الاثنين 10 صفر 1442 - 28 سبتمبر 2020

وداعاً كورونا.. مع الشكر(2)

الثلاثاء 20 محرم 1442 - 8 سبتمبر 2020 67 هنادي الشيخ نجيب
وداعاً كورونا.. مع الشكر(2)

يقول الأطباء: (العضو الذي لا تشعر به فهو العضو السليم)، تذكرتُ هذه العبارة وأنا في الحجر، وتذكرتُ معها كم نسيتُ أن أشكر الله في كل الأوقات التي لم أكن أشعر فيها بعمل أجهزتي التي كانت تتحرك بصمت الماهر المتقن، القائم بواجبه، دون قرقعة وصخب يقول: ها أنا أعمل..

في الحجر، عرفت ماذا يعني ذلك الصمت الصحي، لأنني عشت آنذاك كمراقب آلات، كلها تصدر صوتاً ينبئ بأنها تعمل، ولكن بإزعاج كبير!

أحس برأسي، وعينَيّ، وأذنَيّ، أشعر بنبضاتي، وأكاد أحصيها، وأسمع دقات قلبي، وأتساءل: هل كانت من قبل سريعة بهذا القدر المرهِق؟! أشعر بذرات الهواء أُدخلها عنوة، ثم لا تخرج بيسر، أشعر برئتاي تنقبضان، وأبذل جهداً لترتاحا لم أكن أبذله عادة.. أحس بجلدي يحترق من الداخل، ما الذي أشعل النار في دمي، وكان فيما مضى يجري في شراييني برداً وسلاماً؟!

كم عدد فقرات ظهري؟ ترى هل نقُصَت بين يوم وليلة، حتى اعوجّت وقفتي، أم أنني منثنية على نفسي بهذا الشكل لأحتضن بقية الفقرات حتى لا تهرب؟!

ما نوع الزيت الذي كنت أستعمله لمفاصلي؟ أعطوني القارورة حتى ألّينها، هاتوا أي نوع، فخشونتها تجلعني أشعر كأنني غصن يابس، سينكسر إذا مسته نسمة!

كنت أسمع أصوات كل شيئ يعمل هنا.. وكنت أحس بكل حركة يقوم بها أي جزء مني! كم هذا مؤلم!

يا الله، لا تحرمنا من نعمة عدم الشعور بكل ذلك، ولا تكلّفنا نفقة إعادة كل الموظفين في أجسامنا للعمل بصمت، فإن الكلفة تفوق طاقتنا، وأنت الذي منحتنا ذلك السكون، وتلك الهبة المجانية، من قبل أن نسألك، ومن قبل أن نعاني من صخبها فندعوك..

ورغم تلبّد الأجواء الداخلية، وعصفها بي عصفاً قاسياً، فقد كانت مشاعري الناتجة عن وجود الأعزاء حولي تلبس ثوباً ربيعياً، قد جمع ورداته من بساتين المحبين.. لم يكن أمراً جديداً بالشكل، لكنه كان في هذه المرحلة عميق الحضور، بالغ التأثير..

عائلتي وأهلي الذين غمروني بحبهم واهتمامهم الفائقين، أقاربي وإخواني وأصدقائي وزملائي اللذين ملؤوا نفسي رحابة وانشراحاً لا يضيقها ألف فيروس، كانت أصواتهم ورسائلهم تعكس ودّاً وحرصاً، وكأنها علاج نفسي المتعبة، وأنس روحي المستوحشة..

وهنا توقفتُ، وتأملتُ، فالفيروس الذي جاء ليحرمني من الراحة، ويهدد أمني الصحي، هو نفسه الذي تسبب بهذا الفيض من المحبة، ومنحني أمناً نفسياً لا تعطيه كل العقاقير والأدوية.. سبحان من جعل لكل حال وجهين، وجه يتطلب الصبر، وآخر يستلزم الشكر، فهل من متدبر؟!

كلما اختليت بنفسي، كانت عيناي تدمعان وشفتاي تبتسمان في آن معاً، هل سمعتم عن "الابتسامة الدامعة"؟ حتى هذه كنت أحللها.. ربما لأن العينين هما الأقرب للرأس موضع العقل والتفكير والمنطق، فتدمعان كلما لاحت الأسباب بشدتها ووطأتها، ولأن الشفتين هما الأقرب للقلب، موضع الأمل والرجاء والشعور بالحب، فترسمان تقوّساً يُترجم استقامة مشاعر التعلق بالله وحده، صاحب الأمر، مقدر الخير، العليم الحليم الحكيم..

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا