السبت 9 شوال 1441 - 30 مايو 2020

نقض فتيا العدوي بجواز الاعتكاف في البيوت

الاثنين 25 رمضان 1441 - 18 مايو 2020 74 بلال فيصل اليحر
نقض فتيا العدوي بجواز الاعتكاف في البيوت

 

الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى.. وبعد:

فقد استمعت لتسجيل فيه فتيا للشيخ مصطفى العدوي حاصلها تقرير جواز الاعتكاف في البيوت، لعموم حديث (جُعلت لي الأرض مسجداً) ولأن التيسير أصل مقصود للشارع، ولأن أبا بكر وعتبان بن مالك رضوان الله عليهما اتخذا مسجداً في دارهما، ولقوله تعالى (واجعلوا بيوتكم قبلة) هذا ملخص ما تعلق به.

وفي كل ما ذكره نظر ولا يقوم ما ساقه من الأدلة على ساق، ولا يتجه له الاستدلال به، فإن العموم الذي ذكره غير مراد هنا، من وجهين: أحدهما: أن الدليل خارج عن موضع الدعوى، لأن المقصود بالمسجد الصلاة، والدعوى في خصوص الاعتكاف.

والثاني: أنه مخصوص بالإجماع على منع الاعتكاف في البيوت، كما نقل هذا الإجماع الحافظ أبو الحسن بن القطان في (الإقناع) وقد تقرر في الأصول تخصيص النص بالإجماع.

وأما ما حكاه ابن رشد في (المقدمات) عن ابن لبابة أن الاعتكاف يصح في غير مسجد، فقد نص ابن رشد على شذوذه، وهو مسبوق بالإجماع وجريان العمل على خلافه ولا سلف له فيه ولا دليل، على أنه غير صريح في جواز الاعتكاف في البيوت، بل لعله يقصد المصلى أو مسجد الدار، ومع الاحتمال لا ينتهض الاعتماد على قوله، على أن حذاق المالكية قد نصوا على أن اختيارات ابن لبابة خارجة عن المذهب، كما قطع به القاضي عياض. 

وأما ما نقله الحسين المغربي في (شرح بلوغ المرام) أن الحنفية أجازوا للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وهو المكان المعد للصلاة، قال: وفيه قول قديم للشافعي، وفي وجه لأصحابه وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن التطوع في البيوت أفضل، فهذا يقصد به مساجد البيوت التي تتخذ فيها لا نفس البيت وهو محل البحث، وفرق ظاهر بينهما، ولهذا نبه المغربي على أن أبا حنيفة وأحمد خالفا هذا الوجه، فقطعا باختصاص الاعتكاف في مساجد الجماعات، فعُلم أن المراد بـالوجه الذي ذهب إليه بعض المالكية والشافعية هو الاعتكاف في مساجد البيوت لا نفس البيوت، فتنبه. 

ويؤكده ما تقدم تقريره ما تقرر عند أهل الأصول أن العلماء إذا أجمعوا على قولين لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، إلا إذا كان القول المحدث لا ينقض أصلا مشتركا عليه بين القولين.

وما أحدثه العدوي من الاعتكاف في البيوت ينقض أصلا متفقا عليه بين العلماء الذين تنازعوا في تفسير مسجد الاعتكاف على ثلاثة أقوال: هل هو مسجد نبي، أو مسجد جماعة، أو المصلى، ولم يقل أحد منهم بالاعتكاف في البيوت، فوصف البيت ينقض وصف المسجد المتفق عليه ويلغيه كما هو ظاهر، وعليه يبطل هذا القول المحدث.

وما ذكره من التيسير صحيح، لكن كم له من مواضع شدد فيه وتعنت ولم يراع هذا الأصل، ومقتضى التيسير هنا إسقاط الاعتكاف لا إحداث اعتكاف لم يسبق إليه فهو بدعة.

وأما قياسه على قضية أبي بكر وعتبان فهو قياس فاسد للفرق بين الصلاة في البيت والصلاة في مسجد البيت، فلو اتخذ الرجل مسجداً بجوار داره فله الاعتكاف فيه لكن لا يعتكف في داره، وإلا لزم منه أن يسوي بين الصلاة في داره والصلاة في الجماعة في الحكم، وعهدنا به لا يلتزمه لأنه يقول بوجوب الجماعة، ويلزمه أيضا المساواة في الثواب بين الصلاة في المسجد والصلاة في البيت، وهو خلاف النص والإجماع، وإذا فسد اللازم فسد فالملزوم.

وأما تعلقه بقوله تعالى (واجعلوا بيوتكم قبلة) فلا يستقيم له لأنه استدلال بشرع من قبلنا، وقد تقرر أنه لا يسوغ الاستدلال به إذا خالفه شرعنا، وفي إجماع الكافة على منع الاعتكاف في غير المساجد مخالفة ظاهرة لشرع من قبلنا، فالتمسك به ضعيف لأن الإجماع حجة.

وأيضا فقوله (واجعلوا بيوتكم قبلة) استدلال منه بأحد قولي العلماء في الآية، هل البيوت المساجد أو بيوت السكن، وعلى الأول لا يتم الاستدلال له وهو ظاهر، وعلى الثاني فيه بحث، وهو أن الأظهر في البيوت أنـها بيوت تشبه الأخواص يمكن تفكيكها لمن يرتحل، لأن أمرهم بـهذا كان عند خروجهم من مصر وإلا فهم في مصر كانت لهم بيوت ومساجد، فلما ارتحلوا كانوا يشتغلون بالارتحال عن الصلاة فأمرهم الله أن يتخذوا مساجد كالبيوت يصلون فيها حال ارتحالهم لئلا ينشغلوا عن الصلاة، فإذا ظعنوا نصبوها وإذا ارتحلوا احتملوها معهم، وأُمروا أن يجعلوها تجاه القبلة مفتوحة إليها كما قال ابن عباس، وهذا هو الذي استظهره العلامة ابن عاشور وهو الموافق لظاهر التوراة، وعليه فلا دليل في الآية أصلا على ما قاله العدوي حتى على كون شرع من قبلنا شرعا لنا هنا، والله تعالى أعلم.

وأيضا يبطل ما أفتى به الشيخ العدوي اختصاص المرأة بالاعتكاف في البيت لأن صلاتها فيه خير من صلاتها في المسجد كما في الحديث، على أن له أن يستبدل الاعتكاف بالذكر المطلق، فإن في الاعتكاف في البيت حرجا تأباه نصوص الشارع وتدفعه، لأن مقتضاه أن يعتزل امرأته وهذا فيه حرج وهو يراها تغدو وتروح في بيته كاشفة له عن زينتها، فإما أن يراودها فيفسد اعتكافه، وإما أن نلزمه بالامتناع عنها مع تكشفها له، وإما أن نلزمها بالحجاب في دارها، وكل هذا من الحرج الذي هو ضد أصول الشارع، فانقلب ما قصده العدوي من التيسير حرجا ومشقة.

وفي إخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا مرض أو سافر، أن الله يكتب له أجر ما كان يعمل صحيحا مقيما، لأن مقتضاه استمرار ثواب من كان ديدنه الاعتكاف في أيام هذا الوباء كاستمرار ثوابه إن حال بينه وبين الاعتكاف مرض أو سفر، بجامع مطلق الحصر والمنع عن الاعتكاف، وهو دليل ظاهر على ما في فتيا العدوي من التكلف الذي تدفعه أصول الشارع وتضاده، وبالله التوفيق.

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات