الخميس 23 ذو الحجة 1441 - 13 أغسطس 2020

آيا صوفيا وقف إسلامي منذ قرون... ونفرح باستراداه

الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020 154 أحمد إسماعيل سعود
آيا صوفيا وقف إسلامي منذ قرون... ونفرح باستراداه

الأحباب الذين يعترضون على تحويل محمد الفاتح آيا صوفيا لمسجد أتفهم وجهة نظرهم، لكنهم يقرأون التاريخ بعين الحاضر، وهذا ليس منصفا، فحتى تفهم التاريخ دون تجنّي، ولا تقديس ولا تدنيس، ودون تهوين ولا تهويل، لابد أن تقرأ أحداثه في سياقها الثقافي..

فلن تستطيع فهم زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة في سن التاسعة، حتى تقرأ ثقافة الزواج في ذلك العصر، وأنه ليس أحد من اليهود ولا النصارى ولا المشركين ولا المنافقين استنكر على النبي صلى الله عليه وسلم زواجه لأنه كان أمرا طبيعيا في عصرهم..

الاسترقاق والسبي في المعارك كان ثقافة عالمية أيضا، فليس من العدل محاكمة هذا السلوك على ضوء ثقافة العصر.

جزء من ثقافة الحروب القديمة استباحة كل معصومات المحارب المعاند الذي لم تفتح بلاده صلحا وعهدا، وإنما عنوة وقتالا، وكان في جملة ما يستباح دور العبادة، وهذا أمر تكرر في معابد وصوامع وكنائس..

أنا لم أقرأ توثيقا لمن يزعم أن محمد الفاتح اشترى آياصوفيا من الببزنطيين المسيحيين! ولكنني أتفهم ثقافة الأمم عبر العصور تجاه ذلك متجردا عن محاكمتهم لثقافة عصرية! 

نعم كان المتغلب حين يفتح أرضا عنوة يجتهد في تحويل هويتها الثقافية بما لا يخرج عن سلطان هويته وهيمنتها... 

النبي صلى الله عليه وسلم مثلا هدم الأصنام ومعابدها في مكة وثقيف وهوازن بعد الفتح وحارب سدنتها، ومن قبله إبراهيم عليه السلام فعل ذلك أيضا.. وهو سلوك تكرر من كل الثقافات القديمة، فكانوا إما يهدمون معابد المحاربين أو يدنسوها أو يهملوها أو يبنوا على أنقاضها معابد تبرز ثقافة المنتصر الفاتح!

خذ مثلا الجامع الأموي بدمشق، كان معبدا وثنيا للآراميين، 

وكانوا يعبدون فيه "حدد الآرامي،" إله الخصب والرعد والمطر حسب معتقدهم، وكان المعبد على النموذج المعماري الكنعاني السامي التقليدي. شبيها بمعبد القدس، وحين غزا الرومان دمشق في عام 64م وسعوه وحولوه معبداً للإله جوبيتر اليوناني، حافظ الرومانيون على معظم تصميمه الأصلي، وأصبح فيما بعد المركز الرئيسي للعبادة في الإمبراطورية الرومانية، وفي نهاية القرن الرابع للميلاد، تحديداً في عام 391، وحين تنصرت الإمبراطورية الرومانية بعد وثنية تم تحويل معبد جوبيتر إلى كاتدرائية القديس يوحنا بأمر من الإمبراطور ثيودوسيوس الأول، وكانت الكاتدرائية بمثابة مقر أسقف دمشق، الذي يحتل المرتبة الثانية ضمن بطريركية أنطاكية بعد البطريرك نفسه. ثم تحولت الكاتدرائية في العصر الأموي لجامع دمشق الكبير.

جامع قرطبة الكبير هو الآخر كان معبدا وثنيا لسكان أسبانيا الأصليين، ثم هاجمها القوط الألمان المسيحيون فحولوا المعبد لكنيسة، ثم بعد فتح الأندلس قسمت الكنيسة قسمين قسم لصلاة المسلمين وقسم للمسيحيين، بعد هذا اشترى المسلمون نصف الكنيسة وصار جامع قرطبة الكبير جامعا خالصا للمسلمين، ثم بعد احتلال النصارى للأندلس صار الجامع كنيسة فكاتدرائية مسيحية.

المساجد الإسلامية التي كان أصلها كنيسة كثير، فهي إضافة لآيا صوفيا والجامع الأموي، وجامع قرطبة الكبير، فهناك مسجد الخضراء بتونس، وجامع العطارين بالإسكندرية، وجامع البندقية بإيطاليا، كلها كانت كنائس وحولت لمساجد في عصور مختلفة، ولا تزال كنائس مهجورة تباع في أمريكا وأوربا حتى اليوم وتتحول لمراكز إسلامية ومساجد. 

ومثل هذه التحولات قد ينطبق قريب منها على المسجد الأقصى نفسه.. فقد استباحه البابليون وجعلوه مكبا للنفايات، ثم أعاد قورش الفارسي اليهود ليبنوا عليه هيكلهم، ثم أخرجوا منها فأصبح أرض مهجورة مجاورة لكنيسة القيامة، ثم فتحها عمر فبنى المسجد، ثم احتل اليهود القدس فسرقوا جزءا من أرض المسجد، والمسمى بحائط البراق ليجعلوه مبكى لهم ولتراتيلهم وصلواتهم، ولا يزالون ينبشونه ليبنوا على أنقاضه هيكلهم!

الشاهد أن ثقافة الحرب التي لم تتطور كثيرا لدى بعض الأمم حتى اليوم لها أحكامها، والجزء التاريخي منها يفهم في سياقه، واليهود اليوم والأسبان في أرض الأندلس، والصرب في أرض البلقان، وحتى الهنود في معبد آسام واضطهاد مسلمي فطاني في الفلبين والإيغور في الصين والبورميين في ميانمار، كلها سلطات ومجتمعات معاصرة لا تزال تجتر ذات الثقافة حتى اليوم بلا نكير، فهل نأتي نحن لأرض غدت مسجدا قبل ستة قرون، فنتنازل عنها اليوم برومانسية ومثالية لا يتعاطى معها أحد من دول العالم سياسيا؟!

أضحكني تذكير أحدهم بمعاناة المسلمين في العالم، قائلا: مهلا رويدكم لا نزال في ذيل القافلة ولم ننتصر! 

وهل معنى فرحنا بعودة مسجد سرق منا قبل قرن ثم عاد لوضعه ووقفه أننا نراه نهاية المنى وغاية الجهاد ووسع الطاقة مما ينبغي لنا تجاه الشام والقدس والعراق وميانمار والإيغور، ووسع الطاقة تجاه معركتنا الطويلة مع الجهل والفقر والمرض، ووسع الطاقة ومنتهى الآمال تجاه السيادة والريادة وحرية الوطن والمواطن، ووحدة الأمة ونهضتها؟!

من قال ذلك؟ ومن قال أنه لا يجوز للإنسان أن يفرح ولو بحفظ آية من كتاب الله، مع أنها ليست كل المنى ولا منتهى المقصود؟

نفرح بالإنجاز شكرا لله أولا، ومراغمة للشانئين والحاقدين ثانيا، وتفاؤلا بمزيد فضل الله ثالثا.

(قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا