الثلاثاء 11 صفر 1442 - 29 سبتمبر 2020

الأولاد لا يسمعون

الأربعاء 22 ذو الحجة 1441 - 12 أغسطس 2020 134 محمد أكرم الندوي
الأولاد لا يسمعون

ركب رجل القطار فصادف فيه امرأة تقرأ كتابا، ومعها ابن لها صغير يقرأ كتابا، فعجب من إقبال الولد على الكتاب، وسأل المرأة: الأولاد هذه الأيام لا يشتغلون إلا بالهواتف الذكية والألعاب المسلية، فكيف ربيت ابنك إذ يسمع كلامك، قالت: إن الأولاد لا يسمعون، وإنما يحاكون.

قلت: صدقت هذه المرأة، فالفعل هو الأصل، والناس يتعلمون الفعل من الفعل، ولا يحتاج معه إلى الكلام إلا قليلا لشرح معنى أو إزالة إشكال، ومن ثم اعتمد القرآن الكريم القصص والأمثال كأكبر وسيلة للتعليم، إذ يتعلم الإنسان بها ما لا يتعلم بكثير من التأصيلات والتفريعات، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه من طريق قدوته، فروي عنه في الحديث الصحيح أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقال: "خذوا عني مناسككم"، وأخرج النسائي عن عن أنس رضي الله عنه أن سائلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت الصبح، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن حين طلع الفجر، فلما كان من الغد أخر الفجر حتى أسفر ثم أمره فأقام فصلى، ثم قال: "هذا وقت الصلاة".

وأصله حديث جبريل عليه السلام، وهو ما رواه الشيخان وغيرهما أن جبريل صلى الله عليه وسلم نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: "بهذا أمرت".

وليس عند الصحابة ومن بعدهم من السلف كلام كثير في التربية، وإنما كان منهجهم فيها تقديم الفعل على القول، وبذل الأسوة الحسنة لأولادهم ولتلاميذهم وأتباعهم، وما أجود ما كتبه عمرو بن عتبة بن أبي سفيان إلى مؤدب ولده، يقول له: "ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولادي: إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركته، علمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه، ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجنهم من علم إلى غيره حتى يحكموه، فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، علمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء، وجنبهم محادثة النساء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء. ولا تتكل على عذري، فإني قد اتكلت على كفايتك، وزد في تأديبهم أزدك في بري إن شاء الله تعالى".

وانظروا إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما لما أراد أن يتعلم صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالليل أراد أن يشاهده، أخرج الشيخان وغيرهما عنه قال: بت عند خالتي ميمونة ليلة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فلما كان في بعض الليل قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ من شن معلق وضوءا خفيفا ثم قام يصلي فقمت فتوضأت نحوا مما توضأ ثم جئت فقمت عن يساره فحولني فجعلني عن يمينه ثم صلى ما شاء الله".

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن أبي بكرة رحمه الله قال: قلت لأبي: يا أبت، أسمعك تقول كل غداة: "اللهم عافني في سمعي، اللهم عافني في بصري، لا إله إلا أنت"، تكررها ثلاثا حين تصبح، وثلاثا حين تمسي؟! فقال: يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهن، فأنا أحب أن أستن بسنته.

ولخص الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله هذا المنهج القرآني وهذه الطريقة النبوية تلخيصا بديعا إذ قال: "أعيذكم بالله يا أبنائي المعلمين أن تجعلوا كل اعتمادكم في تربية الصغار على البرامج والكتب، فإن النظم الآلية لا تبني عالما ولا تكون أمة ولا تجدد حياة، وإنما هي ضوابط وأعلام ترشد إلى الغاية وتعين على الوصول إليها من طريق قاصد وعلى نهج سوي، أما العمدة الحقيقية في الوصول إلى الغاية من التربية فهي ما يفيض من نفوسكم على نفوس تلاميذكم الناشئين من أخلاق طاهرة قويمة يحتذونكم فيها ويقتبسونها منكم، وما تبثونه في أرواحهم من قوة وعزم، وفي أفكارهم من إصابة وتسديد، وفي نزاعاتهم من إصلاح وتقويم، وفي ألسنتهم من إفصاح وإبانة، وكل هذا مما لا تغني فيه البرامج غناء، ولو كانت البرامج تكفي في التربية لكان كل عالم مربيا ولكن الواقع خلاف هذا". (الآثار 2/111).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا