الخميس 7 جمادى الآخرة 1442 - 21 يناير 2021

هؤلاء الذين عسكروا الثورة السلمية في سورية

الاثنين 27 جمادى الأولى 1442 - 11 يناير 2021 95 محمد عادل فارس
هؤلاء الذين عسكروا الثورة السلمية في سورية

الثورة السورية التي امتد بها الزمن عشر سنين تستحق أن يكتُب فيها الكُتّاب ،ويحلل أسبابها ومجرياتها المحللون، ويدعمها أهل النخوة والمروءة بالمال والسلاح، فضلا عن دعمها بالكلمة التي تقوّي عزيمة مجاهد، وترشّد رأي قائد، وتفضح خيانة خائن مجرم..

ومن خلال ما نقرؤه من تحليلات وتعليقات، نلحظ أحياناً اللوم اللاذع على أولئك الذين حوّلوا الثورة من سلمية إلى مسلحة. ونسأل: من الذي حوّلها؟ وهل كان هناك مناص من هذا التحويل؟.

لا يخفى على من له علم بانطلاق الثورة وبسيرورتها، أنها كانت شعبية عفوية، لم يخطط لها أي فصيل أو حزب، إنما كانت انفجاراً لغضب تراكم في النفوس من جرّاء ثُلّة مارست كل أنواع الظلم والفساد والطائفية... وما شئت أن تعّدد من المخازي. 

ولم يكن في سورية، حتى انطلاق الثورة المباركة، أيّ مجال لحوار مفتوح، وبروز شخصيات قيادية تلتفّ حولها الجماهير. فلا وسائل إعلام إلا ما تستحوذ عليه العصابة الحاكمة، ولا نشاط حزبياً إلا ما يقنّنه "الحزب القائد"، فالقهر سيد الموقف، ولا صوت يعلو على صوت النفاق، والشعب بين قابض على الجمر، وبين منجرف بحملات التضليل والتجهيل والتفسيق، وبين معتقَل أو ملاحَق أو مهجّر...

وحين تفاءل بعض النُخب يوم مات حافظ أسد، وانطلقوا بإصدار بعض البيانات، وعقد بعض الملتقيات، لم تصبر عليهم الزمرة الحاكمة بل لاحقتهم وقمعتهم. فهل كان هناك بديل عن الثورة المسلحة؟.

****

ظهرت في العقود الأخيرة من السنين دراسات تؤكد أهمية العمل الجماهيري، والتغيير السلمي أو "اللاعنفي"، والمقاومة السلمية، والعصيان المدني، والدفاع السلبي... إلى غير ذلك من التسميات، وتُبيّنُ أن هذا النوع من العمل جدير بأن يوصل الشعب إلى غاياته، ويُرغِمَ الحكّام على أن يزيلوا الظلم، أو أن يزولوا من مواقعهم... ومن أشهر من يُنسب إليهم النجاح في المقاومة السلمية المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ.

ولعل من أبرز مَن كَتَبَ في هذا الموضوع جين شارب Gene Sharp ( وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة ماساتشوستس، كما يُشرف على الأبحاث والدراسات في جامعة هارفارد. ارتبط اسمه بالتنظير للكفاح السلمي). وكذلك الأستاذ جودت سعيد، لا سيما في كتابه: "مذهب ابن آدم الأول" والدكتور خالص جلبي في مقالاته الكثيرة، ولا يُخفي الكاتبان الأخيران جودت وخالص تأثرهما بكتابات مالك بن نبي وبتجربة غاندي.

وكنت أقرأ بعض هذه الدراسات وأقول: قد يجدي هذا النوع من التغيير في كثير من بلدان العالم، ولكن هل يجدي في بلدي الذي عانى من تسلّط مزدوج: تسلط حزب البعث، والتسلط الطائفي، منذ الثامن من آذار 1963؟

لقد وجدتُ هذه الدراسات تقوم على أن المقاومة السلمية أو المدنية تراهن على واحد أو أكثر من بين الاحتمالات الآتية:

الاحتمال الأول: أن الحاكم، مهما بلغ ظلمه، لا يمكن أن يستمر في مقاومة شعب يحتج عليه بمظاهرات سلمية، ومطبوعات، وكلمات وخُطب... وقد يبلغ به الظلم أن يقتل آحاداً من المحتجين أو عشرات، ولكن لا يمكن أن يقتل المئات والآلاف... لأن ضميره يأبى عليه ذلك!.

ووجدتُ أن هذا الاحتمال غير وارد في سورية، فالطاغية ابن الطاغية، بسبب نشأته وتربيته وما اقترفت يداه... لا يمكن أن يستجيب لمطالبة الشعب بحقوقه ولو قتل منه مئات الآلاف أو الملايين.

الاحتمال الثاني: أن الجيش الذي يستخدمه الطاغية في قمع الشعب لا يمكن أن يستمر في قتل الشعب إرضاء للطاغية، فالشعب هو أهل الجنود والضباط الذين يطلب الطاغية قتلهم.

وهذا الاحتمال كذلك غير وارد في الحالة السورية، إذ إن هذا الجيش قد بني على الطائفية الفجّة، وقد أصبحت جميع مفاصل القرار في كل وحدات الجيش بيد ضباط طائفيين حاقدين، كان الجيش عندهم وسيلة للتسلط والسرقة حتى ملكوا القصور الفخمة والمراكب الفارهة... وهم لا يُحسّون بانتمائهم لهذا الشعب، والشعب عندهم ليس سوى عبيد يسخّرونهم للمزيد من تضخيم الثروات...

والاحتمال الثالث: أن العالم بمؤسساته الدولية وأحلافه العسكرية ومنظماته الإنسانية لن يسكت على طاغية يذبح المئات والآلاف وعشرات الآلاف من شعبه الذي يطالب بحقوقه، إذ لا بد من قرارات حازمة من مجلس الأمن أو من بعض القوى الدولية تضع لهذا الطاغية حدّاً يقف عنده، أو تُزيحُه وتحاكمه...

هذا الاحتمال وارد جداً لو كان شعب سورية ينتمي لأي دين غير الإسلام. أما وهو شعب مسلم فما المشكلة عند هذه المؤسسات الدولية؟ ما المشكلة لو قُتل من هذا الشعب من قُتل؟ بل ما المشكلة لو قُتل هذا الشعب كله؟

فواقع الأمر في سورية، أن الشعب أمام خيارين قاسيين: إما أن يستسلم للطغيان، ويستمر في دفع ضرائب الذل من دينه وكرامته وماله... وإما أن يثورَ فيتحمّل القتل والدمار والتشريد... ويكون بعد ذلك الفرج والنصر بإذن الله.

ومع ذلك كان من الخير أن بدأت الثورة سلمية واستمرت على ذلك بضعة شهور،وقدّمت خلال ذلك ألوف الشهداء وألوف المعتقلين، فكان من الطبيعي بعدئذ أن يحمل الثوار السلاح، سواء بقرار من بعضهم، أو بافتعال من السلطة نفسها...

فليس من العقل والإنصاف أن يتطاول على هذا الشعب كاتب متكئ على أريكته، بعيد عن أرض المعركة، ليلومه على طريق لم يجد طريقا سواه. وكما قال الحطيئة:

أقلّوا عليهم لا أبا لأبيكمُ من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا