الأربعاء 5 صفر 1442 - 23 سبتمبر 2020

العزلة في زمن الكورونا

الأربعاء 30 رجب 1441 - 25 مارس 2020 400 محمود صقر
العزلة في زمن الكورونا

العزلة فرصة عظيمة للإنسان لاكتشاف ذاته ، في عالم صارت فيه عزلة الإنسان لحظة نادرة يطحنها صخب الحياة ، جاء عدو لا تراه العين وفرض على معظم سكان المعمورة عزلة جبرية ، قد تكون فرصة للبعض لإعادة اكتشاف ذاته .

واكتشاف الذات في العزلة فكرة شغلت كثير من الفلاسفة ، وصاحب السبق والعمق الفلسفي في تناول هذه الفكرة هو الفيلسوف الأندلسي "ابن الطفيل" ، والأكثر شهرة في الغرب في تناول هذا الموضوع هو "دانيال ديفو" . الأول في قصته (حي بن يقظان) ، والثاني في قصته (روبنسون كروزو).

وقد برع ابن الطفيل ودانيال ديفو في اكتشاف بطلي قصتهما من خلال تصرفاتهما في العزلة .

فتصرفات الإنسان في عزلته وطريقته في ملء فراغ العزلة ، هو الأكثر تعبيرا عن ذاته .

"حي بن يقظان" بطل قصة ابن الطفيل انشغل في عزلته بالتفكر والانشغال بالأسئلة الكبرى حول الحياة والمصير بعد الممات وخالق الكون .

بينما "روبنسون كروزو" انشغل في عزلته بتدبير سبل العيش ، وصنع أدواته بنفسه ، والبحث عن مصدر طعامه .

بكل بساطة تستطيع اكتشاف الفارق الجوهري بين الذاتين من خلال تصرفاتهما في عزلتهما .

ذات تهتم بالتفكر في أسئلة الإنسان المصيرية ، وتتطلع لما وراء المادة .. وأخرى منشغلة بتدبير المعاش والعمل اليدوي .

وسآخذك بعيدا عن هذه الحالة إلى حالة الأديب "توفيق الحكيم" الذي انتقل من صخب الحياة الذي اعتاده لفترة في باريس ، وقبله صخب حياة القاهرة ، ثم وجد نفسه في وظيفة نائب محكمة في الأرياف ، تحول فجأة إلى ملل وسكون الريف ، فكان من ثمرة عزلته كتاب (يوميات نائب في الأرياف) ، وهو من أجمل كتبه ، ومن أصدق الكتب التي قدمت رؤية عن حال الريف المصرى بأسلوب أدبي رفيع .

هذه نماذج للإنسان في عزلته ، قد نجد أنفسنا في واحد منها : إبداعات مادية وصنع أدوات .. خلوة وتفكر .. ممارسة الكتابة ...

علماً بأن ممارسة الكتابة صارت لا تحتاج ورقة وقلم ومكتب كما في السابق ، فمن خلال هاتفك الذي لا يفارقك ، استخدم (Notes) ، واكتب يومياتك مع عزلة كورونا .. اكتب مذكراتك .. ذكرياتك .. فربما صِرتَ توفيق الحكيم ، أو ربما يهبط عليك جِنُ الشِعر على تقدم منك في السن فتصبح "النابغة الذبياني" .. (وما ذلك على الله بعزيز) .!

صدقني : الخلوة والجلوس مع نفسك متعة كبيرة .. نفسك هي أخلص النفوس لك ، وأقربها منك ، وأعلمها بك ، ..

نفسك حاملة ذكرياتك ، ومستودع آمالك وأحلامك ، ..

نفسك حديقتك الجميلة التي غزتها الحشائش في غفلة منك ، أسرع نحوها بكل شغف .. جدد فيها زرع الورود والرياحين .. اقتلع منها الحشائش الضارة .. وانتبه للمعنى في قوله تعالى:

( قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا .) [سورة الشمس:9، 10]

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا