الاثنين 10 صفر 1442 - 28 سبتمبر 2020

والله أنبتكم

الخميس 29 محرم 1442 - 17 سبتمبر 2020 143 نعمان لطفي
والله أنبتكم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عباده المرسلين، لا سيما عبده محمدًا، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وبعد:

فكثيرا ما يقترن ذكر الخلق والبعث في القرآن الكريم، والإشارة إلى التشابه بينهما، حتى إن المتأمل ليدرك كيف بدأ الخلق وكيف يكون البعث، ولقد تعددت الآيات التي تبين ذلك الأمر، ومنها على سبيل المثال قول الله تعالى: {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} [طه: 55]، وكذلك قول الله تعالى: {وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا} [نوح: 17 - 18].

إننا مع لفظ (أنبتكم) أمام أمرين، إما أن يحمل اللفظ على ظاهره، أو يصرف عن ظاهره بضرب من التأويل.

فإذا ما أجري لفظ الإنبات على ظاهره، لوجدنا الآية الكريمة تعطينا صورة عن كيفية نشأة أبينا آدم عليه السلام، فقد خرج من الأرض خروجا مباشرا كما يخرج النبات، غير أنه نبت لحما وعظاما، والله يخلق كيفما يشاء. وبالكيفية التي نشأ بها الإنسان يكون مبعثه وخروجه يوم القيامة، وفي الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل ابن آدم يأكله التراب إلا عَجْبَ الذَّنَب، منه خُلِقَ، وفيه يُرَكَّب».

فعجب الذنب بمثابة البذرة التي تنبت النبات، فمنه ينبت اللحم والعظام، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: (منه خُلِقَ) أي: منه ابتدأ خلقه، وقد توقف بعض العلماء وشراح الحديث عند هذه الجملة وأمسك عن الخوض في المراد بها، فقال الإمام ابن عبد البر وتابعه القاضي ابن العربي: "قوله: (منه خلق) يدل على أنه ابتدأ خلقه وتركيبه من عجب ذنبه، وهذا لا يُدْرَك إلا بخبر، ولا خبر عندنا فيه مفسر" [الاستذكار 3/ 90، والتمهيد 18/ 174، والمسالك في شرح موطأ مالك 3/ 598].

ومن العلماء من يرى أن ابتداء الخلق من عجب الذنب يشمل آدم عليه السلام، قال القنازعي [ت: 412هـ]: "يعني بعجب الذنب: العظم الصغير الذي يكون في آخر فقار الصلب، منه ابتدأ خلق آدم، وفيه يركب إذا نفخ في الصور نفخة النشور" [تفسير الموطأ 1/ 305].

ويفهم من كلام القرطبي أن ذلك يشمل آدم عليه السلام، فقد قال: "وقوله: منه خلق وفيه يركب، أي: أول ما خلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالى يبقيه إلى أن يركب الخلق منه تارة أخرى" [المفهم 7/ 307].

وقال السهارنفوري: "(منه خُلِق) آدمُ، (وفيه يُركَّب) في الخلق الثاني" [بذل المجهود 13/ 160].

وروى أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه". قيل: ومثل ما هو يا رسول الله؟ قال: "مثل حبة خردل، منه تنبتون".

فقد بينت هذه الرواية هيئة عجب الذنب وحجمه، وأن جسد الإنسان ينبت منه، فإذا عرفنا كيف ينبت منه في النشر والبعث أدركنا كيف نبت في بدء الخلق، وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين النفختين أربعون». قال: يا أبا هريرة، أربعون يوما؟ قال: أبيت. قال: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت. قال: «ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل. ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا، وهو عَجْب الذَّنَب، ومنه يُرَكَّب الخلق يوم القيامة».

ويمكن الاستئناس هنا بما ورد في حديث: «أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم»، وهو وإن كان ضعيفا إلا أنا نذكره استئناسا لا استدلالا.

فكما نبت جسد آدم من عجب الذنب في باطن الأرض أول الأمر وخرج منها كما يخرج النبات، وكما نبتت أجساد أبنائه من بعده في أرحام أمهاتهم، فإنهم ينبتون منه في باطن الأرض يوم البعث، فإذا نسلوا جميعا من الأرض، فلا أنساب بينهم يومئذ، يقول الله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون: 101].

وأما صرف اللفظ عن ظاهره، فهو قول عامة المفسرين، فقد قالوا: استعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكون من الأرض [انظر: الزمخشري 4/ 618، البيضاوي 5/ 249، الخطيب الشربيني 4/ 392، أبو السعود 9/ 39، وغيرهم].

وقال الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله: "وأطلق على معنى (أنشأكم) فعل (أنبتكم) للمشابهة بين إنشاء الإنسان وإنبات النبات من حيث إن كليهما تكوين" [التحرير والتنوير 29/ 204].

ومما استدل به هؤلاء العلماء الأجلاء قول الله تعالى عن مريم عليها السلام: {وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37]، وقول العرب: زرعك الله للخير.

ولو صح حمل اللفظ على ظاهره هنا، فيمكن مناقشة الرأي الثاني على النحو التالي:

1. الأصل أن اللفظ لا يصرف عن ظاهره إلا بقرينة، ولا قرينة في النص، بل القرينة تدل على إثبات ظاهر النص، فالمصدر يؤتى به لتوكيد العامل أو بيان نوعه أو عدده، واسم المصدر (نباتًا) مؤكد للفعل، "على معنى تحقيق الخبر وإزالة الشك في صدقه، كقوله: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]"(1). لكنه في سورة آل عمران مبين للنوع، لذلك جاء الوصف بقوله: (حسنا)، فيمكن حمله على معنى الإنشاء والتربية بخلاف آية سورة نوح.

2. الإنبات في آية سورة نوح تم تخصيصه بقوله تعالى: (من الأرض)، وهذه قرينة لإرادة ظاهر اللفظ، بينما الإنبات في آية سورة آل عمران ليست مخصصا وليس متعلقا به شيء.

3. من الممكن أن يكون المراد بقوله تعالى: {وَأَنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا} حقيقة الإنبات، وذلك إذا أريد الإنبات في الرحم، وعليه فلا حجة في الاستشهاد بهذه الآية الكريمة.

4. الاستدلال بقول العرب: زرعك الله للخير، وكذلك في قولنا: فلان زُرِعَ في بني فلان، لا يقصد به الإنشاء لأنه كائن بالفعل، لكن المراد: هيأك للخير، ونزل في بني فلان وعاش بينهم، وما أشبه هذه المعاني.

***

وقال الشيخ رشيد الخطيب الموصلي رحمه الله: "وقد عبر عن التكوين الأول بالإنبات، وعن الثاني بالإعادة والإخراج؛ إيذانًا بالفرق بينهما والله أعلم، وأن الحالة الثانية أهون من الأولى حسب العرف والعادة، ولله المثل الأعلى" [أولى ما قيل في آيات التنزيل 5/ 13].

ويمكن مناقشة ذلك بأن الله تعالى ذكر الإخراج مع النبات، فقال عز من قائل: {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ} [البقرة: 22، إبراهيم: 32].

وقال حاكيا قول بني إسرائيل لموسى عليه السلام: {يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} [البقرة: 61].

وقال مظهرًا آيات قدرته عز وجل: {وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا} [الأنعام: 99].

ونكتفي بهذه الآيات تمثيلا، فقد تم الغرض بها؛ لئلا يطول الكلام.

وقد يعترض على القول بظاهر اللفظ في الآية الكريمة باعتراضات، منها:

1. ما روي عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر، والأسود، والأبيض، والأصفر، وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب".

2. ما روي عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لما صوَّر الله آدم في الجنة تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به، ينظر ما هو، فلما رآه أجوف عرف أنه خلق خلقا لا يتمالك».

3. قول ابن فارس: "النون والباء والتاء أصل واحد يدل على نماء في مزروع، ثم يستعار".

ثم ذكر مما استعير فيه اللفظ: إن في بني فلان لنابتة شر، ونبتت لبني فلان نابتة، إذا نشأ لهم نشء صغار من الولد، وهو في منبت صدق، أي أصل كريم. [انظر: مقاييس اللغة 5/ 378].

4. أن المقصود بقوله تعالى: (من الأرض) أي: من مادتها، ولو ظاهر لفظ (الإنبات) لقال: أنبتكم في الأرض، كما جاء في حديث الجهنميين: "فينبتون نبات الحبة في حميل السيل".

ويمكن مناقشة هذه الاعتراضات على النحو الآتي:

1. لا تعارض بين ظاهر لفظ الإنبات في الآية وحديثي أنس وأبي موسى، ويمكن الجمع بينهما بأن آدم نبت جسده في التربة المذكورة في حديث أبي موسى، وأما حديث أنس فبعد إنبات الجسد وقبل النفخ، وقد اختلفت الروايات في لفظ (في الجنة)، فأثبتتها بعض الروايات وأسقطتها روايات أخرى لنفس الحديث، ولعل المقصود بالجنة هنا حديقة أرضية لا جنة الخلد ثم أسكن الجنة؛ لما ثبت أن آدم سكن الجنة بعد نفخ الروح لا قبلها، فقد ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وفيه تقوم الساعة".

2. وأما أن لفظ الإنبات حقيقة في الزرع مجاز في غيره، فلا إشكال فيه، لأن نبات الجسد من جزء صغير حتى يكتمل بناؤه إنما هو نماء يشبه نمو الزرع ونباته، وكل خروج ونمو من أصل هو نبات، فيقال مثلا: نبت شعر رأسه، ونبت ريش الطائر، وعليه فلا إشكال، كما قال ابن الرقاع العاملي:

ليت الذي مس رجلي كان عارضه *** بحيث ينبت مني الحاجبُ الشعرا

3. أما القول إن ظاهر اللفظ غير مراد لاختلاف حرف الجر، فقيل: أنبتكم من الأرض، ولو أريد الظاهر لقيل: في الأرض، فيمكن رده بقول أبي صخر الهذلي:

تكاد يدي تندى إذا ما لمستها *** وينبُت من أطرافها الورق النضرُ

فقد قال: تنبت من أطرافها، ولم يقل: في أطرافها.

وختامًا، فهذا مجرد طرح إن أصبت فيه فبتوفيق الله تعالى، وإن أخطأت فمن نفسي، وأسأل الله تعالى أن يعفو ويصفح.

(1) العبارة من كلام الرازي عند تفسير قول الله تعالى: {وليتبروا ما علوا تتبيرا} [الإسراء: 7].

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا