّلوا المسجد إلى كاتدرائية.. وتزعَّم هذه الحملة الباغية أحدُ القسس المسيحيين وهو القس( سوشيه) .

ويقف الحاكم( بوجو) في الكنيسة التي قامت وسطَ دماء الشهداء من المصلين،ويقول: إنَّ آخر أيام الإسلام قد دنت، في خلال عشرين عاماً لن يكونَ للجزائرِ إلهٌ غيرُ المسيح.. وبهذا الأسلوب البشع بلغ عدد الكنائس(327) سبعٌ وعشرون وثلاثمائة كنيسةً..

 من الذي وقف في وجه الغزو؟ لقد قام الإسلام المتمثل في أتباعه في وجه الاستعمار.. قام الأمير عبد القادر الجزائريُّ الذي أنشأ إمارةً إسلامية، ورفع اللواء الذي كتب عليه:{ نصرٌ من الله وفتح قريب}، و:{ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}..

وكان خاتم كتبه قد نُقش عليه:

ومن تكن برسول الله نُصْرَته        إن تلقه الأسُد في آسادها تجم

وأذاع هذا الأمير فتيا يقول فيها: إنَّ كلَّ من ساعد الفرنسيين ارتدَّ عن دينه، ونظم جيشه الذي سماهُ( العسكر المحمدي).

أعمال فرنسا الوحشية في الجزائر:

ولكنَّ فرنسا التي قامت بأعمالٍ وحشية في ( سياسة الأرض المحروقة) التي دمّرت وأحرقت القرى والبيوت حتى تناقص عددُ سكان الجزائر من أربعة ملايين إلى ثلاثة ملايين في مدى السنوات السبع الأولى من الأستعمار.. وشهدت الجزائر مجاعة مخيفةً راحَ ضحيتها ثلاثمائة ألف جزائري مسلم حسب التقدير الفرنسي الرسمي. وبهذا الحادث المؤسف ازداد نشاط التبشير فتحمَّس أسقف الجزائر وجمع الأطفال الذين فقدوا عائليهم وجعلهم يشبّون على النصرانية، وكوَّن من هؤلاء طبقةً جديدة من المبشرين عرفت بالآباء البيض.

وأثناء هذه المجاعةِ الكبرى يأتي رجلٌ مسلم إلى كنيسةٍ يطلبُ لقمةً ليسد بها رمقه فيهش له القسيس ، ويدخل غرفةً أعدت فيها مائدة حافلة بأنواع الطعام فقال له: لا يأكل هذا الطعام الشهي إلا من دخل النصرانية.. وعند ذلك انسحب الرجلُ.. ولم يكد يبتعدُ عن الكنيسة بضعة أمتار حتى سقط على الأرض جثة هامدةً..

الإسلام مبعث حركة التحرير:

ولكنّ الإسلام مبعثُ حركة التحرير يقفُ جداراً صلباً في وجوههم، ويقولُ الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة سنةٍ على استعمار الجزائر: إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن، فيجب أن نزيل القرآن من وجودهم، ونقتلع العربية من ألسنتهم.

وقد أثار هذا المعنى حادثةً جرّت في فرنسا من أجل القضاء على القرآن قاموا بتجربة عملية، بانتقاء عشرة فتياتٍ مسلماتٍ جزائريات، أدخلنَّ من قبل الحكومة في المدارس الفرنسية، وألبِسْن الثياب الفرنسية، ولقَّن الثقافة واللغة الفرنسية وأصبحن كالفرنسيات تماماً.. وبعد أحد عشر عاماً من الجهود هيّأت لهنَّ حفل تخرُّج عظيم دُعي إليها المفكرون والوزراء والصحفيون.. ولما ابتدأ الحفل فوجىء الجميع بالفتيات الجزائريات يدخُلن بلباسهنَّ الإسلامي الجزائري.

فثارت ثائرة الصحف الفرنسية وتساءلت؟ ماذا فعلت فرنسا في الجزائر إذن بعد مرور مائة عام.. أجاب وزير المستعمرات الفرنسي: وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا.

وهكذا وقف القرآن قوة بدَّدت آمالهم، و سحقت وجودهم. وبعد استقلال الجزائر ألقى أحدُ كبارِ المستشرقين محاضرةً في مدريد كان عنوانها: لماذا كنّا نحاولُ البقاء في الجزائر؟ أجاب عن هذا السؤال بشرحٍ مستفيض خلاصته:"إننا لم نكن نسخّر النصف مليون جندي من أجل نبيذ الجزائر أو زيتونها أو صحاريها.. إننا كنا نعتبر أنفسنا سُور أوروبا الذي يقف في وجه زحفٍ إسلامي ليستعيدوا الأندلس التي فقدوها، ويكتسحوا أوروبة الواهنة، ويحولوا المتوسط إلى بحر إسلامي من أجل ذلك كنا نحاربُ في الجزائر.

احتلال إيطاليا ليبيا:

وفي ليبيا دخلت إيطاليا بحقدها الصليبي الدفين، وكان النشيد الذي ردَّدهُ الجيش الإيطاليُّ :" أماه لا تبكي عليَّ، بل أتمي صلاتك واضحكي، أنا ذاهب إلى طرابلس فرحاً مسروراً لأبذل دمي في سبيل سحقِ الأمة الملعونة، ولأحارب الديانة الإسلامية، سأقاتل بكل قوتي لمحو القرآن، وإن لم أرجع فلا تبك عليَّ، وإن سألك أخي عن عدم حزنك عليَّ فأجيبيه أنه مات في محاربة الإسلام"..

دور الحركة السنوسية في التصدي للعدوان:

من تصدَّى لهذا الحقد الصليبي المسعور؟! إنها الدعوةُ السنوسيةُ الإسلامية التي تمركزت في الجبال، وانطلقت من الزوايا تحمل أعباء الجهاد.. وانطلق البطل الليبي المسلم عمر المختار، يحاربُ الاستعمار الايطالي عشرين عاماً، بالقلة المؤمنة العزلاء.. وقف يحارب الطائرة بالحصان، والمدفع بالسيف، ولم يرضَ بالاستسلام على الرغم من نفاذ قوته المادية وظل يقول للطليان: لئن كسر المدفع سيفي، لن يكسر الباطل حقي... وكان مريضاً بالحمى تهزُ رعدتها جسمه، وترتعد بها فرائصه.. ومع ذلك قال لجنوده: اربطوني على ظهر جوادي بالحبال حتى لا أتخلف عن القتال معكم.. وحين ظفر به جيش المستعمرين وحكموا عليه بالإعدام تقبل الحكم برحابة صدرٍ، وابتسامةِ سخريةٍ وقالوا له: اطلب العفو نطلق سراحك فأجابهم بكل إباءٍ وشمم :" لو أطلقتم سراحي لعدتُ لمحاربتكم من جديد ولن أترك محاربة الطليان حتى تتوارى لحيتي بالتراب".

احتلال فرنسا سورية:

وفي سورية دخل الاستعمار الفرنسي يحمل الأحقاد الصليبية الدفينة،فخرج المجاهدون العلماء للجهاد في سبيل الله تحت رايةٍ كتب عليها:{ وجاهدوا في سبيل الله}و{إنا فتحنا لك فتحاً مبينا}.فكانت معركة ميسلون التي قادها علماء المسلمين واستشهد خطيب الجامع الأموي الكبير، ودخل غورو دمشق، وأول ما فعله بادئة ذي بدء أن توجه إلى ضريح السلطان المسلم البطل صلاح الدين الأيوبي فدخل إلى مقامه الكريم وسيفه إلى جانبه ، وقبعته فوق رأسه، وركل القبر بقدمه، وقال بعنفٍ وتهكم: لقد عدنا يا صلاح الدين فانهض لترانا ها هنا.

دور علماء الإسلام في مواجهة الحقد الصليبي:

ويواجه هذا الحقد الصليبي علماء الإسلام، فيقف الشيخ عليٌّ الدقر خطيباًُ في جامع السنانية ليقول: يا إخواننا اللص داخل الدار، وهو يطلب منكم ثلاثة أشياء: دينكم ومالكم وعرضكم؟ أتدرون من هذا اللص ؟ إنه فرنسا.

وفي حماه مدينة أبي الفداء، كان شيخ شيوخنا محمد الحامد يذكي بخطبه جذوة الجهاد والحمية في قلوب الأمة داعياً إلى الثورة على المستعمرين وتطهير البلاد منهم فيقول في أحد خطبه:"المعهود بإزالة النجاسة استعمال الماء، وإذا تفاحشت أضيف إليه التراب. قال عليه الصلاة والسلام:" إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً أحداهنَّ بالتراب" ولكنَّ هناك نجاسةٌ لامستنا ربع قرن، ولا ينفع في إزالتها ماءٌ ولا تراب إذ ليس ما يَقْلَعُها إلا الحديد والنار".

ومما قاله من فوق منبر جامع السلطان:" لقد استخفت فرنسا بنا، وخاست بكل العهود، ولم تَرْعَ للمواثيق حرمةً، فاغضبوا ثم اغضبوا، وثوروا ثم ثوروا، فما عاد السكون ينفع، وما عاد السكوت يفيد، لقد كان نبيكم صلوات الله عليه وسلامه يرتجز هو وأصحابه قائلين:

المشركون قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا

                         أبينا أبينا

وما أجدرنا إعادة ذلك مرتجزين

هذي فرنسا قد بغت علينا                   وإن أرادت فتنةً أبينا

رددوا معي: أبينا... أبينا ... أبينا

احتلال بريطانيا فلسطين:

وفي فلسطين دخل اللنبي ـ قائد الحملة البريطانية ـ القدس فيعلن صليبيته صريحة:( الآن انتهت الحروب الصليبية) وتلتقي اليهودية مع الصليبية، فتخرج في فرنسا مظاهرة يقودها سارتر تحمل لافتاتٍ كتب عليها:( قاتلوا المسلمين) فالتهب الحماسُ الصليبي، وتبرَّع الفرنسيون بمليون فرنك خلال أربعة أيام فقط.. وطبعت اسرائيل بطاقات معا يده كتب عليها: ( هزيمة الهلال) بيعت بالملايين ، فواصل اليهود رسالة الصليبية الأوروبية في المنطقة ألا وهي محاربة الإسلام والمسلمين.

دور عز الدين القسام في الجهاد:

ولكن البطل المسلم عز الدين القسام الذي ولد في جبلة.. يهاجر إلى حيفا ويعلنها من فوق منبر جامع الاستقلال حرباً على اليهودية والصليبية، واستشهد برصاصة في جبينه، ومضى ولكنه خلف أثراً لا تمحوه الأيام، وكان أول من سنَّ في فلسطين القتال المنظم لرد العدوان.

دور العلماء في الجهاد:

لقد رحل الاستعمار العسكري وحمل معه حقائبه وأمتعته، ورحل عن معظم البلاد بفضل جهاد المؤمنين والعلماء المسلمين..

لقد قاتل الأمير عبد القادر في الجزائر، وعمر المختار في ليبيا، وعبد الكريم الخطابي في المغرب، وثار الشعب المصري والفلسطيني والسوري.. وقاومت الشعوب المسلمة الاستعمار ولم يستسلموا للاستعمار الغاشم، لقد تعلموا من دينهم أنَّ العزة لله ورسوله وللمؤمنين، وأنَّ الاستسلام للغازي ذل وهوان، وأنَّ الجهاد لدفع العدو المهاجم فرض عينٍ، وأن الموت في سبيل الله عين الحياة، وأن المقاتل المسلم ضامنٌ لإحدى الحُسنين..

كانت آيات القرآن وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونسمات الجنة، ومعاني الإيمان، وبطولات الميامين هي الدوافع التي حركتهم إلى الجهاد، والمدارس التي لقنتهم دروس التضحية، وعلمتهم صناعة الموت.

هل تحقق الاستقلال؟:

لقد جَلَت الجيوش الأجنبيّة عن البلاد، وأعلن الاستقلال، وتقام الاحتفالات في كل عام، ولكن هل تحقق الاستقلال، هل تحرر الوطن الإسلامي عسكرياً؟ إن أجزاء فسيحة من هذا العالم الإسلامي تشكو من سيطرة غير المسلمين على أرضها وتحكمهم في أهلها كفلسطين، وكشمير، وأرتريا، والحبشة،والصومال، وقبرس، وبخارى ، وسمر قند، وغيرها من بلاد الإسلام، والأجزاء الأخرى من الوطن الإسلامي تشكو من تمزق شديد وتجزئة مفتعلة ، وحواجز مصطنعة..

وهل تحرر وطننا اقتصادياً وسياسياً؟ نعم لقد تحرَّرنا ولكن من نفوذ غربي لندخل في نفوذ شرقي، إننا لن نتحرر اقتصادياً وسياسياً ما دام اعتمادنا على المعسكرات الدولية ، وعلى الاستيراد لا على البناء، إننا لا نجد قلماً نوقع به على ميثاق مع الغرب إلا القلم الذي صنع في الغرب، ولا نجد ما نقاتل به أعداءنا، إلا الرصاص الذي أُفرغ في بلادهم.

فما زلنا عالة على غيرنا في التسليح، وكل ما نصنِّعه هنا نستورده من منتجات الحضارة، واستيراد المنتجات الحضارية لا يصنع حضارة.

وهل تحرر وطننا ثقافياً؟. كلا إن أبرز ألوان الاستعمار وأخطرها هو الاستعمار الثقافي والغزو الفكري والاحتلال النفسي، ذلك أن الاستعمار الذي يصنع تصورات الشعوب واتجاهاتها في الحياة، حتى إذا ما جلا يوماً عن أرضها ظلت تسير في دربه، وتمشي على نهجه، وتنفذ مخططه.. وهذا هو الاحتلال الحقيقي... إنه اصطنع لنفسه جيلاً رباهم في أحضانه وغذاهم من لبانه، وجعلهم يقبضون زمام التوجيه والتثقيف والتربية والتشريع، ولم يكن أحدٌ ليقاتله ويقاومه، بل تلقينا عنهم الأفكار والعقائد والأخلاق والمناهج والأنظمة والمفاهيم كما نتلقى منسوجات القطن ومصنوعات الحديد والنحاس، وأصناف الأحذية.

ولو كان هؤلاء يحبون أصالة وطنهم لرفضوا كل منهج غير منهج الله، ولما باعوا دينهم كما باعته ملة اليهود والنصارى، وما أروع القرآن وهو يجلي هذا الموقف إذ يقول:{ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين}[البقرة:110]، { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهداءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير} [البقرة:120].

إن الاستقلال الحقيقي هو تحقيق استقلال الأمة الذاتي بردُّها إلى قيمها الأصيلة المتوازنة، وإعادة شخصيتها المستقلة المتميزة.. فالاستقلال إذا لم يكن في مجال الصناعة والعلم، ولا في مجال السياسة والحكم، ولا في مجال الثقافة والفكر. فأين يكون إذاً؟ أيكون التحرر بالتصريحات الهوائية ، والتهديدات النارية، والأناشيد الحماسية، وانتزاع التصفيق من الأيدي والهتاف من الحناجر؟!!.

لقد كان من المفروض والمتوقع أن يتحرَّر الوطن من نيْر الاستعمار الفكري والتشريعي والاقتصادي والسياسي عقب تحرّره من الاستعمار العسكري،ولكن مما يؤسف له أن الذي حدث غير ذلك..

ولكن هل رضيت جماهيرنا المسلمة عن هذا الاتجاه؟ لا والله إنها لتنكر كل الإنكار، وإنها لتعلم أنَّ سعادتها في اتباع دينها، والاهتداء بكتاب ربها وسنة رسولها ، وأن الشقاء والخوف والضنك فضلاًَ عن عذاب الآخرة جزاء من أعرض عن هدى الله تعالى وحكمه وشرعه ونبذ كتابه وراءه ظهرياً.. كيف لا والله تعالى يقول:{ فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى}.

طريق الاستقلال الحق:

 إن هذه الأمة مؤمنة بفطرتها. فإذا أرادت أمتنا طريق الاستقلال الحق، فلن يصنع ذلك إلا الإيمان.. من أراد بهذه الأمة أن تصنع العجائب وتخوض المعارك، وتقتحم المخاطر فليقدها بزمام الإيمان، وراية القرآن، وقيادة محمد عليه الصلاة والسلام .

إن العودة إلى الإسلام ماء الحياة الذي يردُّ على الأمة روحها، ويجري في أوصالها العافية والقوة، كما أنه المصل الواقي الذي يمنحها المناعة.. ويحقق لها الاستقلال والأصالة، ويضعها موضع الأستاذية للأمم الأخرى، فإن هذه الأمة أُخرجت لنفع الناس وهدايتهم، وإقامة الحجة عليهم، لتنفيذ رسالة الله أولاً، وإبلاغها إليهم ثانياً:{ كنتم خير أمة أخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}.

*        *        *

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا