الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020

لماذا لا ندخل الجنة ابتداءا ؟ أين الرحمة ؟ أين العدالة؟

الخميس 4 ذو القعدة 1441 - 25 يونيو 2020 169 أبوبكر يحيى
لماذا لا ندخل الجنة ابتداءا ؟ أين الرحمة ؟ أين العدالة؟

- علينا أن نسلِّم بأن هناك جانبا من حياة الإنسان قد جاء رغما عن إرادته وأنه مسير فيه وليس مخيرًا، وهو اختيار من الله سبحانه وتعالى له (بلده ، جنسه، والداه، الزمن الذي ولد فيه ..إلخ) كلها أمور ليس للإنسان اختيار فيها أو حرية في اختيارها.

- ولا يجوز أيضا اعتبار أن هذا الإجبار الذي حصل نوع من الظلم أو التعسف بل على العكس من ذلك فبمجرد النظر والتحري عن حال الإنسان ومقارنته بمن حوله من البشر سيتضح له كم هو محظوظ وكم لديه من الميزات والإيجابيات ليست موجودة لغيره وهذا ينطبق على الجميع بلا استثناء .. فالتفاوت بين البشر نسبي، ولا يوجد كل شيء عند البعض والبعض الآخر محروم من كل شيء ، بل على العكس الأرزاق مقسمة بين الناس بتفاوتات مختلفة خصوصا إذا كانت نظرتنا للرزق ليست محصورة فقط في الجانب المادي الضيق.

- وإذا تناولنا الموضوع بشكل منطقي، فإن فتح باب الاختيار لكل شخص على حده في هذا الأمر يتنافى مع طبيعة الحياة وقوانين الكون. فلو أن كل الناس قاموا باختيار ما يعتقدون أنه هو الأفضل وترك لهم اختيار والديهم وحياتهم لتحولت الحياة من شكلها الطبيعي الآن إلى شكل مشوه مختلق غير واقعي، وأصبحت في حد ذاتها هي الجنة المنشودة، فكل الناس يختارون ما يريدون وما يستمتعون به.

- ولأن الجنة في الحقيقة هي مكافأة.. فليس من المنطقي أن تكون هذه المكافأة متاحة للجميع، ولذلك بات من الحتمي أن تكون هناك حياة سابقة لهذه المكافأة هي عبارة عن ميدان للتنافس والكفاح والاختبار يليها مكافأة عظيمة لا يتحصل عليها إلا من يستحقها بحق وليس كل من دبّ وهب.

- ليس من المنطقي أن يعترض أحد الأطفال على إدخاله التعليم الإجباري بدعوى أنه حر في قرارة نفسه ولا يجوز لأحد أن يتحكم في مستقبله، فإذا تم سنُّ قانون يشمل الجميع يجب على الجميع الخضوع له، وإلا لتحول الوضع إلى فوضى عارمة، ولأصبحت العواقب بعد ذلك كارثية.

- إن من المنطق الأبوي أو من منطق المسؤولية الحكومية التي تراعي مصلحة الجميع كان لزاما وضع قوانين جبرية لجميع الأطفال وذويهم حتى لا يفسد المجتمع كلياً.

- وفي المقابل لا يجوز لهذا الطفل أن يبقى طوال العام لاعبا لاهيا متسكعا لا يدرس ولا يجتهد ولا يحاول أن يتعلم مع أن العلوم تحيط به من كل جانب في المدرسة والبيت والكتب والوسائل التعليمية المختلفة وحث الوالدين.. من دون أن يكون له عذر في عدم الدراسة ثم بعد أن يرسب في الامتحان يطالب بأن يساوى بغيره من الطلاب المجتهدين ويتهم هيئة التدريس وإدارة المدرسة بعدم الرحمة والشفقة أو بعدم إرادتها الخير له وأنها هي التي وضعته في هذا الوضع الذي قد يدمر مستقبله إلى الأبد ويقوم بتحميلها مسؤولية ذلك.

- ليس من المنطقي إطلاقا أن لا يتحمل الإنسان تبعات أفعاله التي لم يجبر عليها.

- صحيح أن الحياة فيها جانب إجباري كالتعليم في المدارس، ولكن الخطوة التي تلتها كانت اختيارية محضة، بل إن هذا الاختيار سانده كثير من الوسائل المساعدة على النجاح والإيمان، دوافع من كل جانب، آيات في كل اتجاه، محفزات في كل لحظة، وفي كل حين، ولكنها قوبلت من البعض بالسخرية والاستهزاء والإنكار والتجاهل.

- لم يخلقنا الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة جبرا ثم تركنا نواجه مصيرنا لوحدنا بدون مساعدة حثيثة وتوجيه مستمر، فقد أرسل الرسل برسائل منطقية متوافقة مع العقل السليم الذي خلقه مجانا في رؤوس الناس، وليس ذلك فحسب بل جعل كل تفاصيل هذه الحياة التي تحيط بالإنسان آيات وعبرا ومعجزات مبهرة وخلابة، تأسر العقول وتبهر الأبصار.. مياه تنزل من السماء، وثمار تنبت من الأرض، وأرحام تصنع المواليد من ماء ..أي آيات وأي إبهار وأي إعجاز هذا يجعل حتى من لم تصله رسالة الرسل خاضعا مؤمنا مسلما بالله الخالق البديع.

- إن العقل والمنطق الذي خلقه الله للناس وفطرهم عليه كفيل بأن يؤديهم إلى توحيد الله والإيمان به حتى دون احتياج لأية حوافز أخرى ..إن خمسة دقائق من التفكير المنطقي بصدق وتجرد ستوصل أيَّ أحد إلى الله الخالق العظيم.

- إن من أهم أسباب عقاب الله للكفار بالنار يوم القيامة هو تعطيلهم هذه الأداة العظيمة التي تميزهم عن بقية المخلوقات (العقل) إن تعطيل هذه الحواس المؤدية للمنطق السليم والهداية الصحيحة هي سبب رئيسي للضلال في الدنيا والخسارة الأبدية في الآخرة: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" [67:10] ، " وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ"[7:179] .

- إن التكليف الذي ميز البشر به عن بقية المخلوقات وجعلهم أهلا لتسلم الأمانة "ِإنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا "[33:72]؛ لم يكن إجبارا لهم على دخول هذا الامتحان وتعريضهم لهذه الفتنة العظيمة التي قد تنتهي بدخولهم النار والعياذ بالله كما يدعي البعض .. بل على العكس من ذلك فإن هذا التكليف وتحميل الأمانة هذا كان تشريفا وتكريما للبشر وتمييزا لهم عن غيرهم .. يمكننا أن نعتبرها مكافأة مسبقة لو خير أحد عاقل فيها لاختارها دون غيرها.

- لقد اختار الإنسان بنفسه هذا التكليف ليس ادعاء من الله سبحانه وتعالى بدون دليل كما أخبرنا في الآية الكريمة (حاشا لله) بل لو عادت الكرة الآن وتم تخيير أي عاقل بين أن يكون جمادا أو حيوانا لا يعقل كروبوت مجبر على كل تصرفاته وليس له أي اختيار وفي الحياة الأخرة ليس له وجود، وبين أن يدخل هذا الاختبار (الحياة) مع كثير من وسائل المساعدة وكثير من الفرص للهداية: بداية بالفطرة السليمة ، والعقل المفكر ، والآيات التي تملؤ الكون، والرسل الذين جاؤوا بالرسالات، بشرط أن يتماشى مع نفسه وفطرته ويكون صادقا مع ذاته محترما لحدوده مدركا لكينونته دون تمرد أو تنمر أو شذوذ في الفكر والسلوك وفي المقابل سوف يجازى بحياة أزلية بعد ذلك في نعيم مطلق وراحة وسعادة غامرة لا تنفد ولا تنتهي ولا تتوقف .. لاختار بلا شك أن يدخل غمار هذه الحياة.. وهذا أمر منطقي ولا يمكن إنكاره أو تصور غيره.

- إذن حتى ما سلمنا به: بأن حياة الناس وتفاصيلها هي جبرية وليست اختيارا من اختياراتهم إلا أن أصل الفكرة وأساس الموضوع هو اختيارهم العقلي المنطقي المحض لهذا الأمر؛ فلو خيروا لاختاروا وهذا ما حدث بالفعل مصداقا لقول الله تبارك وتعالى: " وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ".

- إن الناس يدخلون في مقامرات نسبة النجاح فيها ضئيلة للغاية ونسبة المخاطرة فيها عالية، ولكنهم يقبلون عليها برغباتهم وفطرته المجبولة على التحدي والمغامرة، فما بالنا بهذا العرض الرائع من رب العالمين الذي ليس فيه أية مقامرة ولا مخاطر سوى القليل القليل مقارنة بما أعطى من منح وعطايا ومساعدات وهداية و..و..و..إلخ بل فوق ذلك الحسنة بعشر أمثالها والسيئة لا يجزى إلا مثلها ، والرب الرحمن الرحيم رحمته وسعت كل شيئ ويفرح بتوبة عبده ورجوعه أكثر من فرحة الأم بنجاة وليدها ...

- من الظلم البين النظر لما حبانا الله به من فرصة عظيمة لدخول جنته على أنها محاولة للإيقاع في الخطأ أو الدفع في مجاهيل وفتن أو إرادة سوء... هذا ظلم كبير وطغيان في الفكر والسلوك.

- إن المنصف يرى أن الله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة أعطى للبشر هذه الفرصة التاريخية الذهبية الرائعة لأنه يحبهم ولأنه يحرص عليهم وأن يريد لهم الخير والنجاة.

- وفي المقابل فإن ذلك الطالب المتنمر الذي لا يريد أن يستفيد من كل العطايا التي أعطيته له والفرص التي منحت له ثم لا يدرس ويرسب ويريد بكل وقاحة أن يدخل الجنة أو أن ينجح دون أدنى مراعاة لمبادئ العدالة والإنصاف والمنطق.. هذا الطالب لا يستحق أن يكافأ وعليه أن يتحمل تبعات أفعال قام بها باختياره وبمحض إرادته.. ليس من المنطقي أن يستوي العاقلون والأغبياء ولا الصالحون و المفسدون...عدل الله المطلق ورحمته الواسعة تأبى وتمنع ذلك.

- ليس من حقك أن تأخذ كل ما تريد وتتنعم بكل ما تحب ثم لا يحاسبك أحد على هذا في حين أن آخرين يصلون الليل بالنهار لينالوا ويبذلون الغالي والثمين بل ودماءهم وأنفسهم فداء لرضا الله سبحانه وتعالى ولا يكلون ولا يملون في طلب رحمته وجنته.

- هذا هو قانون العدل والرحمة والله يعلم وأنتم لا تعلمون.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا