السبت 13 ربيع الثاني 1442 - 28 نوفمبر 2020

رسالة إلى كل خطيب جمعة

الأربعاء 11 ربيع الأول 1442 - 28 أكتوبر 2020 77 ياسر مصطفى يوسف
رسالة إلى كل خطيب جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم

كانت خطبة الجمعة الماضية بعنوان" القسوة الحكيمة رحمة... لا نقمة"، افتتحتُها بخبر أورده الإمام الذهبي رحمه الله تعالى في كتابه سير أعلام النبلاء تحت ترجمة الخليفة المعتصم بن هارون الرشيد رحمه الله، والخطيب البغدادي ، وابن عساكر.

يقول الخبر: كان مع المعتصم غلام يتعلّم معه في الكتّاب، فمات الغلام، فقال له الرّشيد: مات غلامك؟ قال: نعم، واستراح من الكتّاب! قال الرشيد: وإن الكتّاب ليبلغ منك هذا المبلغ؟

دعوه إلى حيث انتهى، ولا تعلّموه شيئاً؛ فكان يكتب كتاباً ضعيفاً، ويقرأ قراءة ضعيفة.

وفي بعض الأسفار أن المعتصم كان يعرف ذلك من نفسه ، وكان يتحسر على تفريطه ، ويرجع السبب إلى الدلال الزائد الذي كان يحبوه به أبوه ، فكان يقول : جنى علي حب هارون لي.

همست من خلال الخبر في أذن الأولاد والطلبة أن القسوة التي يتشاكَوْنَها، وينفِرون بسببها من آبائهم وأمهاتهم ومعلميهم ليستْ بداعٍ من كرهٍ، أو رغبةٍ في التعذيب، أو تنفير من البيت أو المدرسة.

ولا ينبغي أن يُنظر إليها في وقتها، بل لما يَعقبها من قوة، وينتج عنها من اشتداد في العلم، واستداد في المعرفة.

وكم مِن عَلَمٍ اليوم لو فتشنا في بداياته أو استخبرناه عن مرحلة طلبة العلم لذكر لنا من أهوالها وشدائدها وقسوة آبائه ومعلميه ما يثير دهشتنا واستغرابنا ... لكنه يُجري لسانه بالشكر، ويُفيض قلبه بالحب، لكلِّ من قسا عليه لمصلحةٍ، أو اشتدَّ عليه ابتغاءَ رفعتِه لاحقاً .

وذكرتُ مثالاً لذلك شيخنا أبا عمار ( دون أن أصرح باسمه ) فقلت عنه : إن أحد أشياخنا البارزين اليوم على مستوى العالم العربي والإسلامي في اللغة العربية وغيرها، ولو أردتُّ أن أسميَه لسميتُ مشهوراً، حكى لنا أن أباه كان يأخذه في القرآن بالحزم ، ويشتد عليه في تعلمه وحفظه، وأنه كان يَسْتَلُّهُ من بين أترابه وهم يلعبون، ويُجلسه أمامه في مَتْجره، ويطلب إليه أن يُسمعه ما حفظ من جديد .

فكان يفعل ودموعه تسَّاقط على خديه ، وأصواتُ أترابه وعياطُهم وصياحهم وهم يلعبون ويمرحون تطرق مسامعه؛ فتشجي قلبه وتزيد حسرته وتعظم ألمه ... علام يستمتعون بطفولتهم وهو يؤخذ بكل حزم ويؤطر على العلم على كرهٍ منه ؟؟...

لكن ماذا كانت النتيجة ... وما الذي آل إليه أمره ... لقد لمع نجمه، وذاع صيته ، وصار اسمه يتلى في المحافل، ويشار إليه بالبنان .... إنه حسان الطيان.

بل إنه كان يدعو له أمامنا فيقول : اللهم اجز عني أبي حسني الطيان كل خير وإحسان . 

والحضور في مسجدي طيب ... لا من حيث الكمُّ والعدد بل من حيثُ الماهية والكيف ... فمن الحضور عندي القاضي، والمعلم الجامعي، والأكاديميُّ، والمدرس، والكُتاب، والأئمة والخطباء، وغيرهم ...

ويوم تنال الخطبة طرفاً من إعجاب هؤلاء ينتابني شعور لا يوصف وكأنني خرجت من معركة مظفراً، ويطرب قلبي للكلمة الطيبة منهم ، وأطير بشهادتهم فرحاً ... أوليس كان سيدنا أبو سفيان بن حرب والد سيدنا معاوية - رضي الله عنهما وأرضاهما- يحب الفخر ، فأنا كذلك ... فَلُمْ أو لا تَلُمْ .

آخرُ ردودِ الأفعال... أتتني من ثلاثة رجال ... أولهم الدكتور بدر الدريس ( أستاذ الثقافة الإسلامية في كلية التربية الأساسية في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب ) أخي وحبيبي وصديقي الأثير ... قال لي : لا فض فوك على خطبة أمس ... كانت خطبة رائعة بكل المقاييس ... أحتاجها لأرسلها وأعممها على كل ميادين وجروبات التربية .

وأما الأستاذ محمد الهدهود ( معلم في وزارة التربية ، ومدرب تنمية بشرية ) فقال : لقد كانت خطبة الجمعة مكتملة العناصر ... عناصر الإبداع ... من حيث المضمون، والفكرة، والتوقيت، والقِصر وجميل الأثر ... والمدخل ( قصة المعتصم ) والمخرج ... والخاتمة .

ويتابع القول : جلسنا في مجلس فتذاكرنا خطبة الجمعة... كلٌّ في المسجدِ الذي صلَّى فيه ... قال : قلت لهم : كلٌّ فيه خير ... ولكنكم لا تملكون خطيباً كخطيبنا ... وحكيت لهم طرفاً من الخطبة الرائعة .

وأما الثالث فكان الكاتب الصحفي الصديق فيصل بن سبت الذي من الصعوبة بمكان أن تنتزع منه ثناء أو تظفر منه بإعجاب، فقال : لقد حالفك التوفيق اليوم في الخطبة إلى حد كبير ... ولقد ذكرتني بوالدي رحمه الله الذي كان يأطرني على العلم أطراً، ويحملني عليه بكل شدة، ولما كان تاجراً فإنه علمني خبايا هذه الصنعة ... فجزاه الله عني خيراً.

ولعلك تسأل أخي القارئ لم تُسَطِّرُ هذا ، وما الغاية من وراء ذلك ؟ أقول : هي رسالةٌ إلى كل أخ خطيب ... أن يحترم سامعيه، ويقدر أفكار حاضري مسجده، ويسعى إلى إفادتهم والبحث عما ينفعهم، ويتحفهم بكل جديد، من طارف وتليد.

ولا يظننَّ أن الأمر سواء ... جدَّ أو لم يجِدَّ ... ولا ينظُرَنَّ إلى الخطبةِ أنها مجرد عمل يُدر عليه رزقاً، أتقن أو قصّر ( الراتب ماشي!!! ) ... بل هي دعوة ورسالة وعمل مبرور ... تثاب عليها بمقدار ما تتقن منها ... فكما للمرء من صلاته ما عقل منها ... فلك أيضاً أيها الخطيب... من ثواب خطبتك ما أتقنت منها ... وتخليت عن طابع التقليد، والتكرار، والروتين الرتيب.

وسلامتكم .

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا