الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020

تجاربُ عمليَّة في تربيةِ الأطفالِ وتوجيهِ الشباب (2)

الثلاثاء 2 ذو القعدة 1441 - 23 يونيو 2020 46 اللواء الركن محمود شیت خطاب
تجاربُ عمليَّة في تربيةِ الأطفالِ وتوجيهِ الشباب (2)

-2-

وإذا كانت التربيةُ السليمة التي تؤدِّي إلى (بناء الرجال والنساء) ضروريَّةً لكلِّ مجتمع في كل زمان ومكان، فإنَّ هذه التربيةَ السليمة أصبحت قضيةَ حياة أو موت بالنسبة للعربِ والمسلمين في هذا الوقت بالذات، لأنَّ إشاعةَ الانحلالِ الخلقيِّ والفساد والترف والابتعاد عن تعاليم الدين الحنيف لا يخدم أحداً كما يخدمُ إسرائيل وأعداءَ العرب والمسلمين، إذ أنَّ الملوَّث جنسياً أو الملوث جيبياً لا يمكن أن يقاتلَ كما يقاتل الرجال.

فكيف نربي الأطفال، وكيف نوجِّه الشباب؟

وأبادرُ إلى إبرازِ أهميَّةِ: (المثال الشخصي) في التربية والتوجيه، فإذا كان المربي أو الموجِّه مستقيماً: يُطبِّق ما يَأمر به غيرَه على نفسه أولاً، ويَلتزم بما يقوله التزاماً صارماً، ويفعل ما يقوله فإنَّه ينجح في تربيته وتوجيهه نجاحاً باهراً، ويطبعُ أطفاله في البيتِ وتلامذته في المدرسة وطلابَه في الجامعة بطابعه المتميِّز ويكونُ قدوةً حسنةً لهم يقتدون به ويقتفون آثارَه ويسيرون على هدْيِه، ويكون مثلاً أعلى لهم في حياتِهم الخاصَّة والعامَّة.

مثلُ هذا المربي أو الموجِّه، يَبْني الرجال والنساء، ويُفيد دينَه وأمَّتَه ووطنه، وترتفع على أكتافه صروحُ الحاضر والمستقبل على هدى وبصيرة.

أما إذا كان المربي أو الموجِّه مُنحرفاً، لا يُطبِّق ما يَأمر به غيرَه على نفسه أولاً، ولا يلتزم بما يقوله التزاماً كاملاً، ويقول ما لا يفعل، فإنه يخفق في تربيته وتوجيهه! إخفاقاً تاماً، ويطبع أطفاله في البيت وتلامذته في المدرسة وطلابه في الجامعة بطابعه المنحرف، ويكون قدوةً سيِّئة لهم يقتدون به في النفاق، ويقتفون آثارَه في التلوُّن، ويسيرون على نهجه في التذبذب، ويكون مثلاً أدنى لهم في حياتهم الخاصَّة والعامَّة.

مثل هذا المربي أو الموجِّه، يُحطِّم الرجالَ والنساءَ، ويضرُّ بدينه وأمَّتِه ووطنه، وتنهار على يديه أعمدة الحاضر والمستقبل، وتحلُّ به وبأمثاله الكارثة على المصلحة العُليا للبلاد.

إنَّ واحداً من المربين أو الموجِّهين، يعمل بما يقول: أكثر نفعاً وأعظم تأثيراً في الأطفال والشباب من آلاف المربّين أو الموجِّهين الذين يقولون ما لا يفعلون، ولو كانوا من أبلغ الناس خطاباً وبياناً، إذ أنَّ الكلام الذي لا يُصبح عملاً في نفس صاحبِه يَبْقى كلاماً ولا يُصبحُ عملاً في نفوس الآخرين. وشتَّان بين الأقوال والأعمال.

-3-

وأبادرُ أيضاً إلى إبرازِ أهميَّة تطبيقِ تعاليم الدين الحنيف في التربية والتوجيه، وأن يكون المربي أو الموجِّه مُتمسِّكاً بهذه التعاليم، ليكونَ قدوةً حسنةً لأطفاله وتلاميذه وطلابه وجنوده وموظفيه وفلاحيه وعمَّاله، كلٌّ حسب واجبه ونطاق عمله: ربَّ أسرة، أو معلماً أو مدرساً أو أستاذاً، أو ضابطاً أو رئيساً في دائرة حكوميَّة، أو مزرعة أو مصنع...الخ.

إنَّ الدينَ الإسلامي بالإضافة إلى تعاليمه في العبادات، منهج للحياة وطريق للعمل الصالح وسبيل إلى الخير، يتضمَّن تعاليمَ مُفصَّلة تتصلُّ بالعلاقات الفرديَّة والجماعيَّة، والمعاملات بين الناس، وهي تعاليم أخلاقيَّة سامية يأمر بالعفَّة والحياء والأمانة والصدق والاستقامة، والكرم والسخاء والصبر، والشجاعة والإقدام والتقوى، والقناعة والاجتهاد في العمل والإتقان فيه، والطهارة والنظافة والعدل، والإحسان والمروءة والعفو، والرحمة والشفقة وإيثار المصلحة العامَّة على المصلحة الخاصَّة.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الدين المعاملة) [1]، وصدق عليه أفضل والصلاة والسلام: (بعثت لأتمِّم مَكارم الأخلاق).

هذا الدينُ العظيم، يأمرُ بالأدبِ والرقَّة، والتودُّد في معاملة الناس، والتوسُّط في إزالة الخلافات بين الأفراد والجماعات، والطاعة لأولي الأمر ما أطاعوا الله تعالى، واحترام الوالدين، وينهى عن سوءِ الظن والغيبة والتجسُّس والنفاق، والتولي يومَ الزحف والفحشاء والمنكر والبغي، وشرب الخمر ولعب الميسر، وأكل الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أُهِلَّ به لغير الله...الخ.

ولو مضيتُ في تعداد ما أمر به الإسلام من مَكارم الأخلاق وما ينهى عنه من الرذائل، لطال بي السرد ولخرجتُ عن صُلب الموضوع.

فإذا كان الأبوان يطبِّقان هذه التعاليم الأخلاقيَّة الرائعة، فإنَّهما بدون شك يُهيِّئان المناخَ المناسب لتربية أطفالهما تربيةً سليمة صالحةً موفَّقة.

وما يُقال عن الأبوين، يُقال عن المعلم والمدرس والأستاذ والضابط والمسؤولين في الدوائر الحكومية والمصانع والمزارع والنوادي والمساجد والمصالح الخاصَّة والعامَّة.

أما إذا كان الأبوان بوادٍ، وتعاليم الدين الحنيف بوادٍ آخر، وكان المسؤولين عن توجيه الشباب والناس عامَّة كذلك، فإنَّهم لا يؤدون واجباتِهم كما ينبغي في التربية والتوجيه، لأنَّ فاقدَ الشيء لا يُعطيه، وواقعنا المرير خير دليل على ما أقول.

وصدق إمام المربِّين وسيدُ الموجِّهين رسولُ الرحمة ونبي الأمَّة عليه أفضل الصلاة والسلام: (من خاف على عقبه وعقب عقبه، فليتق الله) [2].

[للمقالة تتمة في الجزء التالي]..

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي السنة السابعة، جمادی الأولی 1391 - العدد 77 ‏

**** 

الهوامش: 

1- لعله لا يثبت هذا حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم. 

2- لم أجده في المراجع الحديثية المتوفرة، فلعله لا يثبت حديثاً، والله أعلم.

الحلقة الأولى هـــنا

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا