السبت 15 ربيع الأول 1442 - 31 أكتوبر 2020

عاشروهن بالمعروف

السبت 22 صفر 1442 - 10 أكتوبر 2020 153 رامي أحمد ذو الغنى
عاشروهن بالمعروف

المودَّة والرحمة أساس استقرار البيوت، وعليهما تقوم السعادة، ومنهما يتولَّد الأنس والسَّكَن والاطمئنان، ولا يزال الرجل والمرأة في تطلُّع وتشوُّف حتى يجمع الله كلًا منهما بإلفه، ويقسِم بينهما ما شاء من مشاعر الود، فيألفها وتألفه، وتمتزج روحهما في روح واحدة، ( والأرواح جنود مجنَّدة ما تعارف منها ائتلف )

قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

فسبحان من خلق وقدَّر، وجمع بين عباده وإمائه فوفَّق، ثم هدى وأرشد لما يضمن المحافظة على البيوت حصينة مطمئنة، مسيَّجة بالأخلاق الكريمة والقيم النبيلة، قال عز وجل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.

وهذا أمر إلهي وتوجيه رباني لصاحب القِوامة كي يتخذ المعروف منهجًا وسبيلًا في تعامله مع زوجه؛ أحبَّها أم أبغضها، رضيها أم سخطها، وذلك من تمام رحمة الله بخلقه، ومن عظيم حكمته وفضله، فالدنيا في تبدُّل وتغيُّر، ودوام الحال من المحال، ورُبَّ حبيب أمسى بغيضًا، وقريبٍ موافقٍ صار بعيدًا مخالفًا.

ما بين طرفة عينٍ وانتباهتها=يبدِّل الله من حالٍ إلى حالِ

فإن شحَّت المشاعر، وغاضت العواطف، وذلك من أشدِّ البليِّات والمحن في الحياة الزوجية، فلا يجوز أن تشحَّ صنائع المعروف بين الزوجين، أو أن تغيضَ مبادئ العدل والإحسان. 

قال صلى الله عليه وسلم: (إني أُحَرِّج عليكم حقَّ الضعيفين: اليتيم، والمرأة).

فالمرأة في العلاقة الزوجية هي الطرف الأضعف، لما جُبلَتْ عليه من رقةٍ تحول دون بلوغ غايتها عند المنافرة أو المخاصمة، قال تعالى في حق النساء: ﴿أَوَمَن يُنشَّأُ في الحِليةِ وهو في الخصامِ غيرُ مبينٍ﴾، ومهما بلغ كيد النساء فإنه يتصاغر أمام صلابة الرجال وقوتهم، وقدرتهم على اللجج في الخصومة، وامتلاكهم مقاليد الأمور، وتصريف شؤون الحياة الأسرية. 

قال الغزالي رحمه الله: (المعاشرة بالمعروف تكون بِحُسْن الخُلُق معها، وكفِّ الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحِلْم عن طيشها وغضبها؛ اقتداءً برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم).

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم : (لا يفرَك مؤمنٌ مؤمنة، إنْ كَرِهَ منها خُلقًا، رَضِيَ منها آخر).

والفرك: هو البُغض بين الزوجين، ومعنى الحديث: لا يَنبغي للزوج أن يُبْغِض زوجتَه بغضًا يحمله على فراقها؛ لأنَّه إن وجد فيها خُلُقًا يكرهه، وجد فيها خُلُقًا آخرَ يرضاه منها، فعليه أن يغفرَ سيِّئها لحَسَنها، ويَتَغَاضَى عمَّا يكره لِمَا يحب منها.

فليحذرِ الرجل أن يكون بحَّاثةً عن العيوب، مُنقِّبًا عن النقائص، لا يرى من زوجه إلا خطأها، ولايلتفت إلا إلى سيئاتها، ومن كان هذا حاله لايستقيم له أمر، ولا تستقر معه زوجة.

إذا كنت في كـل الأمـور معاتبًـا=صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبُه

فعـش واحـدًا أو صل أخـاك فـإنـه=مقارف ذنـبٍ مرةً ومُجـانبُـه

إذا أنت لم تشربْ مرارًا على القذى=ظمئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُه

ومن ذا الذي تُرضَى سجاياه كلُّها=كفى المرءَ نبلًا أن تُعدَّ معايبُه

فإن قيل هذا في حق الخِلِّ والصَّديق، فكيف بمن قال الله فيهما: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾، وقال: ﴿ولا تنسَوا الفضل بينكم﴾ ؟

وإحسان الرجل لأهل بيته من كمال إيمانه، وكلَّما زاد إحسانه ارتقى في سلَّم الإيمان، قال صلى الله عليه وسلم: (أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخيارُكم خيارُكم لنسائِهم).

ومما قاله السلف الصالح رضوان الله عليهم: (حقيقة حُسن الخلق: بذْلُ المعروف، وكفُّ الأذى، وطلاقة الوجه).

وبذل المعروف يشمل كلَّ خيرٍ يفيض به الرجل على أهله سواء كان ماديًا أم معنويًا، وكثيرٌ من الرجال يُقصِّرون في إشباع حاجة المرأة العاطفية والنفسية، فلا بدَّ من الملاينة والملاطفة والمصارحة بمشاعر الحبِّ والودِّ التي يُكنُّها الرجل لزوجه، حتى يأسرَ قلبها، ويستديمَ ودَّها، وتشعرَ بالأمان والاستقرار في بيت زوجها، وإنَّ من أكبر الأخطاء التي يقع فيها بعض الرجال التهديد بالطلاق عند وقوع أدنى خلاف، والتعريض بالعزم على الزواج من امرأة أخرى، فيشتِّت ذلك قلبَها، ويجعلها تعيش في كدرٍ وحزنٍ، تتجرع مرارة الضَّرة من قبل مجيئها، وتخشى ألم الفراق قبل وقوعه، وفي هذه الممارسات مخالفةٌ ظاهرةٌ لوصية النبي صلى الله عليه وسلم: (استوصوا بالنساء خيرًا)، وأمرِه بالرِّفق بهن في قوله: (رفقًا بالقوارير).

ولن يعدم المحسن لأهله حسن العاقبة في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا يجد السعادة والهناء، والراحة والاستقرار، وفي الآخرة الأجر والثواب ممن يجزي بالإحسان إحسانًا، قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إنَّ الرجلَ إذا سقَى امرأته مِن الماء أُجِر)، ومما قاله عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص: (إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلا أُجِرْتَ بها حتى اللقمة ترفعُها إلى في امرأتك).

ولْيعلمِ الرجال أن المرأة خُلِقت من ضلع أعوج، كما بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم، وجُبلَتْ على عاطفةٍ دفَّاقةٍ تغلب عقلها غالبًا، وهو ما عبَّر عنه المصطفى عليه الصلاة والسلام عند وصفه النساء بنقصان العقل، فحريٌّ بالزوج أن يراعيَ ما جُبلَتْ عليه زوجه من نقصٍ ينفعُها ولا يضرُّها، ويؤهِّلُها للقيام بالمهمة المنوطة بها من حمل وولادة ورضاع وتربية، ولولا ما جُبلَتْ عليه من حنانٍ ورقةٍ ورأفةٍ ورحمةٍ لما استطاعت أن تتحمَّل ما يصاحب ذلك كله من تعبٍ ونصبٍ وألمٍ ووجعٍ، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ المرأة خُلِقَت من ضِلَعٍ لن تستقيم لك على طريقةٍ، فإن استمتعتَ بها، استمتعتَ بها وبها عِوَجٌ، وإن ذهبتَ تُقِيمُهَا، كسرتَها، وكسرها طلاقها)، وفي رواية أخرى بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن العَوج في أعلى الضِّلَعِ، وهو كناية عن نقصان العقل بغلبة العاطفة، قال عليه الصلاة والسلام: (وإنَّ أَعْوَجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعلاه).

فيا أيُّها الرجال اتقوا الله بنسائكم، وارحموا ضعفهن، وأحسنوا عشرتهن، فما من راعٍ إلا وسيسأل يوم القيامة عن رعيَّته، حفظ أم ضيَّع.

ويا أيَّتها النساء اتقين الله بأزواجكن، وقابلن بالإحسان إحسانهم، واحفظن بيوتهم، واسعين جاهدات في حسن التَّبَعُّل لهم، واعلمن أن عليكنَّ من الواجبات كما لَكُنَّ من الحقوق، والسعيدة من أدَّتْ ما عليها مرضيةً لربها، متحببةً لزوجها، راعيةً لبيتها، واعتصمن بالرفق، فإن الله إن أراد بأهل بيت خيرًا أدخل عليهم الرفق، ولن تشقى أسرة منهاجها الرفق في الأقوال والأعمال، وغايتها الله الكبير المتعال. 

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



  • هيثم

    تاريخ اليوم السبت : 10 / أكتوبر / 2020 الوقت الأن 11:18

    أحسنت .. أحسن الله إليك.

اقرأ ايضا