الخميس 23 ذو الحجة 1441 - 13 أغسطس 2020

ملامح سور القرآن الكريم سورة الفاتحة

الأربعاء 24 ذو القعدة 1441 - 15 يوليو 2020 87 محمد خليل زروق
ملامح سور القرآن الكريم سورة الفاتحة

ترديد بدء السورة بين البسملة والحمدلة -بناء على تنوع الرواية بين أن البسملة جزء من الفاتحة أو ليست جزءا منها- عجيب في الإعجاز، لأن البسملة لافتتاح الأعمال وائتنافها، والحمدلة لاختتام الأعمال وحصول النعم، فقد جمعت الروايتان بينهما. هذا مع أن الحمدلة تصلح للافتتاح أيضًا.

ثم لخصت السورة رحلة الوجود في ثلاث آيات دلت على ثلاث حقائق كونية كبرى: الخلق والرحمة والمصير.

فرَبُّ كل هذه العوالم التي تراها، أو لا تراها وتسمع عنها، أو لا تراها ولا تسمع عنها، هو الله. ومن اللافت أن السورة لم تشرع في تقرير حقيقة الوحدانية بالقول: الله لا إله إلا هو، أو القول: الله رب العالمين، ولكنها بدأت بالتسمية أو بالتحميد لصاحب الأوصاف المذكورة، لتشير إلى أن التوحيد من حقائق الفطرة الإنسانية التي لا تحتاج إلى تقرير أو تدليل، ولكن السورة تأخذ بيدك أخذًا رفيقًا هينًا إلى أن هذا الذي تتوجه إليه فطرتك وطبيعتك، تدعوه وتناجيه، وتعتقد أنه خلق وقدّر، وسيجمع ويجازي، هو المستحق لأن تُفتتح الأعمال والأقوال باسمه، وهو المستحق وحده للحمد الكامل.

والحمد ليس هو الشكر، ولكنه معنى مركب من الثناء، أي المدح الذاتي، والشكر، فهو محمود لذاته، ومحمود أيضًا لآلائه ونعمه، أي المشكور له، وشُكره المتضمَّن في الحمد يكون بالأقوال ويكون بالأفعال، فتحصَّل من هذا ثناء ذاتي بمعزل عن كل شيء، وثناء بسبب الإنعام، وعمل ذاتي لأنه يستحق أن يعبد ولو لم يُنعم، وعملٌ، أي شكرٌ، بسبب نعمه.

فهذا هو البدء، وهو معرفة النشأة ومصدرها، إنها راجعة إلى (رب العالمين)، أي ليس رب جزء من الوجود بل رب (الكلية) التي لا يعلم حقيقتها وكيفيتها ومداها إلا هو.

وفي الوسط الرحمة، التي هي صفة من صفات الخالق، وغاية من غايات الوجود التكويني والتشريعي، ويجب أن تكون غاية المكلفين وخُلُقَهم الأول، فكل ما يجافي الرحمة هو بعيد من (رب العالمين) ومما يحبه ويرضاه. وهذه الرحمة قسمان: ذاتية دل عليها اسم (الرحمن)، ومتعدية إلى الخلق دل عليها اسم (الرحيم)، وهي بنوعيها في المفتتح وفي الختام، وقبل الشروع وبعد التمام. فمن أين تأتي القسوة والمشقة والشقاوة؟ والرحمة معك بدءًا من (الرحم)؟ لا شيء إلا أنه الابتعاد عن مصدر الرحمة!

والمصير هو إلى (ملك يوم الدين)، فهو لم يخلق الخلق للعب أو العبث، ولم يتركهم سدى، بل الرحمة الدنيوية موصولة برحمة أخروية، والشقاوة الدنيوية، موصولة بشقاوة أخروية.

وللدين يوم، بمعنى الدينونة والخضوع، والإيمان بالغيب، أو بمعنى الحساب والمجازاة، ولهذا اليوم صاحب يملكه، هو (المالك)، وحاكم يحكم فيه، هو (الملك).

هذه فاتحة الفاتحة، وهي تشمل التصور الكامل لأصل الإيمان ولبابه، إيمان بالله على التفصيل المذكور، وإيمان باليوم الآخر.

ثم واسطة العقد، ومفتاح الفاتحة: (إياك نعبد، وإياك نستعين).

فـ (لا إله إلا الله) لها تحقق في عالم الغيب، وهو ما تكفلت به مقدمة البدء، ولها تحقق في عالم الشهادة، وهو ما تتكفل به آية الوسط، لأن وجودك المتحيز المشهود لا بد له من منهج طريق يلائم ما تؤمن به من الحقائق الكونية الكبرى، وليس يجوز أن تكون سيرتك في حياتك مناقضة لسريرة نفسك، ومن ههنا لم يقل: إياي فاعبد، وإياي فاستعن، لأن المقدمة الأولى تُسلم إلى هذه النتيجة بداهة، حتى إنك تنطق بها بضمير المتكلمين، متوجها إليه بضمير الخطاب، وهما ضميران للحضور، بعد أن كانت المقدمة مصبوغة بأسلوب الغياب.

أنت الآن في الحضرة.

توحيد العبادة، وتوحيد الاستعانة، فلِتعبدَه لا بد أن تستمد منه، ولا بد أن تستعين به، لأنه لا حول ولا قوة لك إلا به. كيف ستقدر على الوصول إليه إلا به؟ كما أنك لم تعرفه كمال العرفان إلا به، وما هذه القُدَر التي أوتيتها (العلمية والعملية) إلا للاختبار فحسب، ليعلم كيف توجهها، أما الاهتداء والمسير والوصول، فلا يكون إلا به.

ومن جملة عونه لك (ضمير الجماعة)، لأنك لن تعبده في صومعة ولا خلوة، على الأغلب، ولأنك في حال التفاعل (أقرب وأقدر).

إنك تسمع الآن ولا شك بعد قراءتك لهذه الآية وما بعدها صوت الترديد الجماعي (الكورال)، المنسجم المتناسق: (إياك نعبد وإياك نستعين).

والتحقق الثالث لـ (لا إله إلا الله) في الدعاء، فهو وحده الذي يجيب الداعي إذا دعاه، وهذا هو القسم الثالث من السورة، وهو ختامها ومشهدها الأخير.

والدعوة الأولى والأخيرة والدائمة هي الدعوة بـ (اهدنا الصراط المستقيم)، ولم تكن الدعوة باهدنا إليه، ولا اهدنا له، ولكن اهدنا إياه، بإسقاط الوسائط، وتسريع الوصول.

وهو طريق فخيم جليل الشأن، أوحى بذلك حرفان من حروف التفخيم في (الصراط)، وهو أيضًا طريق دقيق ومزلة إن لم تَستحضر اليقظة، وتتحرَّ الاستقامة عليه، وتسأل الله الهداية إليه في كل عمل وحال ومقال، أوحى بذلك حرفان في وصفه رقيقان.

وهو صراط بعيد عن الاعوجاج والالتواء والتلون، موصِّلٌ باختصار وثبات إلى المطلوب.

وهو طريق سُبقتم إليه، لكم فيه سلف، ولهؤلاء السلف قصص، سار فيه قبلكم السائرون، وعرفه بنعمة الله العارفون، وتنكب عنه آخرون، منهم متعمدون، ومنهم ضالون، فالأقسام إذن ثلاثة: قوم اهتدوا أنعم الله عليهم، فليس ذلك بجهدهم، ولكن بهداية الله لهم بسبب قلوبهم السليمة، وقوم غضب الله عليهم، عرفوا وحادوا عن الطريق، أو بالأحرى (مغضوب عليهم)، فهو غضب عام متعدد الجهات، لأنهم أضلوا وفتنوا، وقوم ضلوا الطريق، سكت عنهم.

ومن البديهي أن الذين أنعم عليهم في الدنيا ستنالهم نعمته في الآخرة، والمغضوب عليهم في الدنيا سينالهم غضب (عام) في الآخرة، وأن الضالين الكثيرين بطول مدة الألف، إلى الله أمرهم يحكم فيهم بحكمته.

ومن أجل اختزال هذه السورة لمعاني الدين ومعاني القرآن كانت فاتحة الكتاب، وفُرضت قراءتها في كل ركعة من الصلاة، وكانت دواء شفاء.

وعلى كثرة ترديد المسلم لها في صلواته وغير صلواته، لا يملُّها، ولا يستثقلها، ولا يكرهها، ولو كان الكلام كلامًا بشريًّا لملَّتْه الأسماع، ومجَّته الألسنة، وزهدت فيه النفوس، ولكنها تُرَدَّد ملايين المرات، ويردِّدها ملايين البشر، في ملايين الصلوات والمواقف، وهي باقية على نضارتها وخفتها وحلاوتها، لا تبلى ولا تَخْلَق، وأيضًا لا ينضب معين عطائها من المعاني، فهي السبع المثاني، تُثَنَّى وتُكرَّر، بما أنها فاتحة الكتاب، ومفتاحه، وجامعة معانيه ومقاصده.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا