الاثنين 10 صفر 1442 - 28 سبتمبر 2020

إدارة العلاقات الناجحة

الخميس 22 محرم 1442 - 10 سبتمبر 2020 99 محمد سعيد بكر
إدارة العلاقات الناجحة

المحاور

تقوم حياتنا على التفاعل والتعاطي مع الآخرين .. وبقدر قدرتنا على إدارة علاقتنا بشكل إيجابي وفاعل، يتحقق لنا وللآخرين السعادة والسكينة، وينتج عن ذلك التقدم والثراء والنماء.

حرصت الشريعة الإسلامية على ضبط وترقية منظومة العلاقات بشكل فاعل، من خلال ما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة من قوانين تضبط:

- علاقة الإنسان بربه.

- علاقة الإنسان بنفسه.

- علاقة الإنسان بغيره.

ينبغي أن لا نقيس علاقتنا مع الخلق على علاقتنا مع الخالق جل جلاله .. وذلك لوجود فروقات جوهرية بين العلاقتين، ومن أهم تلك الفروقات:

1- أننا لا نستغني عن بعضنا، فالمصالح المتبادلة عنوان من عناوين علاقاتنا فيما بيننا .. في حين أن الله غني عنا ونحن فقراء إليه، وهو يعطينا بغير حساب، ولا يقايض عطاءه لنا بطاعتنا إليه.

2 أننا نجفو ونهجر من يسيء إلينا، حتى لو كنا بحاجة إليه أحياناً .. في حين أن الله يقبل توبتنا ولو جحدنا نعمته وابعدنا عنه فترة من الزمن.

3 - أن حسن العلاقة مع الخالق تجلب حسن العلاقة مع المخلوق، وليس بالضرورة أن يكون عكس ذلك صحيحاً .. فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ": إن الله تعالى إذا أحب عبداً دعا جبريل، فقال: إني أحب فلانا فأحببه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء، فيقول: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبداً دعا جبريل، فيقول: إني أبغض فلانا فأبغضه. فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلاناً فأبغضوه، ثم توضع له البغضاء في الأرض" رواه البخاري.

-يحكم منظومة علاقاتنا فقه خاص هو فقه الموازنات وكذلك فقه الأولويات، فعلاقة الإنسان بربه أولى من أي علاقة؛ لأجل ذلك تُقدم الصَلاة على سائر الصِلات، وتقدم العلاقة مع الوالدين على أي علاقة بشرية، وتقدم العلاقة مع الطيبين، وغير ذلك من صور التقديم والتأخير.

- بل إن بعض العلاقات تحكمها الضرورة المطلقة؛ فهي علاقة سطحية ظاهرية لا يجوز أن تتعدى الأخذ والعطاء والبيع والشراء إن دعت الضرورة القصوى لذلك، دون أن تتسرب المحبة وغيرها من صور الولاء والانتماء إلى النفوس، ومن ذلك قول الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (المائدة: 51)، فهي من العلاقات التي لا يُفرح بها، ولا يجوز أن ترتقي إلى مستوى التطبيع الأثيم.

- وبعض العلاقات لا يرجى منها الخير بقدر من يُتوقع منها دفع الأذى والشر، كتلك التحالفات التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش ويهود، لظروف استثنائية، ولكنهم خانوا عهودهم فغزاهم رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في عقر ديارهم وأدبهم.

- ولو نظرنا في شريعتنا السمحة لوجدنا ما يجيبنا على سؤال من أكثر الأسئلة حساسية وتعقيداً في باب العلاقات، ألا وهو: كيف يمكننا دعوة العصاة والكافرين دون أن نقيم معهم علاقات قريبة؟

هذا السؤال يجيبنا عليه قوله تعالى: "لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" (الممتحنة: 8)، فنحن نتحرك وفق قاعدة علاقاتية تقول بأننا كمسلمين:

1 - نحب من اهتدى فننصحه وننصره.

2- ونكره من اعتدى فندفعه ونردعه.

3 - أما من لم يهتدِ ولم يعتدِ فنشفق عليه ونبرُّ به وندعوه ونرحمه.

- إن قدرة الإنسان على إدارة علاقاته بنجاح تقتضي منه سلوك بعض القواعد والأصول والسنن، ومنها:

١ - تحسين النية، بأن يبتغي مرضاة الله تعالى، لاسيما إن كان داعية لله، وصاحب رسالة، قال تعالى: "قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا" (الشورى).

٢ - أن نقصد العطاء لا الأخذ .. فنعطي الآخرين من وسعنا سواء أكان هذا الوسع جهداً أم وقتاً أم مالاً أم علماً أم خبرة ورأياً .. والهدية نوع عطاء نفتح به القلوب ونشرح به الصدور، فهي من فواتح بل ومثبتات العلاقات.

٣ - أن نتعرف على الآخرين من خلال صفحاتهم أو أصدقائهم أو جيرانهم أو أصولهم قبل وأثناء إقامة العلاقة بهم، لأننا بمعرفتهم نستطيع تقدير حجم ونوع العلاقة بهم.

٤- أن نتعرف على طباع الآخرين وصفاتهم الملازمة لا تلك الشكليات الظاهرة، وذلك من خلال الاحتكاك بهم في تجارة أو سفر أو زواج ونسب.

٥ - أن نتوسط ونقتصد في المحبة لمن نحب وفي الكراهية لمن نكره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أحْبِبْ حبيبَكَ هوْنًا ما ، عَسَى أنْ يَكونَ بَغيضَكَ يومًا ما ، وأبْغِضْ بغيضَكَ هوْنًا ما ، عَسَى أنْ يكونَ حبيبَكَ يومًا مَا" رواه الترمذي وهو حسن.

٦- أن لا نتكلف في العلاقة، وأن نظهر على طبيعتنا، وأن لا ندعي ما ليس عندنا.

٧ - أن لا نتردد في نصيحة من نحب، وأن نعطيه الجرأة والإذن لينصحنا، وإلا فهي علاقات مغشوشة، تقوم على المجاملات الكاذبة.

٨- أن نغفر الزلات، وأن ننسى الأخطاء والهفوات، وأن لا نفرط في العِشرة لأتفه الأسباب، وأن لا نصغي لكل نمام أثيم، وأن نحسن الظن بمن سبقت لهم سوابق الخير.

٩ - أن لا نخجل ولا نتأخر في ضبط الأمور بشكل قانوني وشرعي إذا دخل في العلاقة حتى مع أقرب الناس إلينا ديون أو شراكات تجارية.

١٠ -أن نتوقع نزغ الشيطان بيننا وبينا إخواننا وأصحابنا وأزواجنا وشركائنا في كل وقت وعلى أي سبب، فنحتاط لذلك وننتبه، قال تعالى: "وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا" (الإسراء: 53).

١١ - أن نضحي لأحبابنا وأهلنا وإخواننا (إن اقتضى الأمر ذلك) لا أن نضحي بهم .. فالعلاقة التي تقوم على التضحية (ل) تستمر وتثمر .. والعلاقة التي تقوم على التضحية (ب) تذوب وتضمر.

١٢ -أن نشكر من يعطينا ويهدينا وينفعنا ويضحي من أجلنا .. فإذا كان العطاء يزرع المحبة، فإن الشكر يسقيها .. والله يباركها ويحميها.

١٣ - أن نتواضع، ولا نزهد بإقامة علاقات صادقة، حتى مع الفقراء والبسطاء ومن هم دوننا في المستوى الثقافي والاجتماعي، وهذا التواضع أدعى لصدق العلاقة من غيره، ولعل في صحبة هؤلاء من الرزق ودفع البلاء والنصر على الأعداء الشيء الكثير، قال صلى الله عليه وسلم: "إنما تُنصرونَ وتُرزقونَ بضعفائكم" رواه أحمد وهو صحيح.

١٤-أن نتفاعل بشكل إيجابي مع مستجدات حياة أصدقائنا، فالنجاح، والوفاة، والمرض، وعموم الأفراح والأتراح مفاتيح لتأسيس أو تطوير العلاقات إن أحسنّا استثمارها.

١٥ - أن نرد الإساءة بالإحسان، والعفو عما كان، حتى لو صدر ذلك من أشد خصومنا، فلا ينفع كسب المواقف في مقابل خسارة الأشخاص، وقطع العلاقات، وصدق الله: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ" (فصلت: 34).

١٦ -أن لا نتوقف عن مد الجسور وإقامة العلاقات حتى في أضيق الظروف والأوقات، ولنا في يوسف عليه السلام أسوة حيث أقام علاقات طيبة مع أصحاب سجنه، شهدوا له على إثرها بأنه كان من المحسنين، ومثلها تلك العلاقات التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم بين الأنصار والمهاجرين، فانتفع بها الأنصار والمهاجرون، بل إن جسور علاقات النبي صلى الله عليه وسلم امتدت لتصل إلى ملك الحبشة بسبب معرفة صفة إيجابية لديه جعلته يوفر للصحابة مأوى في بلاده.

١٧ - أن نحذر كل الحذر من علاقات تبنى على نقاط ضعفنا، ويكون ثمنها بيع ديننا وذمتنا وتاريخنا ومستقبلنا، كتلك العلاقة التي أراد أن يقيمها أحد ملوك غسان مع الصحابي كعب بن مالك رضي الله عنه حين أرسل له رسولاً يقوله له: "فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة؛ فالحق بنا نواسك" رواه البخاري .. واليوم يحاول المفسدون استدراج بعض الدعاة لإقامة علاقات مشبوهة يخسرون بها الآخرة وإن ربحوا شيئاً من فتات الدنيا الزائل الرخيص.

١٨- أن نقوم بفرز علاقاتنا؛ فليست هي على مرتبة واحدة من القرب، وقد كان لخديجة وأبي بكر رضي الله عنهما منازل غير مسبوقة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان باقي الأصحاب على العين والرأس، وبعد فترة من عمر الدعوة يسأل عمرو بن العاص رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً يكشف لنا به صلى الله عليه وسلم عن دوائر علاقاته، حين قال له: "أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: (عَائِشَةُ) ، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ ، فَقَالَ: (أَبُوهَا)، قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ( ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّاب )، فَعَدَّ رِجَالًا" رواه البخاري .. وكذلك الحال بالنسبة لعلاقاتنا مع أعدائنا، فالله تعالى يقول فيهم:" لَيْسُوا سَوَاءً" (آل عمران: ١١٣).

١٩ - لابد من الانتباه والحذر من تهميش وإهمال علاقاتنا، فكسر القلوب والنفوس قد يتسبب بإيذاء أحبابنا وإيذائنا ، ولا داعي للتوسع في باب العلاقات عند عدم القدرة على رعايتها وسقايتها.

٢٠ - هناك علاقات لا يجوز قطعها وإن قطعتنا، فجرح الكف يُعالج، ولا يُستأصل، وفي صحيح مسلم أنَّ رَجُلًا قالَ: "يا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إليهِم وَيُسِيؤُونَ إلَيَّ، وَأَحْلُمُ عنْهمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقالَ: لَئِنْ كُنْتَ كما قُلْتَ، فَكَأنَّما تُسِفُّهُمُ المَلَّ وَلَا يَزَالُ معكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عليهم ما دُمْتَ علَى ذلكَ" .. وهجر الكرام حرام، لأنه:" لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ, فَيُعْرِضُ هَذَا، ويُعْرِضُ هَذَا، وخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

٢١- لابد من رعاية منظومة الحقوق والواجبات عند كل علاقة نقيمها؛ فثمة حقوق وواجبات بين الحاكم وشعبه، وبين الرجل وزوجته، وبين الجار وجاره، وبين المدير وموظفه، وبين المعلم وتلميذه، وبين الشريك وشريكه، وأكثر ما يفسد هذه العلاقات حرص كل طرف على حقوقه دون التفات إلى الواجبات المطلوبة منه، وهنا تكمن الأنانية المؤذنة بخراب الدول والبيوت والمؤسسات ومختلف الشراكات.

٢٢ - أن نحاول تطوير العلاقات بعد الصحبة في طريق الدعوة والخير إلى التزاوج والنسب، إن كان في ذلك ما يعين على متابعة طريق الدعوة والخير، لا أن يكون العكس .. فقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأخذ منهم .. أعطى فاطمة لعلي، وزينب وأم كلثوم بعدها لعثمان .. وأخذ من أبي بكر عائشة، ومن عمر حفصة... رضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين.

٢٣- أن نتأكد بأن أشرف العلاقات تلك التي بدأت من بيوت الله ومراكز تحفيظ القرآن وفي ظلال العمل للدين، وقد حكى لنا النبي صلى الله عليه وسلم عن فئة من الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله حين قال" ورجلان تحابا في الله؛ اجتمعا عليه وتفرقا عليه" رواه البخاري.

٢٤ - إن شعور الآخر بأنك تحترمه، وتتفهمه، وتنوي له الخير، وتتفقده، وتدعو له، وتستر غيبته، وتثني عليه بما فيه من خير، يجعله يتمسك في صحبتك، ويحميك وقد يفتديك إن لزم الأمر ذلك .. هكذا كانت علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه فقد افتداهم وافتدوه .. فداك أبي وأمي يا رسول الله.

٢٤ - لقد امتدت علاقات النبي صلى الله عليه وسلم لتخترق عمق الجغرافيا والتاريخ من خلال علاقاته بإخوانه الأنبياء ولقائه بهم في رحلة الإسراء .. كما أنها امتدت إلى آفاق المستقبل حين أعلن شوقه للمؤمنين من بعده، فقد روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وددت أنّا قد رأينا إخواننا، قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين لم يأتوا بعد".

وختاماً:

الواجب المطلوب من المسلم أن ينفتح على الآخرين، لا أن ينكفئ على نفسه، وذلك بقصد إعطائهم أحسن ما عنده، والاستفادة من أحسن ما عندهم .. فإذا استحال الاستمرار في أي علاقة بدأت على خير ثم تحولت عن مسارها، فإن من الواجب الخروج بمعروف مثلما كان الدخول بمعروف كذلك، وصدق الله: "فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ" (البقرة: ٢٣١).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا