الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

الناس فريقان

الأربعاء 13 شوال 1431 - 22 سبتمبر 2010 772

 

الشيخ : أحمد النعسان
 
لقد انقضى شهر رمضان, وطُويَت صحائف الأعمال فيه, ورُفِعت إلى الله تعالى, انقضى هذا الشهر العظيم وهو شاهد لبعض العباد وشاهد على بعضهم الآخر.
شهر رمضان العظيم المبارك الذي انقضى انقسم فيه الناس إلى قسمين:
القسم الأول: هم الذين عظَّموا هذه الشعيرة المعلومة من الدين بالضرورة, عظَّموها حقَّ التعظيم, لأنهم سمعوا قول الله عز وجل: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}.
عظَّموا هذه الشعيرة بلسان الحال والمقال عندما سمعوا قول الله عز وجل وهو يناديهم بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}. فقالوا لهذا النداء: لبيك اللهم لبيك, فصاموا وقاموا امتثالاً لأمر الله تعالى الذي شرح صدورهم للإسلام, كما قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ}. امتثلوا أمر الله تعالى لأنهم سمعوا منادي الإيمان ينادي للإيمان فآمنوا, كما قال تعالى عنهم: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَار}.
آمنوا بالله تعالى أولاً, واستجابوا لأمر الله عز وجل ثانياً, وقالوا للأوامر والنواهي: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير}. هؤلاء صاموا حقَّ الصيام, وقاموا حقَّ القيام.
القسم الثاني: أما القسم الثاني ـ نسأل الله تعالى لنا ولهم العفو والعافية ـ فهؤلاء الذين كانت صدورهم ضيقة حرجة عندما جاءهم أمر الله تعالى بالصيام, هؤلاء أضلوا أنفسهم فجعل الله تعالى صدورهم ضيقة حرجة, كما قال تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُون}.
هؤلاء قالوا بلسان الحال والمقال: {سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا}. هؤلاء الذين استحبوا العمى على الهدى كما قال تعالى عن أمثالهم: {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى}.
هؤلاء نظروا إلى هذه الشعيرة نظرة ازدراء واستخفاف فأفطروا شهر رمضان جهاراً نهاراً من غير عذر ولا رخصة شرعية, واستخفوا بهذه الشعيرة والعياذ بالله تعالى.
أيها الإخوة الكرام: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب الفريقين بقوله: (عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزيٌّ به) رواه الحاكم عن سهل بن سعد رضي الله عنه.
تذكر يا أخي الكريم هذه الحقيقة, إن كنت من الفريق الأول أو الثاني (عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه). ولكن تذكَّر الحقيقة التالية: (واعمل ما شئت فإنك مجزي به), تذكَّرْ قول الله تعالى: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه}.
فلكلٍّ من الفريقين جاء الخطاب من الله تعالى ومن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورتَّب ربنا عز وجل لمعظِّم الشعائر وعداً, وللمستخفِّ بالشعائر وعيداً والعياذ بالله تعالى.
الوعد لمن عظَّم شعائر الله تعالى:
أيها الإخوة الكرام: لقد رتَّب الله تعالى لمن عظَّم شعائره وعداً لا يُخلف, فيا من وُفِّقتَ للصيام والقيام قل: اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك, لك الحمد يا من وفَّقتنا لذلك ورتَّبت لنا على ذلك أجراً عظيماً.
عباد الله: اسمعوا بشارة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لمن عظَّم شعائر الله تعالى, وخاصة عبادة الصوم, يقول صلى الله عليه وسلم: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ, وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
الفرحة الأولى:
أيها الإخوة الكرام: الفرحة الأولى للصائم في دار الفناء, الفرحة الأولى عندما يفطر كلَّ يوم على رزق الله, حيث كان ينجح في كل يوم من أيام رمضان, والفرحة الكبرى في الحياة الدنيا تكون له في يوم العيد, كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عَنْ سَعِيدِ بن أَوْسٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْفِطْرِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى أَبْوَابِ الطُّرُقِ، فَنَادَوْا: اغْدُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَبٍّ كَرِيمٍ, يَمُنُّ بِالْخَيْرِ، ثُمَّ يُثِيبُ عَلَيْهِ الْجَزِيلَ، لَقَدْ أُمِرْتُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَقُمْتُمْ، وَأُمِرْتُمْ بِصِيَامِ النَّهَارِ فَصُمْتُمْ، وَأَطَعْتُمْ رَبَّكُمْ، فَاقْبِضُوا جَوَائِزَكُمْ، فَإِذَا صَلَّوْا، نَادَى مُنَادٍ: أَلا إِنَّ رَبَّكُمْ قَدْ غَفَرَ لَكُمْ، فَارْجِعُوا رَاشِدِينَ إِلَى رِحَالِكُمْ، فَهُوَ يَوْمُ الْجَائِزَةِ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْمُ فِي السَّمَاءِ يَوْمَ الْجَائِزَةِ).
فرحة ما بعدها فرحة بتنزُّل الملائكة لهؤلاء الصائمين القائمين بالبشارة بمغفرة الله عز وجل لهم وبالهداية والرشد, فرحة كبرى عندما شاهدوا فضل الله عليهم حيث وفقهم للصيام مع طول النهار وشدة الحر, هؤلاء فرحتهم عظمى بفضل الله عز وجل عليهم, كما قال تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون}.
الفرحة الثانية: أما الفرحة الثانية فهي دار البقاء, حيث لا يعقب هذه الفرحة حزن ولا كدر ببشارة الملائكة الكرام: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُون}.
هؤلاء فرحتهم الثانية عند لقاء الله عز وجل, حيث أعدَّ لهم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر, كما قال تعالى في وعده لهم: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون}. وقال: {أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّار * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار}.
ما أجمل هذا الوعد {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار}. صبرتم على الصيام والقيام طال النهار أم قصر, اشتدَّ الحر أو خفَّ, صبرتم على القيام طال الليل أم قَصُر.
وعدٌ من الله تعالى لهذا الفريق, حيث يجمع الله تعالى بينهم وبين أصولهم وفروعهم وأزواجهم, اللهمَّ اجعلنا منهم يا أرحم الراحمين.
الفرحة الثانية في دار البقاء لمن عظَّم شعائر الله تعالى, حيث وعدهم الله تعالى بالحسنى وزيادة, كما قال تعالى: {لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}. وقال العلماء: الحسنى هي الجنة, والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم, كما قال تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة}.
هذا وعد الله تعالى الذي لا يُخلَف, لعباده الذين قالوا: {فَآمَنَّا}. للذين قالوا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا}. للذين عظموا شعائر الله تعالى.
فهنيئاً لك أخي الصائم فرحتك الأولى في دار الفناء, وأسأل الله تعالى أن يتمِّم الفرحة الثانية لك عند لقاء الله تعالى, وعندما تنادي في أرض المحشر عندما تأخذ كتابك بيمينك: (هاؤم اقرؤوا كتابيه), كما قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيه * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيه}.
الوعيد لمن استخفَّ بشعائر الله تعالى:
يا عباد الله, أما الفريق الثاني فهم الذين استخفوا بشعائر الله ولم يقيموا لها وزناً, وكانوا يسخرون من الفريق الأول الذين عظَّموا شعائر الله تعالى, كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُون * وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُون * وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِين * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَء لَضَالُّون * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِين * فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُون * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُون}.
حسرته الأولى في دار الفناء:
هذا الفريق الثاني يعيش في تناقض مع ذاته, انظروا إلى هذا الفريق في أيام العيد, هو يشارك الصائمين القائمين فرحتهم في أيام العيد, لبس الجديد, وأكل الحلوى وأطايب الطعام, وهو يظنُّ أنه يشارك الآخرين بهجتهم أيام العيد, وأنا أقسم بالله العظيم بأن هذا الفريق الثاني يشارك الآخرين بهجتهم في أيام العيد صورة وشكلاً, أما ضمناً فهو يتمزَّق داخله إن بقيت فيه بقيَّة إيمان, حيث يتشبَّه هو بأهل السعادة شكلاً دون الحقيقة, يتمزَّق داخله لأنه كان محروماً طاعةَ ربه عز وجل, لأنه يرى أن فرحةَ الفريق الأول حقيقيةٌ وليست صوريةً وهمية, وهذه هي حسرته الأولى في الحياة الفانية.
حسرته في دار البقاء:
أما حسرته في دار البقاء فهي الحسرة التي ما بعدها حسرة, وتبدأ هذه الحسرة عند سكرات الموت حيث يسأل الله تعالى الرجعة ليعمل العمل الصالح الذي كان يعمله الفريق الأول, قال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون}.
حسرته في أرض المحشر:
أما حسرته في أرض المحشر فنتصوَّرها من خلال قول الله عز وجل: {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَد * وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَد}. حسرة ما بعدها حسرة, وخاصة عندما يرى الفريق الأول يخاطبهم ربنا عز وجل بقوله: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّة * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّة * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي}. حسرته في أرض المحشر عندما ينكِّس رأسه ويسأل الرجعة, كما قال تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُون}.
حسرته في أرض المحشر عندما يتمنَّى أن يكون اتَّخذ مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيلاً, كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}. وكما قال جلَّت قدرته: {يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللّهَ حَدِيثًا}.
حسرته في أرض المحشر حيث يتمنَّى أن يفتدي نفسه من عذاب يوم القيامة بكلِّ ما يملك, وبكلِّ من يتَّصل بهم في حياته الدنيا, كما قال تعالى: {يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيه * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيه * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويه * وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيه * كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى}.
حسرته في أرض المحشر عندما يأخذ كتابه بشماله, كما قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيه * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيه * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيه * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيه * خُذُوهُ فَغُلُّوه * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوه}.
حسرته وهو في النار والعياذ بالله تعالى:
أما حسرته وهو في نار جهنم والعياذ بالله تعالى فيقول الله تعالى عنهم: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ}. ويقول تبارك وتعالى مخبراً عن قولهم: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّين * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون * قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُون}.
حسرتهم وهم في نار جهنم عندما يسألون مالكاً أن يقضي عليهم ربهم فيموتوا, قال تعالى: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُون * لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِين * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُون}. حسرة ما بعدها حسرة لهذا الفريق الثاني الذي لا يعقل.
باب التوبة مفتوح ولله الحمد:
أيها الإخوة الكرام: نقول لهؤلاء الذين أجرموا, نقول لهؤلاء الفريق الثاني: باب التوبة مفتوح, ولن يُغلق بابُه حتى يقع العبد في الغرغرة, أو تطلع الشمس من مغربها, تعالوا واصطلحوا مع الله تعالى حتى لا تقعوا في الحسرة التي ما بعدها حسرة.
لا تقولوا لقد انقضى شهر رمضان بسماته, حيث صُفِّدت الشياطين وفتحت أبواب الجنان, لا تقولوا هذا الكلام, فإن خرج شهرُ رمضان فإن الله تعالى حيٌّ باقٍ, وهو ينادي خلقه بقوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}.
يا من قلت: سمعت وعصيت, تُبْ إلى الله تعالى قبل أن تقع روحك في الغرغرة, إن صدقت في توبتك فالله تعالى يقبلك, تُبْ إلى الله تعالى واقض الأيام التي أفطرتها, وكفِّر عن ذلك بصيام شهرين متتابعين, وأبشر بتوبة الله عز وجل عليك, واحذر العناد فإنَّ عواقبه وخيمة.
خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:
أيها الإخوة الكرام, أقول أخيراً: كونوا ربَّانيِّين لا رمضانيِّين, كونوا ممن أقبل على الله تعالى وعاهده على الاستقامة حتى نهاية الأجل, كما قال تعالى لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِين}.
قيل لبشر الحافي: إن قوماً يتعبَّدون ويجتهدون في رمضان, فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون الله حقاً إلا في شهر رمضان, إن الصالح الذي يتعبَّد ويجتهد السنة كلها.
بئس العبد الذي يكون رمضانياً فحسب, بحيث يرجع بعد رمضان إلى ما كان عليه قبل رمضان من مخالفات شرعية, العبد الحق هو الذي يقول: ربي الله, ثم يستقيم حتى يأتيه الموت, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون}.
اللهم ثبِّتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة, وأكرمنا بالاستقامة حتى نلقاك وأنت راضٍ عنا. آمين.
أقول هذا القول وكل منا يستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا