الاثنين 21 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019

من هو فاتح البصرة - فاتح البصرة

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 4154

من هو فاتح البصرة

للأستاذ: طاهرالنعساني

تاريخنا حافل بذكر الرجالات الذين استطاعوا أن يسطروا لهم صفحة خالدة في الفتوح الإسلامي، ولكننا شغلنا عن ذكرهم ومآثرهم وما قاموا به من الأعمال المجيدة، شغلنا عن ذكرهم لأبنائنا في مدارسنا وفي أنديتنا ومجتمعاتنا، وزاحمت هذه الذكريات المجيدة ذكريات لا تمتُّ إلى الإسلام والعرب بسبب من الأسباب أعتقد أن تلك جريمة يلحقنا إثمها ووزرها أبداً ما حيينا ودهراً ما عشنا.

هل يعلم أبناؤنا شيئاً عن "عُتْبة بن غزوان" ومن هو عتبة ؟ إذا ما سألناهم! لا، لا.

يعلمون عن ترجمة أمثال نابليون وغيره من الأمم الأجنبية الشيء الكثير، أما أن يعرفوا شيئاً عن أمثال عتبة وغيره من رجالنا الأفذاذ المغاوير المغامرين فلا!.

منَْ هو عتبة بن غزوان؟

هو ابن جابر ينتمي لمضر، ويكنى أبا عبد الله، قديم الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة حين كثر الاعتداء على المسلمين من كفار قريش، وشهد بدراً مع رسول الله، وأبلى فيها بلاءً حسناً ولم يترك مشهداً من المشاهد مع النبي إلا شهده، ويصح أن نعده بطلاً من أبطال الإسلام لا يقرع أنفه.

وفي خلافة عمر بن الخطاب لم يترك الغزو، فقد شهد مع سعد بن أبي وقاص وقائع القادسية، ولما انهزم الأعاجم أمام جيش الفتح تلك الهزيمة الشنعاء، كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن وقاص أن يضرب قيروانه ـ أي : قافلته ـ بالكوفة، وأن ابعث عتبة بن غزوان إلى أرض الهند، فإن له من الإسلام مكاناً، وقد رجوت جزاءه عن المسلمين ـ والبصرة تُسمَّى يؤمئذ أرض الهند فينزلها ـ وبالطبع هي: باب الهند، ومنها تشدُّ الرحال إليها ، ويتخذ بها للمسلمين قيرواناً ولا يجعل بيني وبينهم بحراً، فصدع سعد بأمر عمر بن الخطاب ودعا إليه عتبة بن غزوان، وأخبره بكتاب عمر، فأجاب إلى ذلك ملبياً دعوة أمير المؤمنين غير مستشير ولا متوقف ـ وهل يعرف التوقف عتبة إذا ما دعا داعي الجهاد؟. ـ

خرج من الكوفة في ثمانمائة رجل فساروا حتى نزلوا البصرة ـ وإنما سميت البصرة بصرة لأن فيها حجارة سوداء صلبةـ فلما نزلها عتبة ضرب قيروانه، ونزلها، وضرب المسلمون أخبيتهم وخيامهم، وضرب عتبة خيمة له في أكسية.

ولما رمى عمر بن الخطاب بالرجال، وكثروا، بنى رَهْطٌ منهم سبع دساكر ـجمع دسكرة وهي: القرية وبناء كالقصر حوله بيوت ـ، من لبن منها في الخريبة اثنان، وفي الزابوقة واحدة،ـ والزابوقة: عين قرب البصرةـ وفي بني تميم اثنتان، وفي الأزد اثنان.

لم يقف عتبة عن الفتوح فخرج إلى فرات البصرة ففتحه، ثم رجع إلى البصرة، وكانت امرأته أزدة بنت الحارث بن كلدة تُحرِّض المؤمنين على القتال، وتشاركه جهاده هذا مشاركة فعلية حتى فتح الله على المسلمين.

وقد كان أهل البصرة بغزوة جبال فارس مما يليها ثم سار عتبة إلى ميسان ـ اسم كورة واسعة كثيرة القرى والنخل بين البصرة وواسط قصبتها : ميسان ـ و( ابزقباذ) ـ كورة أرجان بين الأهواز وفارس ـ فافتتحها ، وقد خرج إليه المرزبان في جمع كثير فلم يحفل بجمعه فقاتلهم قتالاً شديداً، وهزم الله المرزبان، وأخذ المرزبان فضرب عنقه، وأخذ قباءه سعد وجميع سلبه، وكانت له منطقة فيها الذهب والجوهر، وبعث بها إلى عمر بن الخطاب، فلما قدم سلب المرزبان المدينة سأل الناس الرسول عن حال الناس وما هم عليه في هذه الفتوحات؟ فقال القادم:" يا معشر المسلمين عمَّ تسألون؟ تركت والله الناس يهتالون الذهب والفضة.

نشط المسلمون لأخبار هذه الفتوح، ولم ين عمر عن إرسال الرجال إليه فكان يرسل إليه المائة والخمسين ونحو ذلك مدداً لعتبة إلى البصرة.

يرسل المئة والخمسين مدداً لننظر إلى قلة هذا المدد الذي يرسله عمر بن الخطاب، ولكنه مدد من رجال مغامرين لا يعرفون الرجوع على أعقابهم في غزوة من الغزوات، أو وقعة من الوقائع، رجال كأن الموت في فمها شهد.

لم يرسل عمر إلى عتبة رأساً، وإنما عن طريق سعد بن أبي وقاص، وهذا يكتب إلى عتبة فعتبة تحت إمرة سعد.

يقول صاحب المعارف: كأن عتبة من الرماة المذكورين، وهو الذي افتتح الإبلة:ـ بلدة على شاطئ دجلة ـ، واختطَّ البصرة، وأمر محجن بن الأزرع فاختط مسجد البصرة، وحين ولي زياد البصرة من قبل معاوية زاد في المسجد زيادات كثيرة، وبناه بالجص، وسقفه بالساج، وجاء بسواريه من الأهواز، فلما فرغ من بنائه جعل يمر فيه وينظر إليه ومعه وجوه البصرة، فلم يعب فيه إلا دقة الأساطين، ولم يؤت منها صدع ولا ميل ولا عيب، ثم زاد فيه عبيد الله بن زياد، وزاد فيه المهدي ما زاد، وأدخل دار عبد الله بن رافع كلها، وزاد الرشيد زيادات وأدخل دار الإمارة كلها في المسجد.

خطبة عتبة

وهي أول خطبة خطب الناس بها بالبصرة، وهي من أجمل الخطب التي يصح أن تُروى للأبناء، وتتلى على المنابر قال: " الحمد لله أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد: أيها الناس فإن الدنيا قد ولت حذّاء، وآذنت أهلها بوداع، فلم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ألا وإنكم تاركوها لا محالة فاتركوها بخير ما بحضرتكم، ألا وإن من العجب أن يؤتى بالحجر الضخم فيلقى في شفير جهنم فيهوى سبعين عاماً حتى يبلغ قعرها، والله لتملأنَّ ألا وإن من العجب أن للجنة سبعة أبواب عرض ما بين جانبي الباب مسيرة خمسين عاماً، وأيم الله لتأتين عليها ساعة وهي كظيظة من الزحام.

ولقد رأيتني مع رسول الله سابع سبعة ما لنا طعام إلا ورق البشام وشوك القتاد، حتى تقرَّحت أشداقنا، ولقد التقطت بردة يومئذ فشققتها بيني وبين سعد بن أبي وقاص، ولقد رأيتنا بعد ذلك وما منا أيها الرهط السبعة إلا أمير على مصر من الأمصار، وإنه لم تكن نبوة إلا تناسخها ملك، فأعوذ بالله أن يدركنا ذلك الزمان الذي يكون فيه السلطان ملكاً، وأعوذ بالله أكون في نفسي عظيماً وفي أنفس الناس صغيراً، وستجربون الأمراء بعدنا وتخبرون فتعرفون وتنكرون".

ولم يكد ينتهي من خطبته أو بينما هو على ذلك إذ أقبل رجل من ثقيف بكتاب من عمر إلى عتبة بن غزوان وفيه:" أما بعد فإن أبا عبد الله الثقفي ذكر لي أنه اقتنى بالبصرة خيلاً حين لا يقتنيها أحد فإذا جاءك كتابي هذا فأحسن جوار أبي عبد الله وأعنه على ما استعانك عليه".

وكان أبو عبد الله أول من ارتبط فرساً بالبصرة واتخذها، هكذا يشجع عمر بن الخطاب أبا عبد الله على اقتناء الخيل، وهل كان اقتناؤهم الخيل إلا للجهاد والفتوح.

تلك هي خطبة عتبة، وفيها عظة وذكرى يذكر من التقشف، وكيف كان شوك القتاد يقرح أشداقهم، وكيف بعد أن فتح الله عليهم هذه الفتوح، وكيف أصبح السبعة وهو سابعهم أمراء على الأمصار يقومون بأعمال الفتوح ويغامرون وأين منا المغامرون اليوم، ولعل الله يبعث في أمتنا من المغامرين كما بعث عتبة وأمثاله من الذين دوخوا الممالك وامتدَّ سلطانهم إلى أقاصي المعمورة.

أنف عتبة من وساطة سعد لأن عمر بن الخطاب لم يكن يكتب مباشرة كما قلنا إلى عتبة، وإنما كان ذلك عن طريق سعد، دعاه الطموح أن يكون مستقلاً يتلقَّي الأمر من عمر مباشرة دون سعد، فاستأذن عمر أن يقدم عليه، فأذن له بعد أن استخلف على البصرة المغيرة بن شعبة، فقدم عتبة على عمر فشكا إليه تسلُّط سعد عليه، فسكت عنه عمر أو تغافل، ولم يشأ أن يسمع، فأعاد ذلك عتبة مراراً، ولكنه لما أكثر على عمر، وعمر يعرف لسعد مكانته ومقدرته الحربية ويعرف حُسن قيادته، ويعلم حق العلم أن النبي دعا لسعد حين عاده في مرضه وقال له: " عسى الله أن يرفعك فيتنفع بك أناس ويضر بك آخرون" أجل يعرف حقَّ المعرفة مكانة سعد من النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر: وما عليك يا عتبة أن تقر بالإمرة لرجل من قريش له صحبته مع النبي وشرفه؟ فقال عتبة: ألستُ من قريش؟ ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم :" حليف القوم منهم"، ولي صحبة قديمة مع النبي لا تنكر ولا تدفع، فأجابه عمر: لا ينكر ذلك من فضلك، ولما آنس من عمر أنه لا يريد أن يخرجه من إمرة سعد قال: أما إذا صار الأمر إلى هذا، فوالله لا أرجع على البصرة أبداً. فأبى عمر إلا أن يردَّه إليها، ولعمر إرادته التي لا يقف أمامها أحد مهما كانت مكانته وقوته، فرده ولم يسع عتبة إلا الامتثال لما أمر به عمر، وأنى له أن يخالف عمر، والطاعة المثلى لعمر على الجميع، ولكنه وهو في الطريق أصابه بطن فمات بمعدن بني سليم، فقدم سويد غلامه بمتاعه وتركته على عمر بن الخطاب وذلك سنة سبع عشرة .

أما عمله على البصرة فلم يتجاوز ستة أشهر، وتوفي وهو ابن سبع وخمسين سنة.

حزن عمر بن الخطاب على عتبة حزناً شديداً، وكان يترحم عليه، ويعجب من إقدامه، ويثق بصلاحه وجزمه، هكذا انطوت صفحة عتبة هذا الفاتح العظيم ولكنها مخلدة في بطون التاريخ.

جاء عمر طامحاً إلى الإمارة ومن من أمثال عتبة غير طموح فلقي حتفه في طريقه، ولله الأمر من قبل ومن بعد

إذا غامرت في شرف مروم  فلا تقنع بما دون النجوم

فطعم الموت في أمر حقير    كطعم الموت في أمر عظيم

طاهر النعساني

عضو المجمع العلمي العربي بدمشق

من مجلة (الجامعة الإسلامية الحلبية)

العدد(151ـ154) السنة(16)

1363ـ1944.

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا