الثلاثاء 15 ربيع الثاني 1442 - 1 ديسمبر 2020

ملامح سور القرآن: سورة الحجر

الأربعاء 11 ربيع الأول 1442 - 28 أكتوبر 2020 69 محمد خليل الزروق
ملامح سور القرآن: سورة الحجر

سورة الحِجْر سورة الحفظ والتقدير، بمناسبة حفظ النعمة بشكرها المشار إليه في سورة إبراهيم وقبلها سورة الرعد، ولذلك كان افتتاحها: (تلك آيات الكتاب وقرآن مبين) مخالفة افتتاح سورة النمل: (تلك آيات القرآن وكتاب مبين)، لأن الكتابة من أهم وسائل الحفظ، وبَعد الـمَطْلع بقليل جاء قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، فقد هيَّأ الله له من الأسباب ما حفظه به لمن أن أراد أن ينتفع به، ولم تبق حاجة إلى معجزة أخرى بنزول الملائكة.

ولو تأمَّلت السورة لوجدت هذا المعنى شائعا فيها، فإهلاك القرى مقدَّر في كتاب معلوم، فلا تقديم ولا استئخار في الأجل، والسماء محفوظة من كل شيطان رجيم، والأرض محفوظة بالرواسي، وكل ما أنبت فيها موزون، وما ينزل شيء إلا بقدر معلوم، والحياة محفوظة بالماء، والماء مخزون، والناس يوم القيامة محشورون، والإنسان مخلوق من حمأ مسنون، أي في صورته التي سَنَّه عليها، والشيطان مُنْظَر إلى يوم يبعثون، وعباد الله المخلصون محفوظون من الشياطين، وأهل النار مقسومون على أبواب جهنم، وأهل الجنَّة لا يُخرجون منها، وأُخُوَّتهم محفوظة بنزع الغل من صدورهم، وعرض النبي -صلى الله عليه وسلم- محفوظ من المستهزئين، فقد كفاه الله أمرهم.

وفي قصة لوط اختصت السورة بزيادة: (واتبع أدبارهم)، أي: كن خلفهم لئلا يتخلف منهم أحد، واختصت السورة بالقسم بالعمر: (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون)، وهو أيام مقدرة محسوبة، وقد أشار إلى آخر العمر في ختام السورة بقوله: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين).

وفي السورة قصتان: قصة لوط في السورة جعلت مثالًا للإهلاك المؤقت المعلوم، ولحفظ الله أولياءه في مجتمع شديد الفساد والتعدي، وما ذِكْرُ إبراهيم إلا تمهيد لها، والقصة الأخرى قصة إبليس الموصوف بأن إخوانه المبذرون الذين يبددون النعم ولا يحفظونها ولا يقدرون فضل الله فيها، وهذا بعض عمله في إغواء بني آدم أجمعين، ولا يُحفظ من شره إلا عباد الله المخلَصون.

وللآيات سمات لمن أراد أن يتوسَّم، وآثار المعذَّبين من الأقوام بسبيل مقيم باقٍ، تمرون عليها وترونها، وكل ما أنزل الله من عذاب مسطور في كتاب، وهو الإمام المبين، وأغلب الحساب مؤجل إلى يوم القيامة، فهناك تنشر الدواوين، وتنصب الموازين، ولذلك فاصفح في هذه الدنيا الصفح الجميل، فلكلٍّ حسابه وجزاؤه.

والفاتحة هي السبع المثاني، تُثنَّى في الصلوات، أي تكرر، يحفظها كل مسلم، وهي قد حفظت معاني القرآن وجمعتها وأجملتها، فاستغن بالقرآن العظيم عن أن تمد عينيك إلى ما مُتع به آخرون، فقد جُمع فيه الخير كله، وهو كله سواء في فضله ووجوب الإيمان به، لا كما فعل الذين اقتسموا وحي الله، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.

ولانشراح صدرك وذهاب ضيقه حافظ على أورادك وصلواتك وتسبيحك حتى يأتيَ الأجل المعلوم، وهو اليقين.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا