الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020

شيخ المجاهدين (عبد القادر منصور الحجار) (7)

الأربعاء 12 شوال 1441 - 3 يونيو 2020 91 عبد القادر منصور
شيخ المجاهدين (عبد القادر منصور الحجار) (7)

حزمة من شمائل القائد:

ومثله يتمتع بشمائل جمة، تدوَّن للأجيال-أسوةً ودرسًا- إذِ الثورة: قائد واحد ملهم مهيب. ومنهج: جامع محكم منيع. والقائد الناجح: لن يكون قائدا بلقلقة لسان، وبرامج وهمية، تغرد خارج السرب، وإنما هو شخصية جمَّاعة مهيمنة حكيمة، نزيهة صادقة، متوافق عليها لدى الجميع؛ وتصطبغ بشمائل هي بمثابة مؤهلات قيادية فطرية.

والمنهج المحكم الجامع: هدفه الأوحد، طرد المحتل، وبناء دولة حرة، يضم بين صفحاته استراتيجية مراحلية مكشوفة معروضة على الشعب. وبدونهما: ما هي إلا عبث ولعب ومنافع ولعنات. فهل المترجم من هذا القبيل؟ 

ووفق ما سمعته من أصحابه وذويه، يمكن تلخيص شمائله بالآتي:

-كان هامة مهيبة:

إذا مر بطريق لا تسمع له ركزا، كلهم يتخافت ويلقي التحية، وكأنه أمام مسؤول عسكري مرموق، لكنه قائد مدني سلاحه أخلاقه. نظر إلى صورته بعض أصحابي فقالوا: الصورة ترعد فرائصنا !! فكيف لو رأيناه حيا !!

وشهدتُ تلك الشمألة وأنا يفاع، حيث كانت تصطحبني جدتي الحلبية للتسوق، فكلما مرررنا بمتجر بمحيط حي قاضي عسكر، قام صاحبه، ليلقي التحية علينا، ويقول: رحم الله الزعيم!

ويسرد علينا بعضا مما حفظ من أخباره.

-مخيفًا في الحق: لا يهادن ولا يداهن.

وحين عودته بعفو من حكومة الانتداب، لم يدنُ من حياضها، ولم يرضخ لمطالبها؛ لأنه غير راض عن معاهدة الاستقلال المنقوصة. فلذلك استمر بالمقاومة السرية، وإدخال السلاح عبر قنوات التهريب، وكانت حكومة الانتداب ترصده من كثب، وتتبع تحركاته حتى ظفرت به، وصادرت له شحنة سلاح كبيرة، فكانت القاضية، فلم يعش بعدها سوى ثلاثة أيام.

- كريمًا جوادًا:

يبذل ما بيده- إذا سئل- دونما حساب، ويؤثر على نفسه وأهله، ولو كان بهم خصاصة. وثمة شاهد على ذلك بما صنعه مع امرأة سائلة، على باب جامع قاضي عسكر، بعد خروجه من الصلاة. أقصه –لاحقا- بمشيئة الله.

-أمعزَ الرأي:

ويمعز أن تُذكر مكارمه، أوتُعد مناقبه، وما أكثرها! ... فهو يعمل بصمت، ويتصيَّد الرأي عند المشورة؛ ولا أحد يدري ما برأسه، إلا عند العمل. وهذا ما جعله ناجحا وظافرا في إدارة الأمور، ومعالجة المشاكل.

-طويل الصمت، دائمه:

لا يتكلم إلا بما ينفع، آخذًا بحديث "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت". الهزل يجانبه، والجد لازب به، تعلوه هالة جدية غير عادية، لا أحد يمازح في مجلسه، وإذا وقع الإخلال بمروءة، زجر وأنَّب، ما كشر بوجه أحد كما يقال. 

-مقدامًا مغامرًا:

لكنه بحساب، فينأى عن التهور، ومهاوى التهلكة، ويشهد لذلك: قصة هروبه من سجن الاحتلال، وحكاية الصندوق المتقدمة؛ وكذلك معركة المسلخ السالفة الذكر.

-عدوه: يُجله ويوقره:

ولن يفعل العدو بمقاومه هكذا، إلا بعدما يطلع على شمائل رجولية، وصفات إنسانية، ضافية عليه، ويشهد لذلك قصة حادثة بساتين الجانكية المتقدمة؛ بل كان المحتل يُقر له بالشجاعة والشهامة، ويقدره قدره، ويرفع له القبعة. ولهذا شاهد نورده في محله.

-يجمع بين صفتين متقابلتين:

والجمع بين صفاتين متعاكستين، لدليل بين على كمال الرجولة(الشدة والليونة). ولكل منهما وقت ومحل. إذ يحكى عنه: أنه كان شدّيدا جلدا، ذو مِراس في مواجهة الأمور، مع المتجاوزين والأعداء. وبالمقابل: كان طيِّعا، سلِسا سهل المِراس مع الضعفاء . فالعجب كل العجب، في الجمع بين صفتين متقابلتين متعاكستين.

وإدارتهما تتطلب إدارة حكيمة واعية متمرسة، لن نجدها في كل شخصية، حتى لو كانت مرموقة مشهورة، وهذا يذكرني بعمر بن الخطاب خليفة المسلمين بعد أبي بكر: أنه كان كذلك!! وكان يغلب عليه الشدة. وكان وقت تطلب اللين، رائدا مثالا فيه.

وأبو بكر: كان مطبوعا بالليونة، ولكن حين يجد الجد، يظهر الشدة في حروب الردة، فكان جامعا بينهما كذلك. ومعلمهم الأول ومربيهم رسول الله.

سَمْح، ليِّن العريكة:

وذلك في لبوس الرجولة والمهابة. ويشهد له تعامله مع الأنثى: حيث كان طيِّعًا لها، وطيعة له، وما زلت أتعجب من جمعه بين زوجتين: إحداهما: كبيرة. وهي الحلبية. واسمها: جميلة. والأخرى: صغيرة. وهي التركية. واسمها: مرسين. وعايشتهما طفلا فشابا، فكلتاهما يد واحدة. وكلتاهما تكمل الأخرى. والصغرى- وهي التركية- أكثر اتزانا وعقلا، وهي أم أولاده جميعا.

وأشد تعجبا!! ذاك التناغم والانسجام، بينه وبين زوجته الصغيرة، والتي- حين تزوجها- لم تتجاوز(13) سنة، وهو بهذه الهامة، وتلك الرجولة، والشخصية المرعبة، إذ عرفت قدره، فأوعبته، وحضنته، فلم تسمع مشكلة واحدة، صدرت عنها، وبقيت على العهد، فلم تر أحدا يحل مكان زوجها، حتى رفضت الزواج بعده - وهي الصبية الفتية.

حكاية الزوجة مرسين، مع الزعيم الجديد:

واشتهرت حكاية بهذا الصدد، فبعد رحيل شيخ المجاهدين، حل زعيما لحي قاضي عسكر، رجل اسمه(فيصل خلوف)، إذ لم يبق من رجالات طبقته أحد، والزعيم الجديد، لم يكن من المجاهدين، ولا تاريخ له، وكما يقول المثل: صفا لكِ الجو، فبيضي واصفري. وفقدت الزعامة قيمتها ورسالتها؛ بعدما كانت تحمل رسالة قيادية، تنظم الحياة بين الناس، وتقود المجتمع وتنصره ضد المحتل.

والحكاية: اِعترض الزعيم الجديد-مرة- جدتي الصغيرة التركية وهي في الطريق، فعرض عليها الزواج، ليقوي من مكانته، و يرفع من شأنه، فردَّته-رافضة-بمثل حلبي تهكمي: "يا فيصل !...كيف تجرؤ على هذا؟ فأنا بعد حصان أبو غرة، أقبل ببطبط خرَّا.... وبالعامية: ماباخد بطبط الخَرّا".

وكان ردها كالصاعقة، نزلت على رأس الزعيم، فلم يكن يتوقع منها أبدًا مثل هذا ، لجهله بمكانتها وعقلها، واستغلال ظرفها أنها غريبة، لا أهل ولا عصبة، فكان متسرعا متهورًا، ظانًا: أنه زعيم بحق.! 

وسار الخبر كالهشيم، فبدل أن يرفع من قدره، هوى على أمه من علٍ.

فمثلها يليق بشيخ المجاهدين فقط، وغيره: لا....

وهذا المثل الحلبي تهكمي فظيع، إذ يقول الأسدي : بٔطبٔط: عربية: بطبط البطّ: صوّت، وهم استعملوها لحكاية صوت التغوّط أيضاً. قال في(القول المقتضب): "بطبط . أي: حصل له إسهال". الموسوعة(129).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا