السبت 8 شوال 1441 - 30 مايو 2020

نساء مؤمنات صور من حياتهن

الخميس 7 رمضان 1441 - 30 أبريل 2020 108 يحيى بشير حاج يحيى
نساء مؤمنات صور من حياتهن

أم هانئ بنت أبي طالب

 

 

أراد محمد – عليه الصلاة و السلام – و قد أصبح في سن تؤهله

للزواج ، أن يشد آصرته بعمه أبي طالب الذي آواه و حدب عليه ، فخطب إليه ابنته ( فاختة ) . و تقدم لها في الوقت ذاته هبيرة بن أبي وهب . و لم يكن أبو طالب ليقدم أحدا على ابن أخيه ، إذ ليس في مكة من هو أجدر بها شرفا و خلقا و مكانة . و لكن تمسكه بالأعراف التي درجوا عليها ، و خشيته أن ينتقص من سمعته جعله يرضى بهبيرة ، و يزوج فاختة منه .

فحزّ ذلك في نفس محمد – صلى الله عليه و سلم - فليس أقسى على النفس أن يأتيها ممن تحب ما لم تكن تحتسب ؟! و في عتاب يشوبه الحياء قال لعمه : يا عم ! زوجت هبيرة و تركتني ؟!!

فقال أبو طالب – و قد غصت في حلقه الكلمات :يا بن أخي ! إنا صاهرنا إليهم ، و الكريم يكافئ الكريم ..

كانت كلمات أبي طالب تحمل من المعاني الدقيقة على قدر ما في الموقف من حرج ، و كأنه يقول له: إن مكانتك لم تزل كما كانت، و إن حبي لك ، لم ينقص منه شيء ، و لكنك لا ترضى لعمك – و أنت صاحب الخلق الرفيع – أن يقال فيه ما يسوء سمعته بين الناس .

* * *

و تزوجت فاختة من هبيرة ، و تزوج محمد – صلى الله عليه و سلم – من خديجة – و اختاره الله ليكون خاتم النبيين ، فكانت زوجه أول النساء إيمانا به و تصديقا له .

و أصبح الناس بين كافر بما جاء ، و مؤمن . و بين محب و شانئ ..

فأما الذين آمنوا فلم يجدوا في أنفسهم أدنى شك بأن ما يقوله حق – و هو الصادق الأمين – و كذلك وقر في قلب فاختة على الرغم من أن أباها لم يسلم ، و زوجها ظل سادرا في شركه !!

و لما ازداد أذى المشركين لمحمد – صلى الله عليه وسلم - و للمؤمنين به ، و تطيروا بهم ، و ضيقوا عليه ، مضى رسول الله – صلى الله عليه و سلم – إلى الطائف عسى يجد على الحق أنصارا ، و لكنه رد أقبح الرد .. و عاد إلى مكة يشكو إلى الله هوانه على الناس – فأسرى الله تعالى به إلى بيت المقدس ، ثم عرج به إلى السماء ، فكان ذلك من الله إكراما له ، و تخفيفا عنه لما يلقاه من تكذيب ، فعاد و هو أكثر صلابة ، و أشد عزيمة ، ليبلغ قريشا بما كان من شأن تلك الليلة .

 

 

و علمت أم هانئ بما أكرمه الله به ، فأشفقت عليه من تكذيب قريش و أرسلت جارية لها تنظر ما يفعلون ، و قد أخبرهم رسول الله – صلى الله عليه و سلم – عن رحلته الميمونة إلى السماء ..

و عادت الجارية تخبر سيدتها بما رأت :

فأما الذين آمنوا فقد ازدادوا إيمانا ، و أما ضعاف الإيمان فقد أخذتهم رعدة التكذيب ، و أما الكافرون فتولوا و هم معرضون ، و صيحات الإنكار تصك الآذان ..

و تتابعت الأيام و قريش مصرة على إيذاء المسلمين ، فجعل الله لهم فرجا من بعد ضيق ، و كانت الهجرة إلى يثرب .

فأعز الله دينه ، و صار للمهاجرين إخوة و أنصار فتحوا لهم مدينتهم و قلوبهم ...

و مر على الهجرة سنوات عشر ، أذن الله بعدها بفتح مكة ، و العودة إلى البيت العتيق لتطهيره من رجس الوثنية .. و عاد موكب الإيمان إلى مكة بالأمن ، بعد أن أخرج منها على خوف و تخطف .

و نادى منادى رسول الله – صلى الله عليه و سلم - :

من دخل بيته فهو آمن ...

و من دخل المسجد فهو آمن ...

و من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ...

لم يشأ هبيرة أن يدخل بيته ، و يستظل بأفياء يوم المرحمة ، ليستمع من رسول الله – صلى الله عليه و سلم - : (( اذهبوا فأنتم الطلقاء )) ...

و لكنه فر من مكة مع من فر ، و لم يقف شيء دونه حتى نجران ... و أعلنت أم هانئ إسلامها ، و فرق الإسلام بينها و بين هبيرة .. و بدأ الذين آذوا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – بالأمس يبحثون عن ملجأ يأوون إليه و جوار يدخلون فيه ، فانطلق الحارث بن هشام ، و عبد الله بن أبي ربيعة إلى بيت أم هانئ يستجيران . و بلغ عليا أن أخته أجارت اثنين من رؤوس المشركين .

فدخل عليهما شاهرا سيفه ، و لكن أم هانئ التي أجارتهما وقفت في وجهه ترده عنهما و تقول : تصنع بي هذا من بين الناس ؟ لتبدأن بي قبلهما ، فخرج علي – رضي الله عنه – و قد عز عليه أن تجيرهما ، و ذكر مواقفهما المعادية لرسول الله – صلى الله عليه و سلم- خلال فترة الصراع مع قريش ...

أليس الحارث بن هشام شقيق أبي جهل ، و من شهد المشاهد في حرب رسول الله ؟!.

و عبد الله بن أبي ربيعة موفد قريش إلى الحبشة لاسترداد المسلمين المهاجرين ، و هو الذي جهد في استمالة النجاشي لطردهم و

و التضييق عليهم ؟!.

و خرجت أم هانئ لتلقى الرسول – صلى الله عليه و سلم – و تقص عليه ما فعل علي ، و ما لقيت منه في تهديده بقتل من أجارت ، و تطلب منه أن يقبل بجوارها لهما ..

و انتظرت أم هانئ من رسول الله – صلى الله عليه و سلم – ما كانت توقع ، وافترت شفتا رسول الله – صلى الله عليه و سلم – عن كلمات ما كان أحبها إليها (( ما كان ذلك له ؟! قد أجرنا من أجرت ، و أمنا من أمنت )) فخرج الحارث و عبد الله يشهدان مجامع الناس ، و يظهران في نواديهم و أخبر رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من جاء يشكو من ظهورهما أن لا سبيل إليهما فقد أمنهما .

كان علي – رضي الله عنه – يعلم أن النبي – صلى الله عليه و سلم – كان يرغب في الزواج من أخته أم هانئ من قبل ، و أن موقف أبي طالب الذي غلب الالتزام بالعرف على عاطفته تجاه ابن أخيه ، قد حال دون هذا الزواج .

وها قد أمست أم هانئ من غير زوج بعد فرار هبيرة ، و تفريق الإسلام بينهما ، فجاء إلى النبي – صلى الله عليه و سلم – و قال : (( يا رسول الله ، لو تزوجت أم هانئ بنت أبي طالب ، فقد جعل الله لها قرابة فتكون صهرا أيضا )) .

فبعث رسول الله – صلى الله عليه و سلم – يخطبها ، و لم تكن أم هانئ لترغب عنه غير أنها نظرت إلى حالها و حال ولدها : فإن انشغلت بهم أضاعت حق الزوج ، و إن قامت بحق الزوج ضيعت الأيتام .. فأرسلت تقول : (( و الله ! إنه لأحب إلي من سمعي و بصري ، و لكن حقه عظيم ؛ و أنا مؤتمة ( ذات أيتام ) فإن قمت بحقه خفت أن أضيع أيتامي ، و إن قمت بحقهم قصرت عن حقه )) .

فقال – صلى الله عليه و سلم - : (( خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ، أحناها على ولد في صغره ، و أرعاها على بعل في ذات يده )) .

و فات أم هانئ – رضي الله عنها – أنها لو استجابت لوجد الأطفال في بيت النبي – صلى الله عليه و سلم – نبعا من الحب و الحنان لا ينضب ، و لضم العيال إلى العيال ، كما فعل رسول الله- صلى الله عليه و سلم – بزواجه من أم سلمة – رضي الله عنها - ؟!.

كان حرص أم هانئ على راحة رسول الله – صلى الله عليه و سلم – من جانب ، و خوفها من تضييع الأيتام من جانب آخر ، هو المانع الذي وقف دون زواجها منه في هذه المرة ..

كما كان حرص أبي طالب على مكافأة الكريم بما يستحق ، هو الحائل الذي وقف دون زواجها من رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ، عندما خطبها لأبيها .

أما و قد شب الأطفال ، و أدركوا ، و أصبحت – اليوم – فارغة من أمرهم ، فلترسلن إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تعرض نفسها .

و أخبر رسول الله بذلك ، و لكن بعد أن فات الأوان ، و نزل وحي السماء (1) :

(( يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن و ما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك و بنات عمك و بنات عماتك و بنات خالك و بنات خالاتك اللاتي هاجرن معك )) فكانت الهجرة شرطا في زواج النبي – صلى الله عليه و سلم – من قريباته و لم تكن أم هانئ من المهاجرات ... (1) سورة الأحزاب ، آية : 50 .

 

 

المراجع :

1- الطبقات الكبرى لابن سعد 8/ 151 -152 .

2- الاستيعاب :4/1963

7 / 213 – 404 .

3- سيرة ابن هشام : 1/402

4- حياة الصحابة : 1/162- 163 .

5- أعلام النساء : 4/ 14 .

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات