الجمعة 14 ربيع الأول 1442 - 30 أكتوبر 2020

أسباب هلاك الأمم كما بَيَّنَتْهَا السُّنَّة النَّبَوية (1)

الثلاثاء 4 صفر 1442 - 22 سبتمبر 2020 126 أحمد عبد المجيد مكي
أسباب هلاك الأمم كما بَيَّنَتْهَا السُّنَّة النَّبَوية (1)

المقدمة:

لهلاك الأمم أسباب كثيرة جَرت سُنَّة الله تعالى في عباده عند وجودها أن يهلكهم بسببها، وهذه الأسباب متداخلة يجمعها: الكفر بالله والصّدّ عن سبيله، الاستهزاء بالرسل وتكذيبهم، الكفر بنعم الله وعدم القيام بواجب شكرها، انتهاك حرمات الله وشيوع الفواحش، والظلم، والطغيان. 

وقد أشار القران الكريم الى هذه الأسباب، كما أشارت السنة المطهرة الى طرف من هذه الأسباب، سأقف مع أهمها في السطور التالية.

وأود قبل الدخول في الموضوع الاشارة الى أمرين اثنين:

الأمر الأول:

ينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في الأمم السابقة، وأن يتفكَّروا في أحوالهم، ويتَّعظوا بما حلَّ بهم من العقاب والنكال، وقد أمرنا الله عز وجل بذلك، وذكر في مواضع كثيرة من كتابه العزيز أن سنَّته في ذلك مُطردَةٌ وعادتُه مُستَمِرَّة لا تُحابِي أحدًا، وهذا هو أحد أهم الأهداف الأساسية من قصص القران. قال تعالى: ( وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) هود)، وقال جل وعلا : ( لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ .. (111) يوسف). 

وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): "وَإِنَّمَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا قصَصَ مَنْ قَبْلَنَا مِنْ الْأُمَمِ لِتَكُونَ عِبْرَةً لنا. فَنُشَبِّهُ حَالَنَا بِحَالِهِمْ ونَقِيسُ أَوَاخِرَ الْأُمَمِ بِأَوَائِلِهَا. فيكون للمؤمن من المتأخرين شَبَهٌ بما كان للمؤمن من المتقدمين. ويكون للكافر والمنافق من المتأخرين شَبَهٌ بما كان للكافر والمنافق من المتقدمين(1).

ويلفت الإمام البقاعي (ت: 885هـ) نَظَرَنا إلى أن " لكل من الماضين مثل يتكرر في هذه الأمة الخاتمة... فما صَدَّ أكثرَ هذه الأمة عن فهم القرآن؛ ظنُّهم أنَّ الذي فيه مِن قَصَص الأوَّلِين وأخبار المُثَابين والمُعَاقَبين مِن أهل الأديان أجمعين؛ أنَّ ذلك إنما مقصوده الإخبار والقَصص فقط، كلا، وليس كذلك؛ إنما مقصودُهُ الاعتبار والتنبيه لمشاهدة متكررة في هذه الأمة من نظائر جميع أولئك الأعداد، وتلك الأحوال والآثار"(2).

الأمر الثاني: ابتلى الله الأمم السابقة بأصناف العذاب، وهذا العذاب على نوعين:

أولهما عذاب الاستئصال والفناء أو الإهلاك العام، فلا يبقي منهم أحد، كما حصل مع قوم نوح وعاد وثمود، وقد ذهب أهل العلم إلى أن الله عز وجل ببالغ حكمته ورحمته رفع هذا النوع من العذاب عن البشرية، وشرع للمؤمنين جهاد المكذبين المعاندين.

النوع الثاني: الهلاك الجزئي، وهذا النوع من العذاب لا يؤدي إلى فناء الأمة المعذبة برمتها. وإنما يؤدي إلى هلاك أفراد أو جماعات، وله صور منها: الكوارث الطبيعية أو الجوائح السماوية كالزلازل والبراكين والطاعون والطوفان والأعاصير والأمراض الفتاكة غيرها. ومنها: تسلط الأعداء عليهم وإذلالهم ونهب خيراتهم. ومنها: زوال الملك وانحسار السلطان. ومنها: الفساد الأخلاقي وضياع القيم وانهيار المجتمع تدريجيا مما يؤدي إلى الضعف والتفكك والاقتتال الداخلي وسفك الدماء.

والآن مع بيان أسباب الهلاك التي جاءت في السنة النبوية.

السبب الاول: المحاباة والمداهنة في الحدود والعقوبات.

لإقامة الحدود والعقوبات فوائد لا تحصى منها نزع شوكة الفساد، ورفع الظلم، وإقامة العدل، والمحافظة على الأنفس والأموال والأعراض. وفي الحديث: إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله تعالى خَيْرٌ للناس مِنْ أن يمطَروا أَرْبَعِينَ صباحا (3).

ومن ثم وجبت إقامتها على الشريف، والوضيع، والغني والفقير، ولا يحل تعطيلها؛ لا بشفاعة، ولا بهدية، ولا بغيرهما.

وقد حذرنا صلى الله عليه وسلم من مشابهة من قبلنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يُسَوَّى بين الناس في ذلك، وأَخْبَرَ أَنَّ أَعَزَّ النَّاسِ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ لَوْ أَتَى بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَأَقَامَهُ عَلَيْهِ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: إنَّ قُرَيشاً أَهَمَّهُمْ شَأنُ المرأَةِ المَخزوميَّةِ التي سَرَقَتْ، فقالوا: مَنْ يُكلّمُ فيها رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالوا: ومَنْ يَجترئُ عليه إلا أُسامَةُ بن زَيدٍ، حِبُّ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فَكلَّمَهُ أُسَامَةُ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: أتَشفَعُ في حدٍّ مِنْ حُدودِ الله؟ ثم قال: إنَّما أَهلك الذين قبلكم: أنَّهمْ كانوا إذا سَرقَ فيهم الشَّريفُ تَرَكُوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدّ. وَأيْمُ الله لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا (4).

قال شيخ الاسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): بَيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم أن هلاك بني إسرائيل إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت، وقد أعاذها الله من ذلك، لقطع يدها؛ ليبين: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنت الرسول، فضلا عن بنت غيره (5). 

وقد استنبط الحافظ ابن حجر (ت: 852هـ) فوائد كثيرة من هذا الحديث اقتصر منها على ما يتعلق بموضوعنا، قال رحمه الله: وفي هذا الحديث من الفوائد: منع الشفاعة في الحدود، وفيه دخول النساء مع الرجال في حديث السرقة، وفيه ترك المحاباة في إقامة الحد على من وجب عليه ولو كان ولداً أو قريباً أو كبير القدر، والتشديد في ذلك والإنكار على من رخص فيه أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه، وفيه الاعتبار بأحوال من مضى من الأمم ولاسيما من خالف أمر الشرع (6).

ويدخل تحت هذا الذم كل من أسند الأمر الى غير أهله وغير ذلك من المحاباة في أحكام الدين (7).

السبب الثاني: الشحُّ بالمال، ومنع حقوق الله، وحقوق عباده.

الشُّحُّ هو شدة الحرص على الشيء والإحفاء في طلبه، والاستقصاء في تحصيله، وجشع النفس عليه، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وإمساكه، والشح كامن في النفس، فمن بخل فقد أطاع شحه، ومن لم يبخل فقد عصى شحه ووقي شره وذلك هو المفلح (8).

والشُّحُّ من أسباب هلاك الأمم وخراب الديار، فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- قال: «اتقوا الظلم، فإن الظُّلم ظُلماتٌ يوم القيامة، واتقوا الشُّحّ، فإنه أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دِماءهم واستحلّوا محارمهم» (9).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِيَّاكُمْ وَالشُّحَّ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخَلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا" (10).

قال الماوردي (المتوفى: 450هـ): ينشأ عن الشح من الأخلاق المذمومة أربعة أخلاق: الْحِرْصُ وَالشَّرَهُ وَسُوءُ الظَّنِّ، وَمَنْعُ الْحُقُوقِ:

فَأَمَّا الْحِرْصُ فَهُوَ شِدَّةُ الْكَدْحِ وَالْإِسْرَافِ فِي الطَّلَبِ.

وَأَمَّا الشَّرَهُ فَهُوَ اسْتِقْلَالُ الْكِفَايَةِ، وَالِاسْتِكْثَارُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْحِرْصِ وَالشَّرَهِ.

وسوء الظن: عدم الثقة بمن هو أهل لها.

وَأَمَّا مَنْعُ الْحُقُوقِ فَإِنَّ نَفْسَ الْبَخِيلِ لَا تَسْمَحُ بِفِرَاقِ مَحْبُوبِهَا. وَلَا تَنْقَادُ إلَى تَرْكِ مَطْلُوبِهَا، فَلَا تُذْعِنُ لِحَقٍّ وَلَا تُجِيبُ إلَى إنْصَافٍ.

وإذا آلَ الْبَخِيلُ إلى ما ذكر من هذه الصفات المذمومة والشيم اللئيمة لَمْ يَبْقَ مَعَهُ خَيْرٌ مَرْجُوٌّ وَلَا صَلَاحٌ مَأْمُولٌ.. (11).

وقال العلامة المناوي (ت: 1031هـ):

فالبخل مطلق المنع، والشح المنع مع ظلم، وعطف الشح الذي هو نوع من أنواع الظلم اشعارا بأن الشح أعظم أنواعه، لأنه من نتائج حب الدنيا ولذاتها .... وإنما كان الشح سبب ما ذكر لأن في بذل المال والمواساة تحاببا وتواصلا، وفي الإمساك تهاجر وتقاطع، وذلك يجر إلى تشاجر وتغادر من سفك الدماء واستباحة المحارم. 

ومن السياق عُرِف أن مقصود الحديث بالذات ذكر الشح، وأما ذكر الظلم فتوطئة وتمهيد لذكره، وأبرزه في هذا التركيب إيذانا بشدة قبح الشح، وأنه يفضي بصاحبه إلى أفظع المفاسد، حيث جعله حاملا على سفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة وأخبث العواقب الوخيمة، قال بعض الحكماء: الشح مسابقة قدر الله، ومن سابق قدر الله سُبِق، ومغالبة لله ومن غالب الحق غُلِب، وذلك لأن الحريص يريد أن ينال ما لم يقدر له، فعقوبته في الدنيا الحرمان، وفي الآخرة الخسران (12).

وقد ذكر الإمام القرطبي في تفسيره عن بعض الحكماء أنَّ الشحَّ أضرُّ من الفقر، لأن الفقير إذا وجد شبع، والشحيح إذا وجد لم يشبع أبدا.

السبب الثالث: التعمق في سؤال الأنبياء والعلماء، مع الاختلاف عليهم وعدم اتباعهم.

إنَّ الاختلاف على الأنبياء من أسباب الفتنة والهلاك، وهذه العلة كما هي في حق الأنبياء، كذلك تكون بالنسبة للعلماء العاملين، والدعاة المخلصين، فإن العلماء ورثة الأنبياء، فإحراجهم بكثرة الأسئلة مع مخالفتهم فيما يأمرون به وينهون عنه من أسباب الهلاك.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا". فَقَالَ رَجُلٌ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ الله؟! فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلاَثاً، ثُمَّ قَالَ: ذَرُونِي مَا تَرَكْتكُمْ، لَوْ قلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلمَا اسْتَطَعْتُمْ، إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةِ سُؤَالهِمْ وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ (13).

والمعنى: اتركوني من السؤال مدة ما تركتم فلا تتعرضوا بكثرة البحث عن ما لا يعنيكم في دينكم كما كان يفعل أهل الكتاب مع أنبيائهم ... فإنْ قيل: السؤال مأمور به كما في قوله تعالى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] قيل: هذا فيما تتم به أداء المأمور به وترك المنهي عنه والنهي عن سؤال ما ليس من ذلك القبيل ... ". (14).

ويفسر ابن تيمية (ت: 728هـ) الاختلاف على الأنبياء بالمخالفة لهم، فيقول:

فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية، كما أخبرنا الله عن بني إسرائيل من مخالفتهم أمر موسى في الجهاد وغيره، وفي كثرة سؤالهم عن صفات البقرة. 

لكن هذا الاختلاف على الأنبياء: هو - والله أعلم - مخالفة الأنبياء كما يقول: اختلف الناس على الأمير إذا خالفوه.

والاختلاف الأول: مخالفة بعضهم بعضا وإن كان الأمران متلازمين أو أن الاختلاف عليه هو الاختلاف فيما بينهم، فإن اللفظ يحتمله. ".(15).

يتبع

(1) مجموع الفتاوى (28/ 425).

(2) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور (8/ 525).

(3) أخرجه ابن ماجه (2537)، وابن حبان (4398).

(4) أخرجه البخاري (6788) ، ومسلم (1688) وغيرهما.

(5) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (1/ 330).

(6) فتح الباري (12/ 85).

(7) فيض القدير (2/ 568).

(8) باختصار من الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص: 33).

(9) مسلم رقم (2578).

(10) أبو داود (1698)، أحمد (2753)، الحاكم (1516). 

(11) أدب الدنيا والدين (ص: 186).

(12) فيض القدير (1/ 135).

(13) أخرجه البخاري (7288)، ومسلم (1337).

(14) التنوير شرح الجامع الصغير (6/ 172).

(15) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 158).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا