الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

من أين جاءت عظمة شهر رمضان

الاثنين 20 رمضان 1431 - 30 أغسطس 2010 1009

الشيخ : أحمد النعسان

مقدمة الخطبة:
الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد فيا عباد الله:
هذا شهر عظيم مبارك, قد أظلَّ هذه الأمة المحمدية, قال فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما جاء عن سيدنا سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: (يا أيها الناس, قد أظلَّكم شهر عظيم مبارك, شهر فيه ليلة خير من ألف شهر).
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا ليلفت أنظار الأمة إلى هذا الشهر العظيم الذي جعله تعالى موسماً من المواسم يتقرَّب فيها العباد من الله تعالى.
من أين جاءت عظمة شهر رمضان؟
أيها الإخوة الكرام: يجب علينا أن نقف وقفة المتأمل في حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف شهر رمضان بأنه عظيم مبارك.
فمن أين جاءت عظمة هذا الشهر؟ ومن أين جاءت بركته؟
أيها الإخوة: نحن نعلم بأن الأزمنة كلها واحدة, ولكن قيمة كلِّ زمن بأحداثه, وإن شهر رمضان المبارك العظيم جاءت عظمته من خلال القرآن العظيم الذي أُنزل على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال تبارك وتعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}, وقال تبارك وتعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْر}.
فشهر رمضان المبارك شَرُف بليلة القدر, وليلة القدر شَرُفت بنزول القرآن فيها, والقرآن الكريم عظيم, كما قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم}, وقال تعالى: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيم * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُون}, فالقرآن عظيم, والقرآن مبارك, قال تعالى: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}, وقال تعالى: {وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ}.
فبركة هذا الشهر بالقرآن المبارك, وعظمته بالقرآن العظيم, ولذلك كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيماً مباركاً, لأن القرآن العظيم المبارك نزل على قلبه الشريف صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, كما قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين * عَلَى قَلْبِكَ}.
هل تريد أن تكون عظيماً مباركاً؟
أيها الإخوة الكرام: إذا عرفنا هذا فإنا نقول: هل تريد أن تكون عظيماً مباركاً؟
الجواب: قطعاً كلُّ واحد فينا يريد أن يكون عظيماً مباركاً, فمن أراد ذلك فعليه بالقرآن العظيم, عليه بتلاوة القرآن العظيم المبارك صباحاً ومساء, عليه بالتدبُّر لآيات الذكر الحكيم, عليه بالعمل بأحكام القرآن العظيم المبارك, فبمقدار تلاوة القرآن وتدبر آياته والعمل به بمقدار ما يكون الإنسان عظيماً مباركاً ببركة هذا القرآن العظيم المبارك, ومن خلال هذا كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أعظم إنسان وأبرك إنسان, كما قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن ذاته الشريفة: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) رواه مسلم, وقال صلى الله عليه وسلم: (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا فَخْرَ, وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلا فَخْرَ, وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ ـ آدَمَ فَمَنْ سِوَاهُ ـ إِلا تَحْتَ لِوَائِي...) رواه الترمذي.
صلة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالقرآن:
أيها الإخوة الكرام: سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عظيم مبارك ببركة هذا القرآن العظيم المبارك, حيث كان صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يلازم تلاوة القرآن العظيم, ويتدارسه مع سيدنا جبريل عليه السلام, روى الإمام البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ, وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ, حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ, وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ, فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ).
وسئلت أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: (كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ) رواه الإمام أحمد وغيره.
فقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ملتزماً كتاب ربِّه عز وجل في سائر أحواله.
أين صلتنا بالقرآن العظيم؟
أيها الإخوة الكرام: نحن نفرح ونبتهج بشهر الصيام شهر القرآن العظيم, ولكن أين صلتنا بكتاب ربنا عز وجل؟ أين تدبُّرنا لآيات الله عز وجل؟
إن الإيمان بالقرآن العظيم بأنه كلام الله تعالى, المنزَّل على قلب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم, بواسطة سيدنا جبريل عليه السلام, بدون عمل والتزام لا يكفي, لأن القرآن العظيم إما أن يكون حجة لنا أو حجة علينا, إما أن يكون قائداً للعبد إلى جنة عرضها السماوات والأرض, وإما قائداً ـ والعياذ بالله ـ إلى نار جهنم وبئس المصير.
القرآن العظيم المبارك يا أمة القرآن ما أنزله الله تعالى للإيمان به فقط دون عمل, فالله تعالى يقول: {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون}.
القرآن نزل ليجعل منا عظماء مباركين, ليجعل منا أمة مباركة لتكون خير أمة أخرجت للناس, ليجعل منا سعداء موفَّقين للخيرات والمبرات في الدنيا, ويجعل منا سعداء مسرورين في الآخرة.
هجر الأمة للقرآن العظيم:
أيها الإخوة الكرام: الكثير من الناس من هجر القرآن العظيم المبارك, وظن أن صلته بالقرآن العظيم هي صلة تبرُّك فقط, فجعل نسخاً من القرآن العظيم في بيته وفي محلِّه وفي سيارته للتبرك فيه وللحفظ من مصارع السوء ببركته, ثم هجر تلاوته, وهجر تدبُّره, وهجر العمل به, وهجر الاحتكام إليه, وهذا الصنف يكاد أن ينطبق عليه قول الله تعالى حكاية عن لسان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}.
بيوتنا صارت هاجرة لكتاب الله عز وجل إلا من رحم الله تعالى, بيوت الكثير من المسلمين صارت عامرة بالأفلام والمسلسلات التي تعرض على القنوات الفضائية, بيوتٌ خَرِبةٌ لا يُقرأ فيها القرآن العظيم, لذلك حُرمنا البركة من كل شيء إلا من رحم الله تعالى.
روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن كمثل البيت الخرب الذي لا عامر له).
أيها الإخوة: لنجعل من بيوتنا بيت الأرقم بن أبي الأرقم, حيث تلاوة القرآن الكريم صباحاً ومساءً, قراءة وإقراءً, تعلُّماً وتعليماً, وخاصة في شهر القرآن شهر الصيام, لأن أعداء هذه الأمة يحاولون أن يفرِّغوا صيامنا من مضمونه من خلال ما يبث على الشاشات التلفزيونية.
هل تنبَّه المسلمون لهذا أم لا؟
القرآن سرُّ سعادتنا:
أيها الإخوة الكرام: هذا شهر الصيام, هذا شهر القرآن, لنجعل صلتنا مع كتاب الله تعالى تلاوة وتدبُّراً وعملاً, وبذلك نحقِّق السعادة لأنفسنا, لأنه بهذا القرآن العظيم ينتفي عنا الخوف والحزن, والضلال والشقاء, وذلك لقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون}, ولقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى}, ولا سعادة أعظم من سعادة إنسان لا يخاف من المستقبل, ولا يحزن على الماضي, ولا يضل في عقله, ولا يشقى في حياته.
القرآن العظيم هو سرُّ هدايتنا, ألم يقل مولانا عز وجل: {إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}.
خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:
أيها الإخوة الكرام: اجعلوا شهر رمضان شهر تلاوة للقرآن العظيم, شهر مدارسة للقرآن العظيم, شهر تعلُّم وتعليم للقرآن العظيم, وتذكَّروا قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ) رواه البخاري.
أيها الإخوة الكرام: عظمة وبركة رمضان بسرِّ القرآن العظيم, فمن أراد هذا السر فعليه بالقرآن العظيم ليلاً ونهاراً, صحة ومرضاً, سفراً وإقامة.
اللهمَّ وفِّقنا لتلاوته والعمل به آناء الليل وأطراف النهار, لعلك ترضى عنا يا ربنا آمين.
أقول هذا القول, وأستغفر الله العظيم لي ولكم, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا