السبت 14 ربيع الأول 1442 - 31 أكتوبر 2020

معالم في إعداد جيل النصر

الأحد 30 صفر 1442 - 18 أكتوبر 2020 69 محمد وليد الحسن
معالم في إعداد جيل النصر

الحمد لله الرحيم الرحمن الذي خلق الإنسان علمه البيان و الصلاة والسلام على معلم الإنسانية الخير الذي خاطبه ربه عزّ وجلّ بقوله ( إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) . أما بعد :

لقد أولى الإسلام تربية الأبناء  ورعايتهم ، والعناية بهم ، والوقوف إلى جانبهم حيزا كبيرا من اهتماماته، فلفت أنظار الوالدين إلى الطرق الصحيحة  في تنشئة جيل الغد، ومشاعل المستقبل في ضوء تعاليم الإسلام  وما نادى به من مقومات أخلاقية ونفسية واجتماعية وتربوية كما حث الآباء على التطبيق العملي والالتزام بهذه المقومات  والسير على دربها وبذلك يمثلون القدوة الصالحة لأبنائهم في السير على النهج القويم .  عندها تكون سفينة الأبناء في منجى ومنأى عن كل الإنزلاقات والانحرافات الأخلاقية  . وهكذا تسير دفة الحياة في المجتمع المسلم بالنصيحة والقدوة ، والتربية السليمة . 

و إن الهدف من تربية الأجيال هو إخراج جيل يسير على منوال السلف الصالح متمسك بدينه وعقيدته الإسلامية وفق ضوابط ومعايير سليمة تحمي هذا الجيل من كل مظاهر الفساد والغزو الفكري والثقافي المنحرف الذي يسعى أصحابه لتدمير جيل الشباب المسلم ونشر الفساد والرذيلة بين صفوفه  . ونحن حينما ننظر إلى واقع الامة المرير اليوم نرى أن المطالبة بإخراج وتربية جيل مستقيم فقط لا يكفي لتجاوز حجم الكارثة التي تمر بها الأمة . فلابد من أن نجعل هدفنا - كمربين و معلمين و آباء - هو إخراج و تنشئة قيادات من النوع الفريد الذي ينقذ الأمة من محنتها وانتكاستها .  ولا نريد مجرد جنود و أتباع  يكثرون سواد الأمة فحسب .. بل  نريد جيل المصلحين الذي يحدثون تغييرا في الأمة ولا نكتفي بتربية جيل صالح يقتصر نفعه على نفسه فقط .

إذن فتربية صغارنا.. ليست مهمة سهلة مثلما يهون من أمرها البعض، كما أنها ليست مسألة عويصة وشاقة  كما يضخم من حجمها الكثيرون، ولكنها تجمع بين الاثنين، بين السهولة والصعوبة، بين المشقة والتيسير، بين المعايشة الدائمة معهم وتفهم رغباتهم وتطلعاتهم وتوجيهها في الاتجاه الصحيح. 

لذلك فأطفال المسلمين  اليوم بحاجة إلى أن يتسلح آباؤهم وأمهاتهم بعلوم شتى ، وخبرات كثيرة ، وأخلاق أصيلة ، لكي يشب الطفل وهو يرى مثالا ناضجا يطبق ما ينادي به ، فيقوم على الفور بالاقتداء به ، وتمثله تمثلا وجدانيا يشكل  اللبنة التي تؤسس كيانه وعالمه الجديد في المستقبل ، بعيدا عن الماديات الزائفة ، والأفكارالبالية، والسقوط في مستنقع الرذيلة والفواحش. 

والآن لنتحدث عن بعض المعالم في إعداد جيل النصر القادم : 

التربية مع الحب :

التربية لا تتم بدون الحب ،  وهذا الحب يكون من الجانبين . لأن الأطفال الذين يجدون من مربيهم عاطفة واهتماما ينجذبون نحوهم ، ويصغون إليهم أسماعهم وقلوبهم ، ويستجيبون لما يأمرونهم بفعله ، ولهذا ينبغي على الأبوين أن يحرصا على حب الأطفال، وألا يقوما بأعمال تبغضهم منهم ، كالإهانة الدائمة، والعقاب المتكرر، والحرمان، وعدم تلبية مطالبهم المشروعة; لأن ذلك لا يؤدي إلى التربية الصحيحة كما يتوقع الآباء، بقدر ما يقود إلى نفور الأطفال من آبائهم ، وارتكاب ما ينهاهم عنه والداهم.

وليس معني ذلك أن يستولي الأطفال على الحكم في البيت والمدرسة والنادي، دون نظام أو رادع ، فليس هذا حبا ، بل إنه خراب ودمار، وإن حب الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه لم يمنعه من تكليفهم بالواجبات، و إرسالهم إلى ميادين الجهاد، وحتى إنزال العقوبة بمن وقع في المحظور وخرج على حدود الدين، وكل ذلك لم يسبب فتورا في محبة الصحابة لنبيهم ، بل كانت تزيد من محبتهم له ، وطاعتهم لأوامره.

ولعل أول ما يستعين به المربي في هذه المهمة الحاسمة هو الدعاء بالصلاح والتوفيق لفلذات الأكباد لا تفريغ شحنات الغضب بالدعاء عليهم واللعن والسب والشتم  . 

لذلك نبهنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه لأهمية هذا الأمر فقال ( لا تدعوا على أولادكم و لا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم .) رواه مسلم

جاء رجل إلى عبدالله بن المبارك يشكو عقوق ولده . فسأله ابن المبارك : أدعوت عليه قال نعم . قال اذهب فقد أفسدته . 

التعليم المتقن المتين :

لابد أن يحرص الآباء والمربون على تلقين أبنائهم العلوم الحياتية التي يحتاجونها وتحتاجها الأمة . لكن ينبغي أن يكون حرصهم الأكبر منصباً على تلقينهم القرآن وأصول دينهم وقواعد الإيمان الصحيح قبل أن يشتد عودهم . فذلك دأب الصالحين والسابقين من السلف الصالح  . 

عن جندب قال ( كنا فتياناً حزاورة [1 ] فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً ) [ 2 ]

لذلك اذا تم ترسيخ قاعدة الإيمان والتوحيد بداية، وتقوية قلب الطفل الذي سيتنور بنور القرآن ثانيًا، فإننا بذلك نكون قد وضعنا حجر الأساس في بناء قلب سليم إذا صلح صلح الجسد كله، ثم ننطلق بعدها في مرحلة تعليم وتلقين بقية العلوم النافعة وعندها سيحقق هذا الطفل سبقاً في الحياة بقلب قوي عامر بالإيمان و سيجتازجميع امتحانات الحياة العلمية والقدرية  بنجاح و امتياز 

ولابد أن يعتمد أسلوب التلقين والتعليم على فهم واستيعاب المعاني التي يتعلمها هذا الناشئ  ولا يكفي مجرد الحفظ بلا فهم كالببغاء . و ذلك أن الفرق شاسع بين طفل يعي و يفهم ما يحفظه وبين طفل يحفظ  فقط بلا أدنى دراية  ثم عندما يكبر يكتشف أنه لم يحز ربع معشار العلم الذي استغرق حياته في سبيل تعلمه و يا لها  من خسارة في الوقت والجهد . 

توثيق الصلة بالتاريخ والمستقبل 

لابد أن ترتبط معرفة الطفل وذاكرته بتاريخ هذه الأمة ومستقبلها . فلابد له من معرفة سيرة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم . فيستمد منها القوة والقدوة والتاسي ولابد من معرفة سيرة أصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم . فهم جند الإسلام  الأفذاذ عندها تتشبع ذاكرته الصغيرة العميقة بقصص القدوات والبطولات عبر كل زمان فتتجلى ملامح النجابة فيه.  

كما أنه علينا أن نبين لهذا الناشئ أن المستقبل لهذا الدين، وهذا هو وعد الله وهو حق لا يخلف .  فيتعلم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم و توصياته و ما ينتظر هذه الأمة من نصر وتمكين إن هي تمسكت بدين الله وشريعته . 

تعويدهم على تحمل المسؤولية  

علينا أن نحمل الطفل الناشئ مسؤولية تليق به وتتناسب مع وضعه فتبث الثقة في نفسه وتبعث الأمل في كيانه وتشعره بوجوده كعنصر مهم و فعال في مجتمعه . كان نسارره بسر بسيط ونطلب منه حفظه ونوكله أحيانا بحفظ أمانة أو توصيلها لشخص محدد  و أحيانا نسند إليه انجاز عمل من أعمال الكبار  

• كما علينا أن نعامل الناشئة باحترام ورفق وبذات الوقت يكون الحزم والمتابعة لهم موجودان عندها سيكون هذا الطفل  الناشئ متوازناً يدرك ما له و ما عليه 

• وفي هذا الإطار يدخل تعويدهم على فروض الإسلام، والصلاة، ومكافأة من حرص منهم على أداء صلاة الفجرفي وقتها . كما نشجعهم على تعظيم المسجد وشعائر الله و نعودهم على الغسل يوم الجمعة والصلاة في جماعة عندها يتذوق معاني هذه الأعمال ولا تبقى مجرد أفعال مبهمة لا قيمة لها في نظره 

• لنصنع من ابنائنا قادة في كل شيئ يتوقون للأفضل دائما ونرفع من هممهم ولا نقبل لهم الدنية ولا سفاسف الأمور كما نربي فيهم الطموح ونسمع لهم ولأحاديثهم و أحلامهم التي يرغبون بتحقيقها فكل ذلك سيشعرهم بأهميتهم ودورهم في هذه الامة 

• لنعلمهم أيضا روح التعاون منذ الصغر وندربهم على الصدقات و تقديم الدعم  لغيرهم و لنفقههم كيف يكون الاحسان والمروءة والصبر ومكارم الأخلاق ولنزرع محبة الأخرين في قلوبهم و احترام الجار وكل مسلم آخر 

• ولا ننسى دور الأم التي هي أم الفرسان تلك الأم محراب الأمان والعطاء، هي التي تضم صغيرها فتهمس في أذنيه أنه البطل الذي سيرجع للإسلام مجده يوماً ما كما أرجعه صلاح الدين وغيره من القادات العظام على مرّ الزمان

ستحدثه عن قصة بيت المقدس وكيف اغتصبه اليهود ولازال تحت سيطرتهم ستحدثه أيضاً  كيف تسلط الطغاة والظالمون على سوريا ودمروها وقتلوا شعبها وهجروا ثلثي سكانها وسرقوا ثرواتها و تفننوا في إذلال الشعب السني المسلم وكيف تكالب العالم كله ضد هذا الشعب المسلم الأعزل . ستحكي له هذه الام تلك القصص بلسان المتفائل و أنها تنتظره و أمثاله من أشبال الأمة ليكبروا ويشتد عودهم ويكون هو المنقذ والبطل القادم .

و ستزرع بحكمتها جذوة الاعتزاز بالإسلام والرغبة الحارقة في عودة مجده بسواعد صغيرة ستشب قوية. لتصنع مجد ونصرهذه الأمة من جديد . 

وينبغي أن نعلم أن تغذية فكر الطفل منذ صغره بعزة الإسلام والمسلمين وربط وجوده بأهمية نجاحه وعطائه .  له مفعول قوي جداً في شعوره بالقوة واحرازه التفوق والنجاح . 

ولا ينبغي أبدًا الإنهيارأمام الناشئة أو الشكوى والبكاء والانكسار فيتحول الطفل لمحبط يائس يريد الهروب من واقعه فقط . بل علينا أن نعلم الأطفال كيف يقومون من الفشل إذا وقعوا فيه و كيف يتجاوزون العجز . و إذا ما صادف الطفل صعوبة، يجد عباراتنا وتشجيعنا يشد من أزره . لا تخف . لا تقلق . لا تيأس.  لا تعجز . استعن بالله، 

ستنجح، أعد الكَرَّة ولا تتراجع، أنت لها يابطل . وغيرها من عبارات التحفيز . وهذا بلا شك سيساعد الطفل على تجاوز الأزمات . 

الإعداد

لابد في تنشئة جيل النصر من الإعتناء بالتربية البدنية و اللياقة والتغذية الصحية.  وذلك لبناء أجسامهم بناء قويا يعينهم على تحمل الصعاب فالمؤمن القوي خير و أحب إلى الله من المؤمن الضعيف.  وبذلك نحقق وصية الفاروق عمر حينما كتب لأهل الشام  عندما قال ( علموا أولادكم السباحة والرمي و الفروسية  )

وليس الذكر كالأنثى : 

لا يعني حديثنا حول العناية بتنشئة جيل النصر أن نهمل البنات أبدا . بل إن للفتاة دوراً لا يقل أهمية عن دور أخيها لهذا ينطبق كل ما ذكرناه في تنشئة جيل النصر على الجنسين مع مراعاة بعض الفروق الصغيرة في ميولات الذكر عن الأنثى .

• و لئن كان قدوة الولد هو سيدنا  خالد و أبو عبيدة والقعقاع وسعد وابن رواحة وجعفر . فإن قدوة الفتاة هي أمنا خديجة وعائشة و أم سلمة والخنساء ونسيبة بنت كعب المازنية .

كما ينبغي أن تكون الفتاة محط العطف والعناية بشكل أكثر من الولد وذلك لأنها أكثر رقة و أعظم عاطفة و أنها خلقت لتكون أمّاً و أختاً وبنتاً وزوجة  و أنها ستحضن الجميع وستقدم العطف والحنان للجميع . 

• لنصنع منهن أمهات يكن في المستقبل مصانع الأجيال والرجال لنعلمهن كيف تعتز الفتاة بحجابها و عفافها ولنزرع فيهن معاني الحشمة والوقار ونعودهن على جميل العادات و رفيع التصرفات والصفات . 

خطر العولمة ووسائل التواصل

إن من المصائب الكبرى التي ابتلينا بها في هذا الزمان . اعلام فاسد  بلا ضمير وقنوات بلا دين . وبرامج هدّامة قادرة على هدم ما بنيناه في بناء شخصية الطفل خلال عشية وضحاها.  فهي تدس السم في برامجها لتبعد الجيل عن مقتضى الإيمان و تزرع فيه الوهن والضعف والعجز والكسل والجبن والتثاقل عن الواجبات . وعندما يتابع الطفل هذه الاعلام الهابط فإنه سيفقد القدرة على التفكير السليم وينحسر اهتمامه في دائرة العبث واللهو فتصبح أهدافه هابطة و اهتماماته منحطة وسيتعلق بالموسيقى والغناء والرقص وتقليد الهابطين من الفنانين واللاعبين و يتعلق بسفاسف الأمور وبأسوأ الأخلاق،  وبذلك يتدمر الجيل لأنه اتخذ الهابطين والساقطين قدوة له وصار أسيرا لهم يقلدهم في كل ما يفعلونه .

لذلك يجب على الآباء والأمهات والمربين الانتباه إلى ما يشاهده أطفالهم من برامج في التلفاز أو في وسائل الإعلام الأخرى وخصوصا وسائل التواصل الاجتماعي التي قربت كل بعيد و سهلت كل رخيص . 

علينا أن نشرح لأطفالنا خطر هذه الأجهزة ونعلمهم كيف يتجنبوا هذا الخطر و إن لم نكن بجانبهم  . ولنربي فيهم الشعور بمراقبة الله لهم و ونزرع فيهم خشيته في السر والعلن  وليكن ذلك بأسلوب محبب ومقنع لا بالعنف والتهديد والوعيد فهذا يدفع الطفل للعناد والتمرد والمشاهدة بالسر، لأن كل ممنوع مرغوب.  

خاتمة : 

من الصعب أن نلخص كل معالم بناء جيل النصرفي عجالة ولكن هذا غيض من فيض في بداية مشوار طويل من الصبر في صناعة شخصية عظيمة ربما تكون أمل أمتها  و المنقذ لها في المحن والملمات 

إنها صناعة مجد في إنسان وفي أمة فلنكن جميعاً أهلا لهذه الأمانة . و اذا لم نستطع أن نحقق نحن هذا المجد بتقصير منا أومن أهلنا فلنعمل جاهدين على تحقيقه في أبنائنا وعندها ستكون الأمة كلها ممتنة لنا . فلنخلص في تحقيق هذه الغاية النبيلة  .

اللهم أعز الإسلام والمسلمين بجيل جديد من فاتحين و قادة يرفعون رايات النصر عالية خفاقة في كل مكان و أظهر مجد الإسلام على أيديهم واجعلهم  خير خلف لخير سلف.  

و آخر دعوانا أن الحمد لله رب 

[ 1] حزاورة : الشاب إذا قارب البلوغ

[ 2] شعب الإيمان جزء 1 ص76

 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا