الخميس 14 شوال 1441 - 4 يونيو 2020

في زمن الكورونا اجعلوا بيوت الفقراء قِبلَة

الخميس 9 شعبان 1441 - 2 أبريل 2020 195 محمّد خير موسى
في زمن الكورونا اجعلوا بيوت الفقراء قِبلَة

في الأزمات الكبرى ومنها الأوبئة الفاتكة يكون همّ العقلاء مواجهة الوباء وقايةً وعلاجًا، وكذلك التّعامل مع آثاره الاجتماعيّة وانعكاساته الاقتصاديّة احتواءً وتخفيفًا.

• أنين بيوت الفقراء

وإنّ تسارعَ انتشار وباء كورونا قد أوقع العالم كلّه في إرباكاتٍ كبيرة، فإلى جانب أولئك الذين استقرّ الفيروس في أجسادهم وفتك بحياتهم؛ فقد كان أصحاب الأعمال اليوميّة، وعمّال المنشآت الاقتصاديّة، وأصحاب الحاجة والعوز من أكثرِ مَن خنقهم وباء كورونا.

أعمالٌ توقّفت، ومصالح تعطّلت، ومنشآتٌ أغلقت، وعمالٌ سُرّحوا، ورواتب خُفّضت، ورجالٌ لزموا بيوتَهم وقد كانوا يسعَون في مناكب الأرض بحثًا عن قوت يومهم وأهليهم.

وغدت الجدران السّميكة تحجب عنّا أصوات أنين الكثير من الأسر والعائلات التي لا تجدُ قوت يومها وقد ضاقت عليها الأرض بما رحبت وضاقت عليها أنفسها.

إنّ أنين بيوت الفقراء في أزمة كورونا لا يقلّ إيلامًا عن صور مرضى الفيروس المسرّبة من غرف العناية المركّزة لكنّ هذا الأنين لا يجدُ له في هواتف النّاشطين متّسعًا حقيقيًّا ولا يجد في "لايكات" المتفاعلين في وسائل التّواصل الاجتماعيّ حظًّا ونصيبًا.

• يا أصحاب فضل الزّاد والمال؛ أين أنتم؟

يروي الإمام مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري؛ قال: بينما نحنُ في سفرٍ مع النبي صلّى الله عليه وسلّم إذ جاء رجلٌ على راحلةٍ له فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: "من كان معه فضلُ ظهرٍ فليَعُدْ به على من لا ظهر له، ومن كان له فضلُ من زادٍ فليعُد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتّى رأينا أنه لا حقَّ لأحدٍ منّا في فضلٍ"

وهذه الواقعة تكاد تنطبق على واقع النّاس اليوم، وفيها رسائل من الأهميّة بمكان التوقّف عندها:

أوّلًا: الواقعة حدثت أثناء السّفر، والنّاس في أسفارهم لا يحملون الكثير من الزّاد والمال، ومع ذلك حمّلهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مسؤوليّة إغاثة الملهوف والمحتاج، في رسالة واضحة على أنَّ إغاثة المحتاجين في هذا الزمن الاستثنائيّ ليست مسؤوليّة الأغنياء الموسرين فقط، بل هي مسؤوليّة مجتمعيّة عامّة ينبغي أن يتحمّلها كلّ من كان عنده ما يزيد عن حاجته مهما كان يسيرًا.

ثانيًا: النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رأى الرّجل المحتاج يلتفت يمنةً ويسرةً نظرة الملهوف، فلم يجعله يسأل أو يستجدي أو يطلق نداء استغاثة؛ بل بادره بالمساعدة ومدّ يد العون قبل أن يعبّر عن حاجته، فالمسلمُ الحقّ هو الذي لا يحوجُ النّاس المنهكين والمختنقين اقتصاديًّا إلى إراقة ماء وجوههم بالاستغاثة والسّؤال، فكيف إذا ملأت أصوات استغاثاتهم الفضاء؟ فلا بدّ أن يكون أكثر همّةً وأسرعَ مبادرة.

ثالثًا: عدّد النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصناف الأموال، فذكر الظّهر أي الرّاحلة وما يقوم مقامها من السيارات وغيرها، والزّاد والطّعام، وغير ذلك من أصناف الأموال، في رسالة مهمّة بعدم حصر الإغاثة في وقت الأزمات بنوع واحد من أنواع الأموال أو صنف واحد من أصناف الرّزق، بل ينبغي توسيع أصناف الإغاثات والمساعدات بشكل يكون عموم أفراد المجتمع قادرين على المشاركة والمساهمة فيها.

• آليّات عمليّة للخير في زمن كورونا

كلّما حثّ أحدٌ النّاس على فعل الخير في الأزمات قيل له: أعطنا آليّات عمليّة قابلة للتّطبيق.

فمن المطلوب جدًّا في هذه الاوقات أن يبدع النّاس آليّاتٍ عمليّة لمساعدة الذين يخنقهم كورونا اقتصاديًّا واجتماعيًّا، ولعلّي هنا أضع بعض الأمثلة المحرّضة للأذهان:

1. إن كنت صاحب شقّة تؤجّرها فسامح المستأجر بالأجرة في هذه الأوقات أو تقاسَمها مناصفة بينك وبينه.

2. وإن كنت دائنًا أو بائعًا بالتّقسيط فتوقّف عن استيفاء الأقساط في هذه الفترة الحرجة.

3. وإن كنت طبيبًا فلتكن معاينتك مجانيةً أو مخفّضة لأصحاب الإعسار والذين لا يجدون قوت يومهم.

4. وبإمكانك أن تغدو إلى صاحب دكّان فتطلب منه أن يفتح دفتر ديونه فتتخيّر منه بعض أسماء من أرهقهم الدَّين فتقضيه عنهم أو تقضي بعضه وتطلب من الدّائن أن يتصل بهم ويخبرهم بقضاء الدين عنهم فيدخل السرور إلى قلوبهم.

5. وإذا قمت بشراء الطعام والأغذية التي تكفيك شهرًا أو شهرين في فترة مكوثك في الحجر المنزلي فاحسب حساب الفقير بكيلو غرام واحد من كلّ شيءٍ تشتريه فاحمل معك كيسًا في تسوّقك فإن اشتريت عشرة كيلوات من الأرز فضع واحدًا منها في هذا الكيس وكذلك من السّكر والعدس والفاصولياء وغيرها؛ ليكون عندك في نهاية التّسوق كيس لأسرة فقيرة إلى جانب أغراضك توصله إلى بيت محتاج قبل وصولك إلى بيتك.

6. وهذا الزّمن هو زمن تعجيل إخراج الزّكاة قبل وقت وجوبها؛ فإن كنت معتادًا على إخراج زكاة مالك أو بضاعتك في رمضان أو بقيَتْ أشهر عديدة حتى يحول الحول على المال فبادر إلى تعجيل إخراج الزّكاة من الآن ما دمت تملك نصابًا، وهذا من أبرز صور الرّفق بالمسلمين أصحاب الحوائج في الفقه الإسلاميّ.

7. وفي أسرتك وعائلتك طبّق مشروع "كأنّي أكلت" مرّة في الأسبوع، بحيث تقول لأولادك: قد كنّا قرّرنا أن نطبخ اليوم الطّعام الفلاني الذي تحبّونه، ولكنَّنا قرّرنا أن نعدّ أنفسنا كأنَّنا أكلناه ونحسب قيمته ونرسلها إلى أسرة فقيرة ونأكل اليوم من حواضر المنزل البسيطة.

8. وإن لم تكن تملك مالًا وكنت شابًّا قويًّا فتواصل مع أسرةٍ أعضاؤها من كبار السنّ أو المرضى أصحاب المناعة الضّعيفة وقل لهم: إنّك على استعداد لتلبية كلّ احتياجاتهم وأغراضهم المنزليّة في فترة الوباء التي يكون خروجهم فيها من المنزل معرّضًا لهم لخطرٍ شديد؛ فتبرّع بجهدك وقوّتك.

9. وإن كانت معك سيّارةٌ ولا سيّارةَ لجيرانك فتعهّد لهم بإحضار ما يحتاجونه من أغراض في هذه الفترة التي يمثّل الخروج من المنزل والاحتكاك بوسائل المواصلات العامة بابًا من أبواب العدوى والإصابة بالمرض.

10. وإن كنت ممرّضًا أو صاحب مهنة أو خبرةٍ يحتاجها النّاس بكثرة هذه الأيّام كتضميد الجروح أو أخذ الأبر والحقن الطبيّة؛ فأعلن عن استعدادك للذّهاب إلى منازل كبار السنّ أو المرضى ضعيفي المناعة لخدمتهم فيما تحسنه بحيث لا يغادرون منازلهم في فترة الحجر المنزليّ خلال الوباء.

تلكَ عشرة كاملة، ولك أن تبدع ما شئت من الآليّات والوسائل وطرق الخدمة والبذل والعطاء بمالك وجهدك وخبراتك.

• انشروا عدوى الخير

وكم نحتاج في هذه الظروف إلى جانب اتّخاذ كلّ وسائل الاحتياط من عدوى كورونا أن نعمّم وننشر عدوى الخير، بحيث إذا رأينا مبادرةً شبابيّة أو مجتمعيّة أو فرديّة لبذل الخير وفعله في هذه الأيّام أن نقوم بتعميمها ونشرها في وسائل التّواصل الاجتماعيّ؛ فإنَّ الخير يعدي وينتشر بذكره والحضّ عليه.

فما أحوجنا في هذه الأيّام التي أُغلقت فيها المساجد أن نجعل بيوت الفقراء قِبلةً أي وجهةً ومساجد لنا نتعبّدُ الله تعالى وتقرّب إليه بخدمتهم والبذل لهم، فهذه الأيّام هي التي يفصحُ فيها الإيمان عن نفسه، ويبرهن فيها الصّادقون على صدقهم كما قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم "الصّدقة برهان".

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا