الجمعة 25 ذو الحجة 1441 - 14 أغسطس 2020

كَتْمُ أصوات الموت في دمشق

الأربعاء 8 ذو الحجة 1441 - 29 يوليو 2020 186 فراس السقال 
كَتْمُ أصوات الموت في دمشق

اجتاح وباء كورونا المعروف بــ (كوفيد 19) العالم بأسره، وأصبح خبر الساعة، فضحاياه اليوم بالملايين بين قتلى ومصابين، وقد ضجّ به العالم من ستة أشهر تقريباً، وتحدثتْ دول الأرض عن شدّة فتك هذا الوباء بالبشر وخطورته، حتى ذلّتْ دول عظمى وخضعتْ له، فلم يسلم منه كبير أو صغير ولا نساء أو رجال، وكذلك الحكّام فضلاً عن المحكومين، وأبدتْ دول العالم مخاوفها من بطش هذا المرض، بل وطلبتْ العون من الدول الأخرى في سبيل حماية شعوبها وبلادها.

وممّا ظهر لنا في ظلّ هذه الأزمة التباين الواضح بين الحكّام الذين يحترمون شعوبهم وسلامة بلادهم، وبين حكّام مُستبدين ظالمين يساهمون في تعذيب وقتل أبنائهم فضلاً عن تأمين السلامة والأمان لهم.

لقد شاهدنا في بداية انتشار هذا المرض الحاكم الحريص على بلاده، الذي يشارك أبناء وطنه فيما يعيشونه ويعانونه، فيخرج يومياً في التلفاز يوجه الوزراء والمسؤولين لبذل ما يقدرون عليه في تقليل الأضرار المحتملة، ثمّ يتوجه بخطاب شعبه فيطمئنهم ويخبرهم بأحوال البلاد، ويعدهم بالاجتهاد في مكافحة المرض، وينصحهم بالوقاية واتخاذ التدابير، ويبدي حزنه وتعزيته لمن قضى في هذا المرض، ويسعى لتقديم العلاج المجاني للمرضى، كما يوجه المستشفيات والأطباء لأخذ جميع الاحتياطات اللازمة لدفع المرض قدر المستطاع، وكذلك يأمر الإعلام بالتفاعل مع حجم هذه الكارثة، والاستنفار في سبيل مواجهة هذا الوباء عبر التوعية والإرشاد، وكذلك يُصارح الشعب بحجم الخسائر، فلا يخفي عنهم أمراً، ليكونوا على بينة واطلاع على حجم وعِظم هذا الأمر، ولا يتوانى في اتخاذ أي إجراء يوصل البلاد إلى برّ الأمان.

وشاهدنا أيضاً بالمقابل أنّ بعض دولنا العربية التي تحكمها شرذمة من قطّاع الطرق والمافيات، مازالت تتغابى وتتغافل، فتستخدم سياسة ضبط النفس بكتمان ما عندها من الإصابات والوفيات، وتتصرف وكأنها لا تعرف شيئاً عن هذا الوباء، بل وتتجاهل كلّ ما تعيشه الدول من سيل الوفيات والإصابات اليوميّة، فهل يعود ذلك لصدقهم فيما يدّعون، أم أنّ البلاء يجتاحهم ولكنهم يكابرون ؟!

إنّ أصول الأنظمة الظالمة عموماً تعتمد سياستها على كتم الأخبار الداخلية السلبيّة ولو كانت حقيقيّة، والتشدد في تضليل الإعلام داخلياً وخارجياً، وادعاء السلام والأمان والإيجابيّة في بلادهم على الرغم من أنّ الحقائق عكس مزاعمهم تماماً، وهذا ما نشاهده ونعايشه في الدول التي تحكمها تلك الأنظمة الهدّامة، ومنها سوريّة بنظامها الذي يدّعي الرفاهيّة (في هذه الأيام) مع أنّه تحت حدّ السيف، لا ترفيهاً وتسليةً لشعبه بل تضليلاً وتزويراً وخيانة.

لقد تواترتْ الأخبار منذ أيام من قلب العاصمة دمشق بإصابة المئات بمرض الكورونا، وقد طفحتْ مستشفيات النظام بحالات الوفاة، بينما إعلام النظام الرسمي يُغرق المواقع الالكترونية بأخبار مزيفة، بأنّ الحياة في الشام طبيعية، والشعب يستمتع بالصيف في الشواطئ والمنتزهات، والتلفزة تعرض المسلسلات والأفلام والأغاني وجلسات اليوغا في الهواء الطلق دون أدنى اهتمام بالحدث الجلل الذي يداهمهم، وتجد نظام الأسد خرساً لا يُصرّح بما عنده من عدد الإصابات، خوفاً من فتح جبهات أخرى على بلاده (من الداخل والخارج) تساهم في الإطاحة برأسه، ولكنّه بنفس الوقت ينشر الأخبار المسرّبة عبر أدواته غير الرسميّة بالحالة السيئة التي تجتاح بلاده.

فالنظام السوري بهذه السياسة يلعب على الحبلين، فمن جهة يُظهر أنّه حريص على أمنه، ومُحكِم لسيطرته على بلاده، بعدم السماح للمغرضين بتفتيت قوى شعبه وضرب لُحمته وثني إرادته بالإشاعات، ومن جهة أخرى يقوم على نشر هذه الأخبار عبر قنواته الخلفيّة العميلة لأغراض خبيثة يرنو إليها.

فمن تلك الأغراض إشغال حاضنته بنفسها، وإلهاؤها بحفظ صحتها عن فساد نظامه المتهالك، وجرائمه المتزايدة يوماً بعد يوم، كما شغلها بلقمة عيشها جراء الحالة الاقتصادية المتهاوية. وكذلك يستعطف المجتمع الدولي نحو نظامه وفاقته الماليّة المأساويّة المتردّية بطريقة غير مُباشرة، وفي ذلك يرسل رسالة مُبطّنة لتخفيف الضغوط الاقتصاديّة الدوليّة عن بلاده في ظلّ هذه الأزمة، وخاصّة بعد تلك العقوبات التي فُرضتْ عليه تبعاً لقانون قيصر، فمن عادة هذا النظام التضحية بشعبه في سبيل سلامة حياته ومنصبه وعائلته. 

فالنظام السوري المجرم مع أنّه لا يعترف بما لديه من حالات الإصابة بالكورونا، كذلك لا يبدي أي جهد في معالجة واحتواء المرض، ثمّ يتّبع سياسة تصدير الأزمة واستجداء الغرب بطرق مذلة. 

فآن الأوان للمجتمع الدولي الذي يتلذذ بمشاهدة الشعب السوري يقاسي شتى أنواع الموت، أن يفهم سياسة هذا الأحمق المجرم بشار الأسد، ويبذل الجهود للتخلّص منه، لإنقاذ ما تبقى من الشعب السوري الذي حاول النجاة من الاعتقال ثمّ من القتل، ثمّ من الموت جوعاً أو قصفاً أو غرقاً، فإذا به يقع في حضيض وباء كورونا. 

وعلى أهلنا في الداخل كسر تلك العصا التي يلوّح بها الظالم الأسد يخوفهم بها، وعدم الاستسلام له ولزبانيته الساعين على اختلاق الأكاذيب، وتضليل الحقائق، فضحايا شعبنا يومياً بالعشرات نتيجة الإهمال والفساد والإجرام، وأخرها التعتيم على قتلى الكورونا من أهلنا.

إنّ الكورونا لدى شعبنا البطل أرحم بألف مرّة من وباء النظام الأسدي المجرم، الذي ما يزال يعتاش على دماء الشعب السوري منذ خمسين سنة، فضحايا شعبنا على يد عائلة الأسد فاقتْ ضحايا كوفيد 19 في العالم، فما الكورونا إلا نوع جديد للموت، يَعرض عضلاته على أهل سورية، أمّا نجاتهم الحقيقية فهي التخلص من النظام الأسدي وظلمه قبل النجاة من وباء الكورونا.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا