الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020

مختارات من تفسير "من روائع البيان في سور القران" (59)

الخميس 4 ذو القعدة 1441 - 25 يونيو 2020 164 مثنى محمد هبيان
مختارات من تفسير

﴿ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾

السؤال الأول:

قال هنا : (مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ)[البقرة:56] ، وقال في آية البقرة: (مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ) [البقرة:109] بينما لم يذكر (من) في آية آل عمران (بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ) [آل عمران:100] فما دلالة ذلك ؟

الجواب:

بشكل عام (مِن) للابتداء . تقول مثلاً : سافرت من مكة إلى المدينة , أي ابتداء السفر من مكة . وعندما تذكر ( من ) تكون للفترة أو للمسافة القصيرة لأنها ذكرت الابتداء , وبدون 

( من ) يمكن أن تكون للفترة أو للمسافة القصيرة أو الطويلة . انظر إلى قوله تعالى : (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا﴾ [فصلت:10] فذكرهنا ( من ) ليدل على أنّ الرواسي ملتصقة بالأرض ليس بينها وبينها فراغ , بينما قال تعالى : (أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ﴾ [الملك:19] لم يذكرهنا ( من ) لأنّ بينهم وبين السماء مسافة طويلة . 

1ـ في آيتي البقرة (وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ٥٥ ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ [البقرة:55ـ56 ]معناها أنّ الله لم يتركهم مدة طويلة ميتين .

2ـ وفي آية البقرة ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ [البقرة: 109]

ذكر الله فيها أنّ كثيراً من الكفار يتمنون لو أنهم ردوا المسلمين من بعد الإيمان كافرين أي بلا مهلة (حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم) فهم يتمنون الإسراع في تكفيرهم، وأنْ ينقلوهم فوراً من حالة الإيمان إلى حالة الكفر.

بينما في آية آل عمران (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ) [آل عمران:100] ففيها تحذير للمسلمين من إطاعة الكافرين؛ لأنهم ينفثون فيهم أوهامهم وضلالهم شيئاً فشيئاً حتى يردوهم مع مرور الزمن كافرين, وليس معناه أنهم ينقلونهم فوراً من الإيمان إلى الكفر.

لذلك الأولى مقام تمنٍّ، والثانية مقام تحذير.

والله أعلم.

﴿وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ 

السؤال الأول:

قدّم المفعول به، وهو(أَنفُسَهُمۡ) [البقرة:57] على الفعل، وهو (يَظۡلِمُونَ) [البقرة:57] فما دلالة هذا التقديم ؟

الجواب:

إنّ في تقديم المفعول به على فعله تأكيداً وتنويهاً:

آـ فيه تأكيد على أنّ حالهم كحال الجاهل بنفسه، فالجاهل يفعل بنفسه ما يفعله العدو بعدوّه .

ب ـ وفيه تنويه لك أيها المسلم أنّ الخروج من طاعة الله سبحانه وتعالى أولاً وآخراً فيه ظلم، ولكنه ظلمٌ لنفسك قبل ظلمك لغيرك.

السؤال الثاني:

ما الفرق بين قوله تعالى فى سورة البقرة : (وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) [البقرة:57] وفي آل عمران : (وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) [آل عمران:117] بدون (كانوا) ؟

الجواب:

في العموم عندما يتكلم القرآن عن الحال، أي: الوقت الحالي وليس الزمن الماضي يقول: (أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) وعندما يتكلم عن الأقوام البائدة القديمة الماضية يقول: (كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ) [البقرة:57] . فيستعمل ( كانوا ) للدلالة على الزمن الماضي .

انظر كذلك الآيات : العنكبوت [ 40] التوبة [70] الأعراف [160]

السؤال الثالث:

ما دلالة اختلاف رسم كلمة (ٱلۡغَمَامَ) و(ٱلۡغَمَٰمَ) في القرآن الكريم؟ 

الجواب:

وردت كلمة (ٱلۡغَمَٰمَ) في القرآن الكريم ( 4) مرات , إثنان منها بالألف الوسطية , وإثنان :بدون ألف وسطية , والحالتان هما :

الحالة الأولى : (ٱلۡغَمَامَ) 

﴿وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ ﴾ [البقرة:57].

﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [البقرة:210].

جاءت (ٱلۡغَمَامَ) بألف وسطية في سورة البقرة لتدل أنّ الغمام لم يكن مضموماً وإنما كان متفرقاً, حيث كان بنو إسرائيل في شك من الإيمان بموسى عليه السلام حتى يروا الله جهرة . وتعني آية البقرة 210 أنهم ينتظرون رؤية الله مظللاً بالغمام منفصلاً عن الملائكة .

الحالة الثانية :(ٱلۡغَمَٰمَ)

(وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ١٦٠﴾ ) [الأعراف:160]. 

(وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا) [الفرقان:25]. 

جاءت كلمة (ٱلۡغَمَٰمَ) بدون ألف وسطية مما يوحي بأنّ الغمام كان قريباً من بعضه , وبذلك كان الظل وارفاً , وكان هذا جزاء للأمة التي ذكرها الله من قوم موسى(وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ) [الأعراف:159]. 

وآية الفرقان تعني أنّ الغمام كان كثيفاً يوم القيامة . والله أعلم .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا