السبت 28 شوال 1443 - 28 مايو 2022

الرحـمَةُ المُهداُة للعَالمين

الخميس 16 صفر 1443 - 23 سبتمبر 2021 244 عبد المَجيد البيانوني
الرحـمَةُ المُهداُة للعَالمين

{وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلعَالَمِينَ} [الأنبياء:107] .

حيرة وقلق .. وفتن هوجاء ، وظلم وفساد .. في كلّ أرض ، وتحت كلّ سماء .. 

وأمم من البشر كالقطعان ، تهيم في الظلام ، تقدّس الأوهام ، يقتلها الركام .. والكون حيث كان في حيرة ولهان .. 

أيُعقلُ أن يستبدّ الشيطانُ بالأرض ، ويَنثرُ الشرّ والفساد حيث شاء .؟! 

أيُعقلُ أن يعيشَ الكونُ كلّه تحتَ وطأة الجهل ، وفي بحار الظلمات .؟! 

أيُعقلُ أن تُطمَسَ أنوارُ المَعرفة الإلهيّة من قلب الإنسان إلى الأبد ! ويتلاشى نورُ الإيمان واليقين ، ويَنمحي الحقُّ وآثارُه ، فلا تجدُ إلاّ حجراً يقدّس حجراً ، ولا صنماً إلاّ يَهيمُ في هوى صنمٍ .؟ 

أيُعقلُ أن يُصبحَ الإنسان وحده أسير شهوته ، مستعبداً للظلم والفساد ، والشرِّ والخرابِ ، والوهم والخرافة .؟! يلهثُ وراءَ نوازف الدماء ، ويَلعقُ الجراح ، لا يشبعُ .. ولا يَرتوي .؟! وسائر الوجود من حوله يسبّح بحمد ربّه ، ويقدّس له .. 

أيُعقلُ أن تكونَ فلسفةُ العبث ، وغيبةُ المَسئوليّة ، ونزوةُ الشهوة ، هي العُملة الرائجة ، والبضاعةُ المَرغوبةُ ، والغايةُ الكبرى ، تَرفعُ رأسَها ، وتُعلي في الأرض الباطل ، وتعلن صوتها .؟! وتستعبد البشر حتّى الموت .؟! ولا يقف في وجهها أحد .؟!

أيُعقلُ أن يكونَ هذا الوجودُ الجميلُ ، البديعُ الحكيم ، في كلّ كيانه وشئونه : بإنسانه وحيوانه ، بأرضه وسمائه ، وشمسه وقمره ، وأنهاره وأشجاره ، وجباله وبحاره ، وسائر خلقه .. مَرتعاً للظلام ، وخادماً لعَبث الظالم ، وسِلاحاً لسحق المَظلوم .؟! 

أيُعقلُ أن يُصبحَ الإنسانُ أتفهَ شيء في الوجود ، بما آل إليه أمره ؛ من تقديس الشهوات ، والعبوديّة للظلم والظلمات .. وهو سيّد الوجود بما حباه الله من خصائص ومواهب .؟! 

أيُعقلُ أن تُصبحَ الحياةُ مَكروهةً حتّى من عابديها ، مَذمُومةً حتّى من مُزيّنيها .؟! يَملُّ الإنسانُ وُجودَه ، ويجهلُ مصيره .؟!

أيُعقلُ أن تُزيّنَ سَماءُ الأرض بمَصابيحها ، ولا تُزيّنَ سَماءُ المَعرفة بشمسِها وكواكبها ، ونُجومها وأقمارها .؟! وأن يُقفرَ القلبُ من سَيّده ومالكه ، وساكنه ومسيّره .؟! 

يا ربّ قد ضاعَت مَعالم الحقّ ، والتبسَت السبلُ ، وعمّ الشرُّ وطمَّ .. وأرغى الباطل وأزبد ..

الكونُ كلّه يَبحثُ عن النور .. ويَتطلّع إلى النور .. ويسعى إلى النور .. ويَنتظرُ النورَ ، وقد نفد صبرُه .. فهل يُعقلُ أن يَضنّ عطاءُ الله عليه ، فلا يجد أشواقَه العليا ، التي هي قبس من عطاء الله وفضله ، بعد صدق الأمل ، وطول الانتظار .؟! 

ها هي أعطاف الأرض تهتزّ شَوقاً لانبلاج النور .. وأرجاءُ السماء تَضجُّ بالتسبيح والرجاء ، أن تأذنَ العِنايةُ الإلهيّةُ بقُدوم الفَجر الصادق مِن وراء زئير العَتَمات ، وأزمةِ الهرج والمَرج ، وتِيهِ الجهالات .. والإنسانُ .. وَيحَ الإنسان .! إنّه وحدَه سَادرٌ في جهالاته ، غارق في أوحاله ، سَكرانُ مِن كئوس غيّه وبغيه .. 

اللهمّ إلاّ بقيّة من أهل كتاب ، بَينَ أيديهم بقيّةٌ مِن حقائق مُغيّبة ، مختلطةٍ بشَتّى الأكاذيب ، وأخبار مُضطربة ، تُمنّي بها نفسَها ، في خِضمّ هذا البحر اللجّيّ من الفَسَاد العَريض .. وبقيّةٌ أخرى قليلةٌ قليلة .. مِمّن لا يَزالُ نُور الفِطرة يُضيءُ جَنباتِ نفسه ، فيَميز بَينَ الحقّ والباطل ، ولكنّه لا يَستطيعُ أن يَكتشفَ شيئاً مِن مَعالم الحقّ مِن بَين رُكام الأباطيل .. 

وأمّةُ الجزيرة العَربيّة ، بأهلِها ورجالِها ، ومَكّةَ أمِّ القُرى وسَراتِها ، غافيةٌ غَريرة ، مُنطويةٌ على نفسِها ، عاكفةٌ على تُرّهاتِ أصنامِها ، وأوهامِ أمجادها ، لا تَدري ما تُخبّئ لها الأيّامُ .. ولكنّها كانَت يُعدُّها القدر .. لتَصنَعَ القَدر .. 

قَد هَبّت الأصنامُ مِن بَعدِ البِلى * * * واستَيقَظَت مِن قَبل نَفخ الصور

والكعبةُ العُليا تَوارَى أهلُها * * * فَكأنهّم مَوتى بغَير شُعُور 

وقَوافلُ الصحراء ضَلّ حُداتُها * * * وغَدَت مَنازلُـها ظِلالَ قُبور

كلّ الوجودِ له انتظارٌ للهُدَى * * * يا رَبّ .!! أنقِذه مِنَ الديجور

يا ربّ ! يا مَن أضأتَ هذا الوجُود باسمِكَ الحيّ القيّوم .. أرسِل إليه سَحائِبَ رحماتك ونسَائِمَ بركاتِكَ ، باسمِكَ الرحمن الرحيم ، يا عزيز يا قُدُّوس .! أنِر جَنباتِه بنُورك الذي لا يخبُو ، وتجلّ عليه بحكمتِكَ العُظمى ، وأسرار أسمائِكَ الحُسنى .. ومُنّ عليه بمَن أعدَدتَه لحمل نُوركَ المُبين .. بعبدك المُصطفى المُختار ، بمَن يَعبُدُكَ وحدَكَ ، ويُقدّسُكَ وحدَكَ ، وَيَرجُوكَ وحدَكَ .. بمَن لا يَنحني بجبهَتِه إلاّ إليكَ .. بمَن يهدي إلى صراطك المستقيم ، ويحملُ رسَالةَ الحياةِ الطيّبة ، ويَصنَعُ على عينكَ ، وباسمِكَ الحقّ أمّةَ النور والهُدَى .. 

يا ربّ يا رحمن ! الكونُ كلّه يجأرُ إليك بالدعاء : " يا ربّ ! إنّ المُؤمنين قد انتَثرُوا ، وكادَ المُخلصون أن يَندَثِرُوا ، ولم تَعُد هذه الأرضُ تَرى حَداةَ القَوافل ، ولا المُتعبِّدينَ لك في المَنازل .. أعِدِ الطيورَ المُغرّدة إلى أغصان الصنُوبر ، فقَد فرّت مِن رَوضها ، وهي تنتظر البلبل الذي يحمل في قلبه ضَجّةَ القِيامة وهَول المَحشَر .. أعِدِ الأوراقَ الذابلةَ إلى رَوضِها الأخضر ، وجَدّد في الإنسانيّة ظَمأَها إلى حِياض المَحشر .. " . 

وُلد الهُدَى وتَوالَتِ الآلاءُ * * * وتَزَيّنَت بجمَاله الأسماءُ 

وتَسَربَلَ الطاغُوتُ في كهف الردَى * * * وتَدثّرَت بغَبائها الظلمَاء 

والنورُ يَسطعُ غامِراً مُتَلألأً * * * والحقُّ أبلَجُ ظاهِرٌ وضّاءُ 

وأشرقَتِ الأرضُ بنُور رَبّها .. وتلألأت جَنباتُ الأرض بانبِعاثِ نُور الوحي إليها من جديد .. وجُنّدَت كتائبُ المَلائكة الكرام ، جُنُوداً مُجنّدة ، لتحرُسَ النبيَّ الخاتَمَ ، صَلّى اللهُ عَليه وسَلّم ، وتَكونَ في ركابه ، وخِدمةِ دينِه ودَعوتِه .. ليس في حياته فحسب ، بل إلى ما شاء الله وقدّر .. {وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الفتح:4] .. {وَللهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا}[الفتح:7] .. 

لمّا أطلّ محمدٌ زكتِ الرُّبَى * * * واخضَرّ في البُستانِ كلُّ هَشيمِ

وأذاعَتِ الفِردَوسُ مَكنُونَ الشذَى * * * فإذا الوَرَى في نُضرة ونَعيمِ 

لقد فتحَ اللهُ للعَالمينَ ، ببعثةِ محمّدٍ صَلّى اللهُ عَليه وسَلّم رحمةً لا مُمسِكَ لها ، ونشرَ نُوراً لا يُطفأُ ، ولا يخبُو .. وعمّهُم بخَير لا رَادّ له .. ولن يَستطيعَ أحدٌ كائناً مَن كانَ أن يَقِفَ في وَجهِ هذا الخيرِ أو يَصدَّه ، أو يَسُدَّ مَنافِذَه .. لأنّه أمرُ اللهِ جَلّ وعَلا وقدرُه .. 

فهَل يُحسّ الناسُ كلّ الناس بهَذه الرحمة ، ويشعُرونَ بها ، ويَعترفُونَ بفَضلِها ، ويَتنسّمُون أنسَامَها الرخيّةَ النديّةَ .؟ إنّ المُؤمنين السعَداءَ هُم الذين يَعيشُونَ فيها ، ويَنعمُون بظلالها ، ويَلمَسُون في حياتهم وعلاقاتهم بَركاتِها .. وغَيرُهم ينالُه قِسطٌ منها في الدنيا ، إذ تَكُونُ أماناً له مِن عذاب الله العَاجل ، أو انتقاص شَيء من حقّه ، ثمّ تكون عليه حجّة في الآخرة ، لأنّه كفرَ نعمة الله تعالى عليه ، ولم يشكرها .. 

ألا إنّ العَقلَ الذي حمله رسُولُ الله صَلّى اللهُ عَليه وسَلّم ، وسِعَ به العُقولَ ، والقَلبَ الذي مَلكَه مَلَكَ به القُلُوبَ ، والروحَ التي خَفقَت بَينَ جَوانحِه في هذا العَالم هفَت إليها الأرواحُ من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، وعشقتها المَشاعر ، وتَرامَت بَينَ يَديها هامَات العُظماءِ والكُبراء ، تتقرّب إلى الله تعالى بحبّه ، والحرص على الحظوة عنده .. 

فطُوبى للإنسانيّة كلّها بهذا الرسول الإنسان صَلّى اللهُ عَليه وسَلّم ، الرحمة المُهداة للعالمين .. {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا * مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ ... } [الفتح:28ــ29] .

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا