الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

الزكاة

الاثنين 20 رمضان 1431 - 30 أغسطس 2010 1091

بقلم : الشيخ مجد مكي

 

ها هو رمضان قد أوشك على الوداع، وها أنتم متأهبون لتوديعه بصنوفٍ من الخيرِ والبر، ومظاهرِ الإحسان والعونِ، أبرزها إخراج الزكاة، وما أروع تلك الروح التي تغمر المسلمين في رمضانَ، حبٌ وتعاونٌ، وإسعافٌ وإنفاقٌ، كأنما شمل رمضان القلوب فصامت عن الشح، وشمل الأيدي فصامت عن البخل، وشملَ الأموالَ فصامت عن الاستقرار، فإذا هي تنتقل من جيبٍ إلى جيبِ، ومن بيت إلى بيتٍ حتى إذا جاء العيدُ رأيت الوجوه طافحةً بالبشر، والأجسام كاسيةً بالنعمةِ، والأيدي متصافحةً متعاهدةً على الحب... هكذا كنا نشهد استقبال الناس لرمضان وتوديعهم له ، وما زالت هذه السنَّة الحسنة قائمةً موجودةً في أكثر بلاد المسلمين، ولا شك أن بقية الإيمانِ التي حرَّكت آباءنا وأجدادنا إلى البر والخير و إخراجِ الزكاة في رمضان لا تزال كامنةً في نفوسنا تدفعنا إلى أن نفعل فعلَهم، ونستقبل شهرنا بمثل ما كانوا به يستقبلون ، ونودعه بمثل ما كانوا يودعونه.
وليس للزكاة في الإسلام شهرٌ معيَّنٌ يجب إخراجها فيه، ولكننا نغتنم فرصةً من فرصِ الطاعةِ لتذكير الناس بعمل من أجل أعمال الجدود، ونظام من أحكم الأنظمة للقضاء على الفقر والبؤس والحرمان.
الزكاة فريضة إلهية وعبادة مالية:
 إن للزكاة طبيعةً وخصائص فهي فريضة إلهيَّة، وضريبة مقدَّسة، وعبادة مالية خالصة فيها بذل المال الذي هو شقيق النفس وعصب الحياة وفتنة الحياة الدنيا.
والزكاة في اللغة: النمو والبركة وزيادة الخير، وهي في اصطلاح الشرع: اسم لقدرٍ مخصص، قدَّره الشرع للفقراء، من مال مخصوص وهو النصاب المقدر شرعاً، يجب صرفه للأصناف الثمانية التي عينتهم الآية مصارف للزكاة:[إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] {التوبة:60}.
الهدف التعبدي والاقتصادي:
ومن معنى الزكاة في اللغة، وتعريفها في اصطلاح الشرع نجد للزكاة مدلولاً مزدوجاً.
إنها تزكية وتطهير للروح، وهي هنا ذات هدفٍ روحيٍ وتعبديٍ، تزكِّي نفسَ مؤديها وتدربه على البر بالغير، وتطهره من سيطرةٍ البخل والشح عليه...
والزكاة كما هي طهارةُ للنفس وتزكيةٌ لها هي تطهير لمال الغني وتنمية له والهدف هنا اقتصادي نفعي، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه ابن خزيمة في صحيحه: (إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره). وبقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو داود: (حصنوا أموالكم بالزكاة) وما أحوج الأغنياء إلى هذا التحصين وهذا التطهير، لاسيما في عصرنا الذي عَرَف المبادئ الهدامة، والثورات الحمر، فتطهير مالِ الفرد من النقص والمحق، وعروض الآفات لا يكون إلا بأداءِ الزكاة .
الله طيب لا يقبل إلا طيباً:
ولا يحسبنَّ واهمٌ أن الزكاة تطهر المال الحرام، وأن الزكاة كفارةُ للغاصب عن إثم غصبه، وللمرتشي عن جريمة رشوته، وللمرابي عن نجاسة رباه، هيهات هيهات لما زعموا، فإنَّ المال الحرام لا تقبل منه زكاة، وإن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً. وقد روى الإمام أحمد قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يكسب عبد مالاً حراماً، فيتصدق به فيقبل منه، ولا ينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتركه خلف ظهره، إلا كان زاده إلى النار، إنَّ الله لا يمحو السيء بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث).
علاج مشكلة الفقر:
من معجزات هذا الدين، ومن الدلائل على أنه من الله تعالى، وعلى أن الرسالة الخالدة: أنه سبق الزمن، وتخطَّى القرون، فعني بعلاج مشكلة الفقر ورعاية الفقراء، دون ثورة منهم ولا مطالبة بحقوقهم، ولم تكن عنايته هذه عناية سطحية أو ثانوية في تعاليمه وأحكامه، بل كانت من خاصة أسسه، وصلب أصوله... فلا عجب أن كانت الزكاة ثالثة دعائم الإسلام، وأحد أركانه العظام، وشعائره الكبرى، وعباداته الأربع...
الدخول في الإسلام:
وقد جعل القرآن الكريم الزكاة مع التوبة من الشرك وإقامة الصلاة، عنوان الدخول في الإسلام واستحقاق أخوة المسلمين، والانتماء إلى المجتمع الإسلامي، قال تعالى في شأن المشركين المحاربين: [فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] {التوبة:5}. وقال سبحانه:[فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ] {التوبة:11}.
فلا يتحقَّق لكافر الدخول في جماعةِ المسلمين، إلا بالتوبة عن الشرك وتوابعه، وإقامة الصلاة التي هي الرابطة الدينية الاجتماعية بين المسلمين، وإيتاء الزكاة التي هي الرابطة الاقتصادية بينهم.
الجمع بين الصلاة و الزكاة:
ومن يتتبعُ آيات القرآن الكريم يجد أنَّ الزكاةَ قُرنت بالصلاة في ثمانية وعشرين موضعاً، وهذا دليل على كمال الاتصال بينهما، فقال تعالى:[وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ] {البقرة:43}.فالصلاة عمود الإسلام من أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمَها فقد هدم الدين، والزكاة قنطرةُ الإسلام، من عبَر عليها نجا، ومن تجاوزها هلك: (قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أمرتم بإقامةِ الصلاةِ، وإيتاء الزكاة، ومن لم يزك فلا صلاةَ له).
الزكاة محك الإيمان:
لقد جعل القرآن الكريم إيتاءَ الزكاةِ من أوصاف المؤمنين والمحسنين والأبرار المتقين، وجعل منعها من خصائص المشركينَ والمنافقين، فهي محكُّ الإيمانِ، وبرهانُ الإخلاصِ، وهي فيصل التفرقة بين الإسلام والكفر، وبين الإيمان والنفاق، وبين التقوى والفجور.
الانتظام في عقد المؤمنين المفلحين:
فبغير إيتاء الزكاة لا ينتظم المرء في عَقِد المؤمنين الذين كتب الله لهم الفلاح، وضمن لهم ميراث الفردوس، وجعل لهم الهدى والبشرى، فقال سبحانه [قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4) ]. {المؤمنون}..
وقال تعالى [هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ (3) ]. {النمل}..
الدخول في زمرة المحسنين:
وبدون الزكاةِ لا يدخل في زمرة المحسنين المهتدين بكتاب الله تعالى، والذين قال فيهم [هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ(3) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4) ]. {لقمان}..
مفارقة المشركين والمنافقين:
وبدون الزكاة لا يفارق المشركين الذين وصفهم القرآن بقوله [وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ(6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ(7) ]. {فصِّلت}..
وبغير الزكاة لا يتميز المنافقين الذين وصفهم الله بأنهم:[وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ (67)]. {التوبة}. . أي: عن الإنفاقِ: [وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ] {التوبة:54}.
رحمة الله:
وبغير الزكاةِ لا يستحق رحمةَ الله التي أبى أن يكتبها إلا للمؤمنين المتقين المؤتين للزكاة. قال تعالى:[ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ] {الأعراف:156} .
ولاية الله ورسوله والمؤمنين:
وبدونِ الزكاة لا يستحقُّ ولايةَ الله ولا رسوله ولا المؤمنين. قال تعالى:[إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ] {المائدة:55}.
نصر الله:
وبدون إيتاء الزكاة لا يستحق نصر الله الذي وعد به من نصره: [وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ] {الحج}..
عقوبة مانع الزكاة:
ولقد توعَّد الإسلام بالعقوبة الشديدة والعذاب الغليظ كلَّ من منع هذه الزكاة، لينبه بهذا الوعيد القلوب الغافلة، ويحرك النفوس الشحيحة، ويسوقها بعصا الترغيب والترهيب إلى أداء الزكاة طَوْعاً، وإلا سيقت بعصا القانون وسيف السلطان كرهاً، يقول الله تعالى مهدداً الكانزين للذهب والفضة الذين لا يؤدُّون منها حق الله:[ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ] {التوبة:35}.
روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاتَهُ، مُثِّل له يوم القيامة شجاعاً أقرعَ له زبيبتان ـ نقطتان سوداوان فوق العينين وهو أخبث الحيات ـ يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه ـ أي : بشدقيه ـ ، ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية:[وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ] {آل عمران:180}.
وروى مسلم أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ( ما من صاحب ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدي حقَها، إلا جُعلت له يوم القيامة صفائح، ثم أُحميَ عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، وجبهته، وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضي بين الناس، فيرى سبيله إما إلى الجنةِ وإما إلى النار، وما من صاحب بقرٍ ولا غنم لا يؤدي حقها إلا أتي بها يومَ القيامة تطؤه بأظلافها، وتنطحه بقرونها، كلما مضى عليه آخرها رُدت عليه أُولاها، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار).
العقوبة الدنيوية الكونية القدرية والشرعية القانونية لمانع الزكاة:
ولم تقف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عند حد الوعيد بالعذاب الأخروي لمن يمنع الزكاة، بل هدَّدت بالعقوبة الدنيوية كلَّ من يبخل بحق الله وحق الفقير في ماله، روى الطبراني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما منع قومٌ الزكاةَ إلا ابتلاهم الله بالسنين) أي: بالقحط والمجاعة. وفي حديث ثان: (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا) وهذا كلُّه في العقوبة الكونية القدرية، وهناك عقوبة دنيوية أخرى، هي عقوبة شرعية قانونية، وهي التي يتولاها أولو الأمر في المجتمع المسلم، وفي هذه العقوبة جاء قوله صلى الله عليه وسلم كما في مسند أحمد والنسائي وأبي داود: (من أعطاها مؤتجراً فله أجره، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله، عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء). فمن غلب عليه الشح وحبُّ الدنيا، ومنع الزكاة لم يترك وشأنه بل تؤخذ منه قهراً، بسلطان الشرع، وقوة الدولة، وبمصادرة نصف ماله تعزيراً وتأديباً لمن كتم حق الله في ماله، ودعا لغيره أن يسلك سبيله.
قتال مانعي الزكاة:
ولم يقفِ الإسلام عند عقوبة مانع الزكاة بالعقوبة الكونية القَدرية وبالغرامة المالية أو بغيرها من العقوبات التعزيرية، بل أوجب سلَّ السيوف وإعلان الحرب على الممتنعين المتمرِّدين عن أداء الزكاة، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عَصَموا مني دماءَهم وأموالهم إلا بحقِّ الإسلام وحسابهم على الله).
وفي عهد الخليفة الأول لرسول الله صلى الله عليه وسلم تمرَّدت قبائل شتَّى من العرب على أداءِ الزكاة، واكتفوا من الإسلام بالصلاة دونَ الزكاةِ، فكان موقف أبي بكر الصديق موقفاً تاريخياً فذاً فلم يقبل التفرقة أبداً بين العبادة البدنية (الصلاة) والعبادة المالية ( الزكاة)، وأعلن بعزيمة وإصرار (والله لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإنَّ الزكاة حقُّ المال، والله لو منعوني عَنَاقاً ـ أي سخلة، وهي الأنثى من أولاد المعز ـ كانوا يؤدُّونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها).
القتال دفاعاً عن حقوق الفقراء والفئات الضعيفة في المجتمع:
وبهذا الموقف الخالد ـ موقف أبي بكر رضي الله عنه ـ تقرر في الواقع التاريخي ـ أن الدولة الإسلامية هي أول دولةٍ تقاتل من أجل حقوق الفقراء والمساكين والفئاتِ الضعيفة في المجتمع التي طالما أكلتها الطبقات القوية، ولم تجد عوناً لدى الحكام الذين كانا يقفون دوماً في صف الأقوياء والأغنياء.
حكم منكر فريضة الزكاة:
وإذا كان هذا هو مكان فريضة الزكاة من شرائع الإسلام، فقد قرَّر العلماء: أن من أنكرها، وجحد وجوبها، فقد كفر، ومرق من الإسلام، كما يمرق السهم من الرمية، وجرت عليه أحكام المرتدين من الاستتابة والقتل، لأن وجوب الزكاة معلوم من دين الله تعالى ضرورة، فمن جحد وجوبها فقد كذب الله، وكذب رسوله صلى الله عليه وسلم فحكم بكفره، وبهذا الحكم الشرعي الواضح الصريح المجمع عليه نعرف مكان أولئك الذين يحقرونَ من شأن الزكاة، ويجهرون بأنها لا تصلح لهذا العصر، وهم أبناء مسلمين، ناشئون في قلب ديار الإسلام، إنها ردة ولا أبا بكر لها.
الأهداف الإنسانية والأخلاقية والروحية للزكاة:
إن هناك أهدافاً إنسانية جليلةً ومثلاً أخلاقية رفيعة، وقيماً روحيةً عليا قصدَ الإسلام إلى تحقيقها من وراء فريضة الزكاة، وحين طبق المسلمون في العصور الأولى هذه الفريضة تحققت هذه الأهداف الجليلة، وبرزت آثارها في حياة الفرد والمجتمع.
إنَّ الزكاة فريضة مادية ومع ذلك يربطها الإسلام بأصل الإيمان، ويجعلها ركناً من أركانه، وعبادة من عباداته، فالقرآن الكريم يذكر الزكاة في أصول الإسلام الأولى:[وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ] {البيِّنة:5}.
فالزكاة يقوم بها المسلم بوصفها عبادة لله يرجو عليها حسن الجزاء في الآخرة، يرجو منها نماءَ المال في الحياة الدنيا بالبركة.
تطهير النفس من الشح والبخل والحرص:
ومن ثمرات الزكاة في المزكي أنها تطهره من رجس الشح والبخل، ومن ربقة الحرص والأثَرَة، فتحرر روحه من حبِ المال الذي يقبض الأيدي عن الإنفاق، ويقبض النفوس عن الأريحية، ويقبض الأرواح عن الانطلاق، فالزكاة تطهر صاحبها من خبث البخل المهلك، والشح المقيت، وتحرره من ذل التعلق بالمال والخضوع له، ومن تعاسة العبودية للدينار والدرهم، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يصبح جمع المال هدف الإنسان ومحور حياته، فقد روى البخاري قوله صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
التدريب على البذل والعطاء :
وكما أن الزكاة تطهيرٌ لنفسِ المسلم من الشح وحبّ الدنيا، فهي أيضاً تدريبٌ له على خلق البذل والإعطاء والإنفاق... والمسلم الذي يتعوَّد الإنفاقَ وإخراج زكاةِ زرعه كلما حصده، وزكاة ماشيته ونقوده كلما حال عليها الحول. هذا المسلم يصبح الإعطاء والإنفاق صفة أصيلة من صفاته، وخُلقاً عريقاً من أخلاقه ومن ثَم كان هذا الخلق من أوصاف المؤمنين المنفقين: [الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ] {البقرة:3}.
أهمية موارد الزكاة المالية:
إنَّ الزكاة ليست مورداً هيناً أو ضئيلاً إنها نسبة اثنين ونصف بالمائة من النقود والثروات الخاصة، وعلى نحو هذا المقدار تقريباً من الثروة الحيوانية التي تقتنى للدرِّ والنسل، وهي العشر أو نصف العشر من الحاصلات الزراعية.. ولقد ذكر بعض المزارعين أنَّ المحصول الزراعي في سورية يعطي مورداً من الزكاة كل سنة أكثر من ستمائة مليون ليرة سورية، وهذا المقدار في سنة 1395هـ وقد تضاعف في أيامنا هذه هذا من صنف المزروعات وحده فكيف إذا أضفنا إلى صنف المزروعات أصناف المواد الأخرى. فإن أموال الزكاة تصل إلى رقم كبير يفوق حدَّ التصور... وهي كافية لينعم كل فرد بنعمة الكفاية... فقدِّروا كم تبلغ ثروة مدينة كحلب مثلاً وكم يبلغ نصاب الزكاة فيها كل سنة، وكم تستطيع حلب بأموال الزكاة أن تنشئ لفقرائها وعمالها من المستشفيات والمدارس والمصانع والبيوت؟ وكم ترفع من مستوى مئات العائلات في كل سنة.
السلام والمحبة والإخاء:
ومن ثمرات الزكاة أنها تربط المجتمع برباطٍ متين من السلام والمحبةِ والإخاء فإن الفقراء، إذا علموا أنَّ الرجل الغني يصرف إليهم طائفة من ماله ويسعى في جلب الخير إليهم ودفع الضر عنهم، أحبوه لا محالة، فإن القلوب جُبلت على حُبِّ من أحسن إليها وبُغْض من أساء إليها..
التطهير من داء الحسد والكراهية:
وكما أن الزكاة تجلب المحبة والإخاء فهي تطهر من داء الحسد والكراهية، فالإنسان إذا عضتُه أنياب الفقر ودهته داهية الحاجة، ورأى من حوله يعيشون في النعيم ولا يمدون له يد العونِ، بل يتركونه لمخالب الفقر وأنيابه فإنه سيحقد ويحسد ويغلي قلبه كراهية وغيظاً ونقمة... من أجل ذلك فإنَّ الزكاة حلٌّ ميسور يخفف الأحقادَ ويلطف من حدة الصراع ويحقق التآزر بين القادرين والعاجزين فيتحول المجتمع إلى أسرة واحدةٍ يسودها التكافل والتعاون والسلام...
وبعد ذكر هذه الثمرات والفوائدِ التي يجنيها الفردُ المزكي، وتجنيها الأمة المؤمنة من تطبيق الزكاة... أقول: إنَّ ما ذكرته ليس استقصاء لفوائد الزكاة، بل هي بعض ما يدركه عقل الإنسان المحدود القاصر، وهو ينظر في نظام وضعه رب العالمين، نظام إلهي يصلح أيَّ أمة تطبقه ويجعلها خير أمة أخرجت للناس.
تكامل النظام الإسلامي:
وإن النظام الإسلامي كلٌّ متكامل، والنظام الاقتصادي جزء منه، لا يصلح هذا الجزء للتطبيق إلا أن يؤخذ الإسلام كله، ولا جدوى لأيِّ مجتمع يأخذ نظام الزكاة كجزء من نظام الاقتصاد في الإسلام، أو يأخذ نظام الاقتصاد كجزء من الإسلام، بل لا بد أن يأخذ الإسلام كله بجميع مبادئه وأجزائه لنجد الثمرات والفوائد كاملة، وعندها يمكن أن نُسمِّي هذا التطبيق الكلي إسلاماً.
الزكاة تنظيم اجتماعيّ:
ليست الزكاة في الإسلام صدقةً يخير المكلف بأدائها، ولا نافلةً يمنُّ مخرجها على الناس بإخراجها... كلا إنها ليست إحساناً فرديا، وإنما هي تنظيمٌ اجتماعيّ تُشرف عليه الدولة، ويتولَّاه جهاز إداري منظم، يقوم على هذه الفريضة الفذة جباية ممن تجب عليهم، وصرفاً إلى من تجب لهم، وأبرز دليل على ذلك أن الله تعالى ذكر هؤلاء القائمين على أمر الزكاة وسماهم (العاملين عليها).
فلم يترك أمر الزكاة للناس يدفعونها متى شاؤوا ولمن أرادوا، وفي الصحيحين أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذٍ حين أرسله إلى اليمن: (أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تُؤْخذ من أغنيائهم فتردُّ على فقرائهم ) فبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ الشأن في الزكاة أن يأخذها آخذ ويردها رادٌّ، لا أن تُترك لاختيار مَنْ وَجَبَت عليه.. وهذا الذي جاءت به السنة القولية، أكَّدته السنة العمليَّة، والواقع التاريخي الذي جرى عليه العمل في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده..
وقيام الدولة بوظيفة جَمْع الزكاة وتوزيعها يقطع الطريق على البخلاء الذين تُحدِّثهم نفوسهم بمنع الزكاة، ويمنع تجريح العواطف والمشاعر بسبب المنِّ والأذى، فالفقير يأخذ نصيبه من الدولة كما يأخذ الموظف راتبه... وقيام الدولة بالجباية والتوزيع يمنع الفوضى، ويوصل المال إلى مستحقيه.
أما اليوم فإننا نجد النظام الإسلامي في كثير من جوانبه مهملاً معطلاً ونجد التشريع الإسلامي بمجمله غريباً مطارداً..
لقد أبعد التشريع المدني الإسلامي ليباح الربا، ويفسح المجال للمرابين اليهود، وأشباه اليهود، وتأذن الأمة بحرب من الله ورسوله.
وأبعد كذلك التشريع المالي الاجتماعي الإسلامي، فعطلت فريضة الزكاة في بعض بلاد المسلمين. حتى أصبحت الزكاة لا مكان لها في تشريعاتنا المالية والاجتماعية... ويتحتم على كل حكومة تتبنى الإسلام في هذا العصر أن تهتم بأمر الزكاة، وأن تنشء مؤسسة لتقوم بجباية الزكاة. هذا فرض لازم في عنق الحكومات التي تنتسب إلى الإسلام، وفرض على شعوبها أن تطالبها بذلك وتدعوها إليه... وليس هذا في فريضة الزكاة فقط، بل في كل شرائع الإسلام التي أمر الله أن تُتبع وتُلتزم..
فإذا لم تستجب لذلك الحكومات وبعبارة أوضح: إذا لم توجد الحكومة التي تلتزم نظام الإسلام للحياة، وإنما توجد حكومات علمانية، أدارت ظهرها لشريعة الإسلام، وأسقطت شأن الزكاة من حسابها، واتجهت إلى الضرائب المدنية التي تؤخذ من الفقراء وترد على الرؤساء والأغنياء والأقوياء..
فما على المسلم إلا أن يؤدي زكاة ماله، وليعلم أن ما يدفعه للدولة من الضرائب لا يُغْني عن الزكاة، ولو نوى عند دفع الضرائب أنها زكاة.
وإذا كنا نحاول إصلاح الأوضاع السيئة في مجتمعاتنا وتحقيق المساواة في الكرامة الإنسانية بين أبناء قومنا. أفلا يجدر بنا أن نرجع إلى الزكاة نستعملها سلاحاً ماضياً نحارب به مآسي القسوة والبخل والشقاء والحرمان...
عهد عمر بن عبد العزيز:
وهذا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الذي كانت ولايته ثلاثين شهراً في سنتين ونصف اختفت مظاهر الفقر والعوز، لأنه حمل الناس على سلوك الحق، واتباع الشريعة وإخراج الزكاة فيحدثنا يحيى بن سعيد أحد عماله بقوله: (بعثني عمر بن عبد العزيز على صدقات أفريقية فلم نجد بها فقيراً ولم نجد من يأخذها مني).. وكان منادي عمر ينادي كل يوم: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى.. حتى أُغني كلاً من هؤلاء.
إن سيرة عمر بن عبد العزيز شاهدٌ من التاريخ على أن تطبيق الزكاة يحقق مجتمع العدلِ والكفايةِ والرفاهيةِ.
نداء إلى الأغنياء الموسرين:
وأنتم أيها الأغنياء الموسرون ما أموالكم ولا ملذاتكم ولا أولادكم بالتي تقرِّبكم إلى الله زلفى، وتجعل لكم في التاريخ ذكراً عطراً، كلا إنما الذي يقربكم إلى الله العمل الصالح، وإنما يعطِّر ذكركم بأن تردوا إلى هذا الشعب البائس حقه من أموال الزكاة، وإلا فهل تنتظرون إلا ثورةً نفسيةً كامنة تلتهب عن طريق الأيدي الأثيمة ؟ وهل تنتظرون إلا حكومة كحكومة أبي بكر تأخذ الزكاة منكم حرباً بعد أن أبيتم إعطاءها سلماً؟
فيا أيها الموسرون والأغنياء.. إني أستحلفكم بإيمانكم بالله واتباعكم لرسوله وتصديقكم بكتابه أن تخرجوا الزكاة كاملة غير منقوصة، وأن تجتهدوا في وضعها في مكانها الذي قدَّره الإسلام حتى تلقوا الله بقلب سليم وعمل صالح مقبول.
فإذا ما أدَّيتم حقَّ الله في هذا المال فإنكم تستأصلون من العقول والأفكار خداع المبادئ البراقة، وتهزمون بتطبيق هذه الفريضة الدَّجَل الشيوعي وكذب المذاهب المادية المستوردة... وتكونون في الوقت نفسه قد رسختم في المجتمع الإسلامي قواعد العدالة الاجتماعية.. واستأصلتم من أرضه شأفة الفقر والجهل والحرمان.
[وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ] {التوبة:105}
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
خطبة ألقيت في جامع السلام بحلب في 23/شعبان/1398هـ
الموافق 28/تموز/1978م.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا