السبت 15 شوال 1441 - 6 يونيو 2020

القراءة في الوقت الضائع

الخميس 16 شعبان 1441 - 9 أبريل 2020 134 ياسر مصطفى يوسف
القراءة في الوقت الضائع

ثمة أوقات في أعمارنا، وفواصل زمنية على مدار يومنا الفلكي لا نقيم لها بالاً ، ولا نعي أهميتها - كسائر الأوقات - استقلالاً لها وإهمالاً .

وقد لا يكون ذلك من بابة الزهد في الوقت ، ولا رغبة عن إشغاله بما ينفع ... قد يكون ذلك لأنه وقت حرج وظرف خاص ، ومن الصعوبة بمكان القيام فيه بعمل ، وإذا أمكن فلن يتم، بل سيولد مشوهاً ... ضعيفاً... مريضاً... مهيضاً .

على أنه يمكن مع الأيام البناء على ذلك الإنجاز الصغير ... في ذلك الوقت القصير ، وبخاصة إن تكرر ذلك الظرف، وقصدنا جادّين إلى الاستفادة منه قدر الإمكان .

وهناك أوقات ثلاثة أرى أننا نغفل عنها، في حين أن بيننا رجالاً لا يغفلون ... صاحون ... يقظِون ... منتبهون ... وعلى الإفادة منها حريصون ... وبها ضنينون .

أول تلك الأوقات المسافة الزمنية التي تسبق وضع الطعام على المائدة وتتقدم فترة مد الأكل على الخِوان لتتناول العائلة عشاءها أو غداءها أو فطورها ؛ فقد حدثنا شيخنا الدكتور محمود الزين رحمه الله أنه أنهى في هذه الدقائق التي لا ينتبه لها كل أحد الكتب ذوات العدد ( يالهْوي ) ...

عجبنا من مقالته واستغربنا من صنيعه ... لكن عجبنا زال حين سمعنا منه بالأشد غرابة حين حكى لنا أن أهله في مصر افتقدوه مرة؛ فوجدوه في المصعد الكهربائي... ينزل به ويصعد مع الداخلين، وهو يقرأ في كتاب دون أن ينتبه لمقصده، أو يدرك نهاية مسيره .

ثاني تلك المحطات لحظات انتظار انصراف الأولاد من المدرسة ... إنها لحظات تكاد تكون ميتة ... ومن الحسابات ساقطة ... لما يلفها من توتر ، ويخالطها من تحفز، ويمازجها من ترقب لخروج الأولاد والانطلاق سريعاً بهم قبل أن يدهمك الازدحام ... إلا أن أحد زملائي ( م. أ . خ ) قال لنا ذات مرة : لقد قرأت من كتب الأدب في هذا الوقت مجلدات ومجلدات ... وإنه لصادق وإني لمصدِّق .. فرفع ذلك من همتي، وألهب من حماسي، وأيقظ عقلي كي أفعل فعله وأبادر إلى مثل صنيعه ... جزاه الله خيراً .

أما ثالث الأوقات فهو الدقائق التي تسبق الغفوة وتقوم بين يدي النوم ، وينتهي بها اليوم ... ولا أبالغ إن زعمت أني ابن بجدتها ... وحتى لا أتقلب في الفراش أستجدي النوم حضورَه ... والأرق ذهابَه ونفورَه ... وأضيع الوقت نهْبَ التخيلات والتحليلات والمخاوف من المستقبل أو الاغتمام بالماضي بادرت إلى وضع بعض الكتب على الشوفونيرة ( منضدة صغيرة ) التي إلى يميني ، فأسرج الضوء وأروح أتنزه في رياض الكتب ، وأتجول في شعاب الأدب ، واقرأ لكل من هب ودب ... إلى أن يداعب الكرى جفوني ، وتغلب جحافل النوم شؤوني .

هذه بعض المحطات التي نغفل عنها ... تعلمت ملأها من ذوي الهمم، وكم مثلها في حياتنا مما نحن عنه في غفلة... أو فيه من زهد... أو منه في تفريط .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا