الثلاثاء 11 صفر 1442 - 29 سبتمبر 2020

فتاوى تفسيرية (2)

الثلاثاء 21 ذو الحجة 1441 - 11 أغسطس 2020 210 للأستاذ الشيخ عبدالكريم الدَّبَان التكريتي
فتاوى تفسيرية (2)

 

السؤال الخامس:

قال الله تعالى: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجسٌ أو فسقاً أُهِلَّ لغير الله به. فمن اضطر غير باغٍ ولا عادٍ فإن ربك غفور رحيم} [الأنعام:145].

هذه الآية تنفي تحريمَ غير الأربعة المذكورة فيها وهي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما ذُكر عليه غير اسم الله. فكيف هذا مع أنَّ هناك محرمات أخرى من المطعومات كالخمر، ولحم الحمار الأهلي، وغير ذلك؟

الجـواب:

الآية الكريمة المذكورة في السؤال هي مِنْ سورة الأنعام وهذه السورة مكية، نزلتْ ردّاً على المشركين الذين حرَّموا البحيرة والوصيلة وغيرهما، وزعموا أنَّ الله حرَّمها عليهم. فأمر اللهُ رسوله أنْ يُخبِر بأنَّ الله تعالى إلى حين نزول هذه الآية لم يحرِّمْ شيئاً من المطعومات سوى المذكورات. وأمّا المحرَّمات الأخرى كالخمر ولحم الحمار الأهلي ولحم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطيور فقد جاء تحريمُها بعد ذلك. ومعلوم أنَّ المحرَّمات لم تُحرَّمْ دفعة واحدة. وكذلك الفرائض لم تُفرضْ دفعة واحدة فالخمر مثلاً لم يُحرَّم إلا في السنة الثانية للهجرة. والصوم والزكاة والحج لم تفرض إلا بعد الهجرة. فلو قِيلَ قبل الهجرة: ليس الخمرُ حراماً وليست الزكاةُ فرضاً لكان ذلك صحيحاً. ومَنْ أراد التوسُّع في هذه المسألة فلينظرْ في كتب التفسير والحديث والفقه. وأمامي الآن:

تفسير البيضاوي (بحاشية الكازروني) 2/212 وتفسير ابن كثير 2/183 وروح المعاني 8/45 وعمدة القاري 21/215 ونيل الأوطار 8/185 والمحلى لابن حزم 7/400 والإتقان للسيوطي 1/30. والله أعلم.

*** 

السؤال السادس:

قال الله تعالى: {وأذانٌ من الله إلى الناس يوم الحج الأكبر} [التوبة:3]. فما هو يـوم الحـج الأكبر؟

الجـواب:

اشتهر عند كثيرين أنَّ يوم الحج الأكبر هو الذي يكون فيه يومُ عرفة يومَ جمعة، فيكون يوم النحر يوم السبت. قال صاحب "الدر المختار": لوقفة الجمعة مزية سبعين حجة. فقال ابنُ عابدين تعليقاً على ذلك: الحديث: (أفضل الأيام يوم عرفة إذا وافق يوم جمعة، وهو أفضل مِنْ سبعين حجة)، هو حديث باطل، لكن الغزالي ذكر في "الإحياء" أنَّ بعضَ السلف قال ما يُشبِه ذلك. ثم قال ابنُ عابدين: إن بعض العلماء كتبَ رسالةً في تحقيق الحج الأكبر قال فيها إنه اليوم الذي حجَّ فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل: يوم عرفة جمعةً أو غيرها. وقيل: يوم النحر اهـ 2/622 مِنْ حاشية ابن عابدين. مع اختصارٍ وتصرُّف.

وقال ابنُ كثير في "تفسيره" 2/332: هو يوم النحر اهـ ثم ذكرَ أقوالاً أخرى. 

وأصحُّ الأقوال أنَّ العمرة هي الحج الأصغر، والحج هو الحج الأكبر. ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر، أي هو أول يوم مِنْ أيام عيد الاضحى.

في صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما: وقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج وقال: هذا يوم الحج الأكبر. قال في "عمدة القاري" 9/82: أي يوم النحر هو يوم الحج الأكبر اهـ.

***

السؤال السابع: 

كيف نوفِّق بين قوله تعالى: {إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعةً ولا يستقدمون} [يونس:49] وبين الأحاديث الدالة على أنَّ مما يزيدُ في العُمر الصدقة وصلة الرحم؟

الجـواب:

العُمر لا يزيد ولا ينقص، والأجل محدود، تدلُّ على ذلك النصوصُ الصريحـةُ القاطعةُ. والآية المذكورة في السؤال هي مِنْ سورة يونس. وكذا ما يقاربها في سورة الأعراف والنحل وسبأ ونوح وغيرها. وكما وردَ في الأحاديث أنَّ الآجال مضروبـة والأرزاق مقسومة، لا يعجل الله ولا يؤخر شيئاً مِنْها.

أمّا ما وردَ مِنْ أنَّ العمر يزيد بالصدقة وصلة الرحم فقد أوّلَه المحققون من العلماء بأنَّ الله سبحانه يباركُ لبعض الناس في أعمارهم فيقومون بأعمالٍ كثيرةٍ ممّا لا يقوم بها مَنْ كان عمره مثل أعمارهم أو أطول مِنْها. كما هو مشاهَدٌ في كل زمان. 

أو أنَّ تأويل ذلك بأنَّ الناس يذكرونهم بالخير بعد موتهم، كما قيل: (الذكر الحسن عمرٌ ثانٍ).

وحول هذه المسالة قال الإمامُ النووي في "شرح صحيح مسلم" 16/114: أجاب العلماءُ بأجوبةٍ الصحيح مِنْها أنَّ الزيادة بالبركةِ في عمرهِ والتوفيقِ للطاعات اهـ.

وبعض العلماء حاولَ تأويلَ الأحاديث المشار إليها بأنَّ هناك قدراً محتوماً وقدراً معلقاً. وقال: إنَّ الشخص قد يكون عمره أربعين سنة فإذا تصدَّق مثلاً صار عمرُه خمسين سنة.

والذي نقوله: إنَّ هذا التأويل غير مقبول عند التحقيق، لأنَّ الله يعلم بصورة قاطعة ثابتة أنَّ هذا الشخص يتصدّق أو لا يتصدّق مثلاً. ولا تردُّدَ في علم الله تعالى.

وكذلك يُقال للمعتزلة الذين قالوا : أنَّ المقتول قد اختُرِم أجله، وأنّه لو لم يُقتلْ لعـاشَ مدة أطول، أي لعاش العمر المقدَّر له عند الله تعالى.. وقولُـهم مردودٌ بالنصوص القاطعـة الدالة على أنَّ الله سبحانه عالمٌ بكل شيء. وكما قدّرَ عمرَ الإنسان قدّرَ أسبابَ وفاته مِنْ مرضٍ أو قتلٍ أو سكتةٍ قلبيةٍ أو شيخوخةٍ، فالقتلُ لا يغيّر القضيةَ المقطوع بها. والله سبحانه أعلم. 

*** 

السؤال الثامن:

في سورة (هود) من القرآن الكريم حول ضيف إبراهيم عليه السلام من الملائكة: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام} [69] لماذا اختلفت اللفظتان ولم تتفقا بأنْ يقول: قالوا سلاماً قال سلاماً، أو يقول: قالوا سلامٌ قال سلامٌ؟

الجـواب:

من المعلوم أنَّ الابتداء بالسَّلام سُنة، وأنَّ الاجابة فرض. والإجابة الجيدة أنْ تكون بالأحسن، قال تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن مِنْها أو ردوها}، وإبراهيم عليه السلام ردَّ التحيةَ بأحسن مِنْها. قال صاحبُ "الكشاف" 2/320: (سلاماً) أي سلمنا عليك سلاماً. (سلام) أي أمركم سلام اهـ ومعنى هذا أنَّ (سلاماً) مصدر لفعل محذوف فهو إذاً جملة فعلية، و(سلام) خبر لمبتدأ محذوف، فهو إذاً جملة إسمية. والمقرَّر في العربية أنَّ الجملة الفعلية تفيد التجدُّد والحدوث، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار فهي أقوى.

وفي "الإتقان" للسيوطي 1/200 عن ابن عطية أنَّه قال: سبيلُ الواجبات الاتيان بالمصدر مرفوعاً كقوله تعالى: {فإمساكٌ بمعروف أو تسريحٌ بإحسان}. وسبيلُ المندوبات الاتيان به منصوباً، كقوله تعالى: فضربَ الرقاب. قال أبو حيان: والأصل في هذه التفرقة قوله تعالى: {قالوا سلاماً قال سلام}، فإنَّ الأول مندوب، والثاني واجب اهـ باختصار. والله أعلم.

*** 

السؤال التاسع:

يُرجى توضيح ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي أُوتيها موسى عليه السلام، والتي وردتْ نصّاً أنَّها تسع [الإسراء:101].

الجـواب:

في سورة الإسراء: {ولقد آتينا موسى تسع آيات} 

وفي سورة النمل: {وألقِ عصاك، فلما رآها تهتز كأنَّها جانّ ولّى مدبراً ولم يعقّب} إلى أنْ قال: {وأَدخِل يَدك في جيبك تخرج بيضاءَ مِنْ غير سوءٍ في تسع آيات}

وفي سورة الأعراف: {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ونزع يده فإذا هي بيضاءُ للناظرين} وفيها: {ولقد أخذنا آلَ فرعون بالسنين ونقصٍ من الثمرات لعلهم يذكرون} وفيها: {فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقُمَّل والضفادع والدم}.

إنَّ الله تعالى آتى موسى عليه السلام آيات كثيرة منذ ولادته، ثم عند إرساله إلى فرعون وقومه، ثم بعد خروجه مع بني إسرائيل إلى سيناء. 

مِنْ ذلك أنَّ اللهَ تعالى أوحى إلى أمه أنْ تضعه في تابوت وتلقيه في النهر لتخلصه من القتل. 

ومِنْ ذلك تسخيرُ الله للنهر ليدفعَهُ بأمواجه إلى الساحل قربَ منزل فرعون، وإلقاءُ محبته في قلوبهم، وتحريمُ المراضع عليه إلا أمه، ثم بتأييدهِ عند إرسالهِ إلى فرعون بالعصا التي تنقلب ثعباناً، وبيدهِ التي تخرج بيضاء مع أنَّه عليه السلام كان أسمرَ اللون، وبتأييده ببقية الآيات التسع التي سلطها اللهُ على فرعون وقومه. ثم بعد خروجه مع بني اسرائيل إلى سيناء بضرب الحجر بعصاه وانبثاقِ الماء من الحجر، وبإنزالِ المنِّ والسلوى، وتظليلِ الغمام، ورفعِ الطور.

تلك آياتٌ كثيرةٌ، لكنَّ الظاهر أنَّ الآيات التسع هي ما أيّد اللهُ بها موسى في مقابلة فرعون وقومه. وممّا يدلُّ على ذلك قولُه تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات} وقولُه {فأرسلنا عليهم} أي على آل فرعون {الطوفان والجراد والقمّل والضفادع والدم}.

فالآياتُ هي على أصحِّ الأقوال: العصا، واليد، وفلق البحر، والسنين، والطوفان، والجراد، والقمّل، والضفادع، والدم.

وذكر ابنُ كثير في "تفسيره" 3/66 أنَّ ذلك قول ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، وقتادة. ثم قال ابنُ كثير: وهذا القول ظاهر جلي حسن قوي اهـ.

أمّا هذه الآيات فبعضها مفسَّر في القرآن الكريم كالعصا، واليد، وفلق البحر حتى اجتازه موسى وبنو اسرائيل. 

وبعضها واضح كالطوفان الذي جرف مزارعهم وقراهم. 

والقحط بسبب الجدب ونضوب المياه. وهذا هو المعبَّر عنه بالسنين. 

وإرسال الجراد الكثير عليهم فأكل مزارعهم وقلل الثمر في أشجارهم. 

وتكاثر الضفادع تكاثراً هائلاً حتى نغّص عليهم معيشتهم وكـاد يشل حركاتهم. 

أمّا القمّل فقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنَّه السُّوس الذي يكون في الحبوب وغيرها من الأقوات المخزونة فيأكلها حتى لا يكاد يبقى مِنْها إلا القشور. 

وأمّا الدم فقد يكون رُعافاً مِنْ أنوفهم خاصة أو نزيفاً مِنْ مناطق أخرى مِنْ أجسامهم. وقد نقل ابنُ كثير في "تفسيره" 2/242 عن ابن أبي حاتم أنه رُويَ عن زيد بن أسلم أنَّ المقصود بالدم الرُّعاف. وهناك روايات أخرى قد يكون بعضها صحيحاً وقد يكون من الإسرائيليات. والله أعلم.

*** 

السؤال العاشر:

كيف نوفِّقُ بين قوله تعالى في سورة النور: {رجال لا تُلهيهم تجارة ولا بيـع عن ذكر الله} [37] وقوله تعالى في سورة الجمعة: {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها وتركوك قائماً}[11]؟

الجـواب:

الظاهر أنَّهم كانوا يُصلُّون الجمعة قبل الخطبة كما في العيدين، فقد أخرج أبو داود في "مراسيله" أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي الجمعة قبل الخطبة مثل العيدين. ذكر ذلك صاحبُ "روح المعاني" في 28/105 وكانوا يرون جواز الانصراف بعد الصلاة كما في العيدين ولم يسمعوا نهياً عن ذلك. كما كانوا يتكلمون في الصلاة فلما نزل قولُه تعالى: {وقوموا لله قانتين} انتهوا عن الكلام. يدلُّ على ذلك الحديثُ الثابتُ في الصحيحين. وذات يوم بينما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخطب سمعوا ضجيجاً في السُّوق وعلموا أنَّ قافلة وصلت المدينة كانت تحملُ طعاماً كانوا بحاجة شديدة إليه فانصرفَ أكثرُهم فنزل قولُه تعالى: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً} الآية. وجعلَ النبيُّ الخطبة قبل الصلاة كما هي الحال حتى اليوم، فلم ينصرفْ بعد ذلك أحدٌ مِنْهم واستحقوا أنْ يُقال فيهم: {رجالٌ لا تُلهيهم تجارة} الآية. وهناك مصادر كثيرة بحثتْ في ذلك مِنْها:

1. تفسير ابن كثير 4/367

2. روح المعاني 28/105، 107

3. عمدة القاري 6/245

4. نيل الأوطار 3/344

5. فتح العلام 1/198

*** 

السؤال الحادي عشر:

في سورة (الأحقاف) أنَّ الجن لما سمعوا القرآن قالوا: {إنا سمعنا كتاباً أنزِل مِنْ بعد موسى مصدقاً لما بين يديه} [30]. فلماذا قالوا: مِنْ بعد موسى، ولم يقولوا: مِنْ بعد عيسى؟

الجـواب:

ذكرَ المفسِّرون وغيرُهم أنَّ السبب في ذلك هو أنَّ الإنجيل أكثره مواعظ، والأحكام فيه قليلة فهو كالتابع للتوراة. قال الله تعالى: {انا أنزلنا التوراة فيها هدى يحكم بها النبيون}. وقد ورد في الصحيحين حول بدء الوحي أنَّ ورقة بن نوفل قال عن جبريل عليه السلام: هذا الناموس الذي كان يأتي موسى. مع أنَّ ورقة كان ممَّنْ تنصّر في الجاهلية. وكان يقرأ الإنجيل ويكتبه بالسريانية. وهو يعلم أنَّه أنزل على عيسى عليه السلام. وهناك أقوالٌ أخرى ذكرها كثيرون، ومِنْهم ابنُ كثير في "تفسيره" 4/170 وصاحبُ "عمدة القاري" 1/52، 53.

***

الحلقة السابقة هـــنا

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا