الأحد 21 ذو القعدة 1441 - 12 يوليو 2020

لماذا تفتح تركيا معابرها أمام اللاجئين نحو أوروبا؟

السبت 12 رجب 1441 - 7 مارس 2020 128 محمود عثمان 
لماذا تفتح تركيا معابرها أمام اللاجئين نحو أوروبا؟

أنقرة التزمت بشكل شبه كامل ببنود اتفاق 2016 مع بروكسل حول اللاجئين بينما تهرب الأوربيون من تطبيقه بحجج واهية

تركيا تستضيف 3.6 مليون لاجىء سوري وهي مهددة باستقبال مثلهم في ظل قصف روسي مدمر ومتواصل على إدلب وريفها

الأمريكيون والأوروبيون يغضون الطرف عن ممارسات الروس ليحسموا الصراع في سوريا حتى لو كان حسمًا عسكريًا مدمرًا

فتحت تركيا المعابر إلى أوروبا أمام اللّاجئين، في أعقاب مقتل 34 جنديًا تركيًا في محافظة إدلب شمال غربي سوريا.

وأرجع المسؤولون الأتراك فتح المعابر إلى عدم قدرة تركيا على تحمل أعداد جديدة من اللاجئين، في وقت يتدفق فيه آلاف المدنيين من شمالي سوريا، هربًا من القصف المدمر لمدنهم وقراهم من روسيا وجيش النظام وحلفائهما من الميليشيات الطائفية الإيرانية.

منذ بداية التدخل العسكري الروسي بسوريا، في 30 سبتمبر/ أيلول 2015، يتبع الروس سياسة "العصا والجزرة"، بتدمير المدن والقرى وحرق الأخضر واليابس من جهة، وفتح باب المصالحات من جهة أخرى، حيث يخيرون السوريين بين البقاء تحت حكم بشار الأسد عنوة، ومن يرفض ذلك منهم يُحمل بالباصات الخضر، ويُرحل إلى إدلب.

عملية ترحيل الرافضين للعيش تحت حكم بشار شملت غالبية المحافظات، من درعا إلى دمشق والغوطة وحمص وحماة، وغيرها.

وبينما كان عدد سكان إدلب وريفها لا يتجاوز المليون، أصبح بقدوم المهجرين إليها يزيد عن أربعة ملايين نسمة.

الاتفاق التركي الأوروبي حول اللاجئين

بعد لقاء عام 2016 جمع رئيس وزراء تركيا آنذاك، أحمد داود أوغلو، ورئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، في بروكسل، وقعت تركيا والاتحاد الأوروبي اتفاقًا لمعالجة تدفق اللاجئين نحو أوروبا، يقضي بإبعاد اللاجئين الجدد إلى تركيا، مع تسريع كل من تسديد المساعدات المالية لتركيا، وإلغاء تأشيرات دخول الأتراك إلى أوروبا، وانضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي.

أهم بنود الاتفاق:

1- إعادة جميع اللاجئين الجدد الذين يصلون من تركيا إلى الجزر اليونانية، بداية من 20 مارس/آذار 2016، إلى تركيا، ووضع حد للرحلات الخطيرة عبر بحر إيجه، والقضاء على عمل المهربين.

2- تخضع طلبات اللجوء للدراسة في الجزر اليونانية، ومن لا يقدمون طلب لجوء أو يثبت أن طلبهم لا يستند إلى أساس أو لا يمكن قبوله، تتم إعادتهم إلى تركيا.

3- تتخذ تركيا واليونان التدابير الضرورية لذلك، بمساعدة مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين والاتحاد الأوروبي، بما في ذلك وجود عناصر أتراك في الجزر اليونانية، وعناصر يونانيين في تركيا، على أن يتكفل الاتحاد بنفقات إعادة اللاجئين.

4- مبدأ "واحد مقابل واحد": مقابل كل سوري يُعاد من الجزر اليونانية إلى تركيا، يتم استقبال سوري آخر من تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وتم تحديد سقف قدره 72 ألف لاجئ.

5- تحرير تأشيرات الدخول: يتم تسريع العمل على خريطة الطريق للسماح بإعفاء مواطني تركيا من تأشيرات الدخول إلى أوروبا، في مهلة أقصاها نهاية يونيو/حزيران 2016، على أن تستوفي تركيا المعايير الـ72.

6- مساعدة مالية: يُسرع الاتحاد بتسليم تركيا مساعدة تبلغ ثلاثة مليارات يورو، لتحسين ظروف معيشة اللاجئين السوريين.

7- الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي: وافق الاتحاد على فتح الفصل 33 من مفاوضات العضوية.

لكن بينما التزمت تركيا ببنود الاتفاق بشكل شبه كامل، تهرب الأوربيون كعادتهم من تطبيقه، متذرعين بحجج واهية لا يتسع المقام لسردها.

موجات لاجئين متزايدة نحو أوروبا

تقول مصادر الأمم المتحدة إن نحو 100 ألف لاجئ يتمركزون الآن على طول الحدود التركية اليونانية، البالغ طولها 212 كيلومترًا.

بينما قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، إن عدد اللاجئين والمهاجرين غير النظاميين، العابرين لتركيا باتجاه أوروبا، زاد عن 130 ألف، وهو في ارتفاع.

قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، إن الاتحاد الأوروبي ينظر "بقلق" إلى تدفق المهاجرين من تركيا باتّجاه حدوده في اليونان وبلغاريا.

ويأتي التدفق الراهن للاجئين، ومعظمهم من السوريين، باتجاه حدود تركيا مع أوروبا، بعد أن تكرر على لسان مسؤولين أتراك، خلال الأيام الماضية، القول بأن تركيا لن تمنع اللاجئين من التوجه إلى حدودها، في طريقهم إلى أوروبا، سواء برًا أو بحرًا.

فتح المعابر.. لماذا؟

لم يبق أمام المدنيين في إدلب وريفها سوى النزوح باتجاه تركيا، في ظل القصف الروسي الوحشي المتواصل، واستهدافه المدنيين والمرافق التي تؤمن لهم الحد الأدنى من سبل الحياة، كالمستشفيات والمدارس ومخيمات النازحين، والأسواق الشعبية والجوامع وكافة دور العبادة.

وتحتضن تركيا ما يزيد عن ثلاثة ملايين و650 ألف لاجئ سوري، وهي مهددة بنزوح مثلهم، حال استمرار الروس في استهدافهم لإدلب بهذه الوحشية.

ويشكل ذلك عبئًا بشريًا على تركيا تنوء بحمله كبريات الدول، خاصة مع انسداد قنوات الحل السياسي، وغياب أي بصيص أمل بقرب نهاية الأزمة السورية القائمة منذ 2011.

لا يخفى على ذي بصيرة غص البصر من طرف الأمريكان والأوربيين عن ممارسات الروس في سوريا، والمهل والفرص الممنوحة للرئيس الروسي فيلاديمير بوتن، لينتهي من حسم الصراع في سوريا، بأي طريقة كانت، حتى لو كان حسمًا عسكريًا مدمرًا، حتى لو كان على شاكلة نموذج "جروزني" سيء الصيت.

اتهم الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الاتحاد الأوروبي بعدم الوفاء بالتزاماته بخصوص التعاون مع أنقرة في ملف اللاجئين، بقوله: "لم تتم الاستجابة لتطلعاتنا بشأن التقاسم العادل للأعباء والمسؤوليات تجاه اللاجئين، والاتحاد الأوروبي لم يف بالتزامات إعلان 18 مارس (2016) بصورة تامة".

وتابع: "يقولون لنا (الأوروبيون) سنرسل لكم مليار يورو، من تخدعون(؟!) لا نريد هذه الأموال، فتركيا، التي أنفقت 40 مليار دولار على اللاجئين، بإمكانها تدبير هذا المبلغ".

رسائل أردوغان واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار: تركيا بعد اليوم، لن تسكت عن نفاق المجتمع الدولي وصمته عما يجري من مآسٍ إنسانية في سوريا، ولن تساعد من يديرون ظهورهم ويغلقون أبوابهم غير آبهين بأكبر مذبحة تُرتكب بحق المدنيين في العصر الحاضر.

وتدعو تركيا الأوربيين إلى أن يمارسوا دورهم الإنساني، ليس فقط بمساعدات مادية لا تسمن ولا تغني من جوع، وإنما بالمشاركة الفعالة لإيقاف هذا النزيف الذي فاقت بشاعته كل حدود.

لدى أوربا الكثير مما تستطيع فعله في سوريا، ليس أوله ممارسة ضغوط حقيقية على روسيا، لردعها وإجبارها على التوقف عن ممارساتها في إدلب.

من الواضح أن الأوربيين يفضلون تجارتهم مع إيران على الدم السوري المراق بأيدي ميليشياتها ومرتزقتها بسوريا.

من الضروري، والحالة هذه، أن تتم مخاطبتهم باللغة التي يفهمونها، من خلال الأدوات التي تدفعهم للقيام بواجبهم، والوفاء بالتزاماتهم.

قبل أن يتهم الأوربيون تركيا بالابتزاز، عليهم النظر إلى أنفسهم في المرآة جيدًا، ليروا البون الشاسع بين أقوالهم وأفعالهم، بين مبادئهم المعلنة وتصرفاتهم على أرض الواقع.

شاهد العالم بأم عينيه هذه المشاهد الرهيبة التي تدعو للدهشة، قارب يوناني يدور حول مركب مطاطي يحمل لاجئين في البحر، ليقلبه ويدفن من فيه أحياءً داخل المياه.

جندي يوناني يطلق النار على مدنيين عزل هربوا من جحيم الحرب، بينما زميله يحاول ثقب قاربهم بقضيب حديدي، ليغرق القارب ويقتل من بداخله.

جنود يونانيون يقتلون شخصين، ويصيبون ثالثًا بجروح بالغة.. دليل قاطع على أن هؤلاء لا يحترمون حتى قوانين الهجرة الدولية.

ثمة من يريد حشر تركيا في الزاوية، فإما أن تسكت عن هذا الوضع المأساوي، وتتحمل عبء الأزمة السورية بمفردها، أو تواجه الاتهام بالابتزاز!

قرار أنقرة لا رجعة فيه.. اتفاقات جديدة وفق قواعد اشتباك جديدة، يتحمل فيها الجميع مسؤولياته.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا