الجمعة 13 ربيع الأول 1442 - 30 أكتوبر 2020

أحداث عين العرب.. بروفة انفصالية بتركيا وشرعنة لـ"بي كا كا" بسوريا

الاثنين 24 صفر 1442 - 12 أكتوبر 2020 78 محمود عثمان
أحداث عين العرب.. بروفة انفصالية بتركيا وشرعنة لـ

رغم مرور ست سنوات على أحداث عين العرب (كوباني)، فإن إفرازاتها وآثارها وانعكاساتها ما تزال حاضرة حتى يومنا هذا، سواء في تركيا، أو في منطقة شرق الفرات بسوريا.

في تركيا، أصدر المدعي العام مجددا مذكرات توقيف طالت العديد من الشخصيات التي كان لها دور مؤثر في تلك الأحداث.

ومهدت الأحداث لخلق لاعب جديد على مستوى الساحة السورية، حليفا للغرب، ينفذ أجندته في المنطقة، ويكون مؤتمنا على الرهان الأمريكي في هندسة الخريطة السورية عموما، ومنطقة شرق الفرات الاستراتيجية على وجه الخصوص.

** تنظيم داعش يستولي على عين العرب/ كوباني على مرأى العالم ومسمعه!

بعد تحضيرات علنية، وتحرك مصور مكشوف، تحت سمع وبصر العالم بأسره، وفي مقدمته "التحالف الدولي لمحاربة داعش"، المؤلف من ستين دولة تقودهم الولايات المتحدة، شن مقاتلو تنظيم "داعش الإرهابي" في 13 سبتمبر/أيلول 2014 هجوما كبيرا، بهدف الاستيلاء على مدينة عين العرب (كوباني).

المدينة تقع شمال شرق محافظة حلب، حيث تسيطر عليها تنظيم "ي ب ك/بي كا كا" الإرهابي.

وبحلول 2 أكتوبر/تشرين الأول 2014، استولى "داعش" على 350 من القرى والبلدات الواقعة على مقربة من عين العرب؛ مما اضطر سكانها البالغ عددهم حوالي 300 ألف إلى الفرار باتجاه الحدود نحو محافظة شانلي أورفة؛ حيث استقبلتهم تركيا، وسمحت لهم بإدخال مواشيهم وجميع ممتلكاتهم.

وفي 26 يناير/كانون الثاني 2015، بدأ تنظيم "ي ب ك/بي كا كا" الإرهابي، بدعم من غرفة عمليات ما سمي "بركان الفرات"، وقوات البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان شمالي العراق، مسنودا ومدعوما بغارات الطيران الحربي التابع للجيوش الأمريكية والعربية المتحالفة مع الولايات المتحدة، مما دفع تنظيم داعش إلى الانسحاب، وتمت استعادة السيطرة الكاملة على مدينة عين العرب في 27 يناير/ كانون الثاني.

لكن معظم القرى التابعة للمدينة ظلت تحت سيطرة "داعش" إلى أن قام تنظيم "ي ب ك/ بي كا كا" بالتعاون مع الجماعات المسلحة المتحالفة معه مدعوما بغارات التحالف الجوية، بتحقيق تقدم سريع في ريف عين العرب؛ حيث انسحب تنظيم داعش 25 كم من المدينة بحلول 2 فبراير/شباط 2015.

وبحلول أواخر أبريل/نيسان من العام نفسه، كان تنظيم داعش قد خسر تقريباً كل القرى التي استولى عليها، لكنه ظل محتفظا ببضع عشرات من القرى التي استولى عليها شمالي غربي محافظة الرقة.

** الضربات الجوية للتحالف الدولي ومحاصرة عين العرب/كوباني

اعتمدت استراتيجية الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، على التدخل العسكري في جميع البؤر الساخنة، دون إرسال جنود أمريكيين للقتال فيها.

وكان أوباما قد عبر للقادة العسكريين من أكثر من 20 بلدا يشارك مع الولايات المتحدة في قتال تنظيم داعش عن قلقه العميق من تقدم مسلحي التنظيم في عين العرب/كوباني وغربي العراق، ولكنه لم يشر إلى أي تغيير في استراتيجيته.

بالتوازي مع تصريحات أوباما، كان الطيران الحربي الأمريكي يشن أكبر عدد من الغارات الجوية، حيث نفذ ما يزيد على 40 غارة على عين العرب/كوباني خلال يومين، رغم سوء الأحوال الجوية، وكان هذا أكبر عدد يشنه منذ بدء الغارات الجوية داخل سوريا في 22 سبتمبر/أيلول.

** صقور حزب الشعوب الديمقراطي يستغلون الهجوم على عين العرب لتقويض المصالحة الوطنية في تركيا

بعد تصريحات/أوامر، لقادة "بي كا كا/ كا جي كا/ ب ي د/ ي ب ك"، أصدرت اللجنة التنفيذية المركزية لحزب الشعوب الديمقراطي الذي يرأسه كل من صلاح الدين دميرطاش، وفيغان يوكسكداغ، بيانا في 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2014، تحت عنوان "نداء عاجل لشعوبنا".

وقالت اللجنة في بيانها "ندعو شعوبنا للخروج إلى الشوارع ودعم المتظاهرين ضد الحظر الذي تفرضه حكومة حزب العدالة والتنمية على عين العرب"، على حد زعمها.

ونتيجة لهذه التصريحات/ الأوامر الصادرة عن قادة المنظمة الإرهابية وامتداداتها، بدأت في 6 أكتوبر 2014 أحداث متزامنة في العديد من المدن والبلدات والنواحي والقرى، على شكل عصيان مسلح، وكانت الدولة التركية وجها لوجه أمام عنف مسلح واسع النطاق، عرف فيما بعد لدى الرأي العام بـ"أحداث 6-7 أكتوبر".

لم تكن ما عرفت بـ"أحداث 6-7 أكتوبر" سوى محاولة انفصالية، حركتها بعض الأطراف الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها قيادة حزب الشعوب الديمقراطي، وما يعرف بالكيان الموازي (تنظيم غولن)، استغلت هجوم تنظيم داعش على مدينة عين العرب، من أجل تقويض جهود المصالحة الوطنية التي كان يقودها الرئيس أردوغان، وحصل بموجبها أكراد تركيا على حقوقهم، وكان من شأنها سحب ذريعة الإرهاب الانفصالي، الذي يتاجر بحقوق الأكراد.

** عنف يخلف قتلى وجرحى وأضرارا مادية ضخمة

أدت التصريحات والأوامر الصادرة عن بي كا كا وقيادة حزب الشعوب الديمقراطي، إلى إثارة موجة من الاحتجاجات الواسعة في العديد من المدن التركية، شملت 35 مدينة و96 قضاء، وتسببت في مقتل 37 مواطنا، بمن فيهم ياسين بورو، وحسن كوك غوز، وأحمد دقاق، على أيدي إرهابيي "بي كا كا/ كا جي كا/ ب ي د/ ي ب ك"، خلال توزيعهم مساعدات في عيد الأضحى.

كما أسفرت الأحداث عن إصابة 761 مواطنا، بينهم 326 عنصر أمن، و435 مدنيا، إلى جانب إحراق 197 مدرسة حيث سلب حق التعليم من الأطفال، فضلا عن إلحاق خسائر في 269 مبنى حكوميا، ما أدى إلى أضرار بمليارات الليرات التركية، ومنع توفير الخدمات العامة.

وانتهكت حقوق الملكية، حيث تعرض 1731 منزلا ومحلا تجاريا للنهب والتدمير أو الحرق، بجانب عطب 1230 مركبة، بينها 729 مدنية، و501 حكومية.

حتى المتاحف والمكتبات العامة ومراكز تعليم القرآن الكريم، لم تسلم من عمليات التخريب والحرق والتدمير.

** مطالب تعجيزية

ما أن دخل مقاتلو تنظيم داعش الإرهابي مدينة عين العرب، حتى تحركت احتجاجات واسعة قادها حزب الشعوب الديمقراطي، الذي يعتبر الواجهة السياسية لمنظمة بي كا كا الإرهابية.

طالب المتظاهرون بالسماح لعناصر منظمة بي كا كا الإرهابية الانفصالية، التي تقاتل الدولة التركية مدة أربعين عاما، بفتح ممر لهم داخل الأراضي التركية للعبور إلى عين العرب من أجل قتال داعش هناك، وأن يتدخل الجيش التركي لحماية عين العرب من السقوط في يد تنظيم داعش، والسماح لقوات البيشمركة القادمة من شمال العراق بعبور الأراضي التركية للقتال في عين العرب.

واضح للعيان أن جميع تلك المطالب كانت تعجيزية، وتمس السيادة الوطنية للدولة التركية. بل أكثر من ذلك استماتة في شرعنة منظومة بي كا كا الإرهابية الانفصالية، من أجل فرضها لاعبا رئيسيا في المنطقة، تماما كما يحدث الآن في منطقة شرق الفرات.

زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش، طالب بتدخل الجيش التركي، من أجل إنقاذ عين العرب، وطلب فتح ممر لعبور المقاتلين الأكراد من تركيا، من أجل المساهمة في الدفاع عن المدينة، على حد قوله، كما صرح مسؤولو الحزب ذاته بأن سقوط عين العرب يوازي سقوط أنقرة.

** رد صارم من الدولة التركية

كان رد الحكومة التركيا واضحا حازما صارما، فقد هدد الرئيس أردوغان منظمي الاحتجاجات بالرد بشكل غير مسبوق، قائلاً: "تركيا ليست دولة ترضخ أمام حفنة منهم. لقد أضرموا النار في الممتلكات، لكنهم سيدفعون الثمن غاليًا، ونحن سنبني ما هو أجمل مما دُمر"، مضيفا: "لن نرضخ لهؤلاء الذين يلعبون دور المطية في يد جهات دولية قذرة، بذريعة عين العرب، وسنحاسبهم على ذلك".

نائب رئيس الوزراء آنذاك بولنت أرنتش اعتبر "أن المسألة ليست مسألة عي العرب بل هي الرغبة في القيام بتمرد طالما فشلوا في تحقيقه، ولن يوفقوا في تحقيقه بعد الآن، بل سنقلب الدنيا على رؤوسهم". من جهته اعتبر رئيس الوزراء التركي، آنذاك، أحمد داود أوغلو أن مسيرة السلام/ المصالحة الوطنية مستمرة بإرادة الحكومة التركية، وليس برغبة أي تنظيم، والأكراد والأتراك تربطهم أواصر تاريخية قديمة جمعت بينهم على هذه الأرض.

** التحقيقات بأحداث عين العرب/ كوباني ما زالت مستمرة

تواصل السلطات التركية حتى يومنا هذا تحقيقاتها لمحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف المسلح المعروفة بأحداث "6-7 أكتوبر" عام 2014، في إطار الدستور والقوانين.

ضمن هذا السياق، أطلقت أجهزة الدولة المعنية حملة أمنية من أجل القبض على كافة المتهمين، وتسليمهم للقضاء، ممن شاركوا في الأحداث بهدف النيل من سيادة الدولة، وكل من وجّه وأدار الأحداث، وكل من أقدم على قتل نفس بريئة، أو أصاب مدنيا، أو شتت شمل أسرة، أو أضرم النيران بالسيارات والأبنية، أو اختلس الأموال العامة والخاصة.

وفي هذا الإطار، أطلق مكتب التحقيقات في الجرائم الإرهابية لدى النيابة العامة بالعاصمة أنقرة، تحقيقا حيال قادة "بي كا كا/ كا جي كا" وقادة وأعضاء بعض الأحزاب السياسية الذين أصدروا تعليمات الخروج إلى الشوارع في عموم البلاد.

ومن ضمن من تم توقيفهم سابقا في إطار التحقيقات، صلاح الدين دميرطاش، وفيغان يوكسكداغ، رئيسا حزب الشعوب الديمقراطي اللذان أصدرا الأوامر بالعصيان المدني.

كما صدرت أوامر توقيف جديدة ، الجمعة، في إطار التحقيقات نفسها؛ حيث تم توقيف عدد من المشتبه بهم في 7 ولايات تركية.

** خلاصة

منذ 40 عاما، تكافح تركيا الأعمال الإرهابية الوحشية التي تمارسها منظومة بي كا كا الإرهابية بمختلف امتداداتها ومسمياتها، "بي كا كا/ كا جي كا/ ب ي د/ ي ب ك" وغيرها.

وبالرغم من تصنيف كثير من الدول، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، ودول الاتحاد الأوروبي، بي كا كا كتنظيم إرهابي، إلا أن تلك الدول لا تتردد في استخدامها كأداة لخدمة أجنداتها ومصالحها، التي غالبا ما تتعارض مع مصالح شعوب المنطقة.

الأطراف والقوى الخارجية والداخلية التي حركت الشارع ضد الدولة التركية إبان أحداث عين العرب، في "6-7 أكتوبر" عام 2014، هي نفسها التي ما زالت تسعى لرسم خارطة جديدة للمنطقة تبدأ بتسليم منطقة شرق الفرات للمنظومة الإرهابية الانفصالية ذاتها، تحت نفس المسميات وبنفس الذرائع.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا