الاثنين 13 شعبان 1441 - 6 أبريل 2020

لا يستجيبون لهم بشيء

الأربعاء 30 رجب 1441 - 25 مارس 2020 99 محمد أكرم الندوي
لا يستجيبون لهم بشيء

قالوا: ما معنى "لا يستجيبون لهم بشيء"؟

قلت: هو جزء من قوله تعالى: "له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال". (سورة الرعد الآية 14)، يندد الله تعالى في هذه الآية الكفار والمشركين الذين يدعون من دون الله من الأصنام والأوثان والأنداد التي اختلقوها وجعلوها آلهة من دون الله إفكا وزورا، فإنها لا تستجيب لهم بشيء، لا في شيء من أمور الدنيا ولا في شيء من أمور الآخرة. وقال في مكان آخر: "إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم، ويوم القيامة يكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير". (سورة فاطر الآية 14).

قالوا: ندعو الله فلا يستجيب لنا، ونسأله فيردنا خائبين، فأي فرق بينه وبين غيره من الآلهة؟

قلت: ويحكم! أكفر بعد إسلام؟ أو نفاق بعد إيمان؟، ما أثقل قولكم هذا علي! وما أشأمه! وما أنحسه! وما أوغله في الجهل والظلم والعته والحمق! قالوا: لا ترْمِنا بالسخافة والطيش أو العدوان والطغيان، فما نحن أوكسَ منك إسلاما ولا أطفَّ منك إيمانا، فلا تتعلَّ علينا ولا تستهزئ بنا استهزاءا، وأزل عنا إشكالنا إن كان لديك علم وإلا عذرناك، وإياك والنيل من أعراضنا والوقوع في حرماتنا.

قلت: إن كلام ربنا جل وعلا هذا لكلام حق ناصع فاصل بين الإله الحق والآلهة الباطلة الكاذبة، فالذين يدعون من دونه من آلهة لا يستجيبون لهم بشيء، وما مثالهم إلا كعطشان بسط كفيه أمام الماء متضرعا إليه أن يدخل فاه، والماء لا يتحرك نحوه ولا يروي له ظمأ، ضعف الطالب والمطلوب، وما أضل عباد الأصنام والأوثان وسائر الآلهة الباطلة وما أغواهم!

قلت: وربنا جل وعلا رب عزيز رحيم، قدير حكيم، سميع الدعاء، قريب مجيب، يجيب دعوة الداع إذا دعاه، وإجابته للدعوات من أكبر الأدلة على ربوبيته ورحمته بعباده، شهد بذلك كتابه، وسنن أنبيائه، وشؤون خلقه.

قلت: واعلموا أن الله تعالى أكرم عباده بنعم كثيرة، والواجب على العباد أن يدركوها وينتفعوا بها ويستعملوها، وكلما تجددت لهم نعمة من ربهم لم يحصل الانتفاع بها إلا بضمها إلى سوابقها، فإذا سأله عبد من عباده الطعام رزقه ولكن وجب عليه أن يستعمل يديه وسائر قواه للحصول عليه، وإذا سأله ما عجز عن الوصول إليه أعطاه من دون حيلة منه، بل وأفاض عليه من كرمه بدون سؤال ولا طلب، وما النعم التي تحيط بنا من كل جانب إلا آثارا من هذا الكرم.

قالوا: ائتنا بالأدلة على إجابته للدعوات.

قلت: قوله تعالى: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون". (سورة البقرة 186)، وقوله: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" (سورة غافر 60)، وقوله: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإلٰه مع الله قليلا ما تذكرون" (سورة النمل 62)، وأخرج أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها أثم ولا قطيعة رحم الا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذا نكثر، قال: الله أكثر. وينبغي للداعي أن لا يملَّ ولا يعجل، فقد أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي.

قالوا: ائتنا بالأدلة على ذلك من شؤون الخلق،

قلت: قال تعالى: "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا" (سورة الإسراء 67)، وقال: "قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجانا من هٰذه لنكونن من الشاكرين، قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون (سورة الأنعام 63-64)، والآيات في هذا المعنى كثيرة.

قالوا: وددنا لو كشفت لنا القناع عن معنى الدعاء رافعا لشكوكنا وشبهاتنا!

قلت: قد أفردت مقالا في بيانه فراجعوه وتفقهوه إن كنتم عن فقه المعاني باحثين.

قالوا: أخبرنا عن أحوالك مع ربك في دعواتك،

قلت: ما أنا إلا من أفقر عباده وأحقرهم وأذلهم، ولكن تعرفوا على أحوال الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين وسائر الصالحين، لها دارسين، وفي أعماقها غائصين، ولمراميها محققين، قالوا: سنمتثل أمرك، إلا أننا هوينا أن نأخذ عنك أدبك في الدعاء.

قلت: إني من أضعف الناس إيمانا بربي وأدناهم توكلا عليه وأقلهم صلاحا، ومع ذلك فإني – والحمد لله – من أسرعهم إليه عرضًا لمسائلي ورفعا لمطالبي، وكلما دعوته أجابني من دون استحقاق مني، وقد دعوته لأمور مستحيلة عندي، فما إن نهضت من مجلس الدعاء إلا وفوجئت بالإجابة أسرع مما تخيلت، وقد أتكاسل عن صلاة الجماعة فأدعوه فيقويني وكأني نشطت من عقال، وأرغب في المعاصي فأدعوه فيصرفني عنها أو يصرفها عني صرفا، وأرى الضر يغشاني فأدعوه فيكشفه عني، وهو أقرب الأقربين إلي، غير محجوب عني بشيء، بابه مفتوح، ومحله مقصود، والتوجه إليه يغني الفقير، واللجوء إليه ينتقم للمظلوم.

وقلت: اعلموا أن الدعاء هو الفرقان، فدعوة الكفار آلهتهم الكاذبة ضلال في ضلال، ودعوة ربنا دعوة الإله الحي القيوم مجيبا للدعوات، كاشفا للضر، فادعوه عند الجوع يطعمكم، وادعوه عند المرض يشفكم، وادعوه في سنة شابت ذوائبها يفرجها لكم مسودَّة القصب، وادعوه عند البلايا والمحن والكرب، واجتهدوا في السؤال والطلب، والمجتهد له حظ عظيم من الطلب، ما بينه وبين عباده من خفاء، وهو من خلقه سميع الدعاء، فبادروا إليه تحظوا من فضله بنيل عطاء.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا