الثلاثاء 15 شعبان 1441 - 7 أبريل 2020

جزاء العمل

الاثنين 23 جمادى الآخرة 1441 - 17 فبراير 2020 62 محمد أكرم الندوي
جزاء العمل

قالوا: كيف عرفت ربك؟

قلت: عرفته بآياته وتوفيقه وهداه، ورحمته وقدرته ونعماه، وعلمه وحكمته وآلائه، وتقديره وخلقه وأسمائه، وشؤونه وأفعاله وقضائه، وستره ومغفرته وجزائه، وقد كتبت مقالات عن معرفته ومحبته ومناجاته فراجعوها إن كنتم إلى مولاكم من المتحننين وله من المتشوقين.

قالوا: حدثنا كيف دلَّك عليه جزاؤه؟

قلت: هو أبين من أن يبينه مثلي، وهل تخفى مكافأته على ذي لب وحجى؟

قالوا: ذكِّرنا فإن الذكرى تنفع المؤمنين.

قلت: من النواميس الظاهرة الباهرة في هذا الكون أن الناس مرهونون بأفعالهم، وأن الله يجزي عباده على صنائعهم وفق الموازين التي فطرهم عليها، وأرشدهم إليها بعقولهم، وأوحى بها في كتبه وإلى رسله، وجزاؤه محكم مبرم لا يختلف ولا يتغير، جار حكمه على القوي والضعيف، والغني والفقير، والصغير والكبير، وسار نفوذه في خلقه أجمعين.

قالوا: ما موعد هذا الجزاء؟

قلت: موعده في الآخرة، إما رضى الرب أو سخطه، وإما الجنة أو النار، لا يضل مولانا ولا ينسى، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، واعلموا أن الشيء يرجع للأصل، وأن العسل لا يجنى من الخل.

قالوا: وهل يتحقق شيء من المكافأة أو المؤاخذة في الدنيا؟

قلت: هذه الدار دار ابتلاء أمرها على العفو والإمهال والتأجيل، وقد يُبطش بالظالم فيها إذا تكبر وطغى وتجبر وبغى، ويؤجر المحسنون على حسناتهم تحريضًا لهم على الاستقامة، ويعاقب المسيئون على سيئاتهم عقابا يسيرا تذكيرا لهم بأن لهم ربا فيتوبوا إليه، وتنبيها لهم على القصاص فيرعووا، بيد أن الجزاء الحقيقي يوم يقوم الناس لرب العالمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.

قالوا: هل شاهدت من آثار عملك في حياتك؟

قلت: هو أمر مشهود للناس أجمعين.

قالوا: حدثنا عن نفسك.

قلت: كلما عملت عملا صالحًا رأيت له ثمرة طيبة وبركة في عامة شؤوني وأحوالي.

قالوا: أفدنا ببعض المواقف التي لا تنساها.

قلت: خرجت من بريطانيا للحج سنة أربع عشرة وأربعمائة وألف، وقدم من الهند أبواي وأهلي إلى مكة المكرمة، ونزلوا في سكن للحجاج الهنود، لا أهتدي إليهم وهم لا يجدون إليّ سبيلا، ومضت ثلاثة أيام وبحثي عنهم لم ينقطع، وقد بلغ الهم مني كل مبلغ، وخرجت من المسجد الحرام بعد العشاء فإذا أنا بامرأة هندية حزينة باكية، فسألتها عن أمرها، فقالت: إنها قد ضلت سكنها وتخلفت عن أهلها، ولا تذكر رسما ولا عنوانا، وسألتني أن أساعدها واستعطفتني استعطافا، فقلت: إن الهنود منتشرون في شعاب مكة فأنى أقف على منزلها، فلما رأيت ما بها من جزع وفزع عزمت على أن أسعى لإغاثتها، عسى الله أن ييسر لي لقاء أبوي ببركتها، فخرجت أمشي معها في بعض أزقة البلدة الميمونة وسككها حتى مررت بسكن للهنود، فعرفته المرأة، وقالت: هذا سكني، فلما دخلناه فإذا بأبوي وأهلي فيها، ودخلني من الفرح والسرور ما الله به عليم، وشكرت ربي على نعمته، وانفتح لي باب عظيم من تصرفه في خلقه وتدبيره لشؤونه.

وأذكر لكم قصة أخرى من أيام طلبي في دار العلوم لندوة العلماء، إذ تواعدت مع أصدقائي من القرى المجاورة بعد أن قضينا عطلة من عطلنا أن نركب قطارا في النهار إلى لكنؤ، وكنا نحب أن نسافر معا، فإن السفر مع الأصدقاء فيه متعة ولذة، فإذا بعمي وصل من بومباي في اليوم نفسه، فلما علم أني مسافر إلى لكنؤ سألني أن أقضي معه ساعات وأرحل بقطار الليل، ولن يفوتني درس في دار العلوم، فصرت بين أمرين: إما أن أصحب أصدقائي أو ألبي رغبة عمي، ورأيت أن مرافقة الأصدقاء هوى في نفسي وأن إطاعة عمي إطاعة لربي، ففضلت الثانية على الأولى، وقضيت معه النهار وخرجت بقطار الليل وحدي، ولما وقف القطار في المحطة الثانية صودفت بأصدقائي يدخلون في المقصورة التي أنا فيها، فعجبوا من رؤيتي وعجبت من رؤيتهم، وذكروا لي أنهم تأخروا عن موعد قطار النهار ففاتهم وظنوا أني قد مضيت فيه، وقصصت عليهم قصتي، وشكرت الله على هدايته وتيسيره.

قالوا: وأخبرنا عن عمل لك سيء، مغبته ومآله.

قلت: كان لي صديق عزيز في دار العلوم لندوة العلماء، كلما أكل طعاما تصبب رأسه عرقا، فكنت أعجب منه وأضحك، ولم يمض إلا قليل حتى أصبت بالداء نفسه، ولا أزال أعانيه، وكان لي صديق آخر مصابا بعلة فضحكت عليه من أجلها، فنصحني ونهاني عن الضحك شفقة علي، وقال: ضحكتُ على صديق لي فابتليت بها، فلا تضحك علي فتبتلى بها، فامتنعت من الضحك، ورأيت في حياتي كلما ضحكت على أحد عوقبت بالمثل.

قلت: وأصبحت من كثرة تجاربي ومن قراءتي لكتاب الله العظيم على يقين بأني كلما أتيت حسنة رأيت لها عاقبة محمودة، وكلما أتيت سيئة وجدت لها عاقبة وخيمة إلا أن أستغفر الله وأتوب إليه أو أتصدق بصدقة فيعفو عني فإنه عفو كريم.

قالوا: أيصدك يقينك عن اقتراف السيئات؟

قلت: نعم، يصدني، قالوا: فهل يعني ذلك أنك تحمي نفسك من المعاصي؟ قلت: لا، فإني ما زلت أرتكب أنواعا من المعاصي والذنوب.

قالوا: عجبنا منك وأنت شيخنا أن لا تحنكك التجارب، ما لك لا ينجع فيك تأديب الزمان؟ أو لم يتناه إليك أن من علم بطريق مخوف ثم سلكه على علم به سمي جاهلا؟ وأن من ركب هواه ورفض أن يعمل بما جرَّبه هو سمي فاسقا؟

قلت: إن الهوى يعميني عن النظر في العواقب، فيستولي الشيطان علي فأطيعه.

قالوا: كيف تتجرأ على فعل ما أنت زاعم عقابه؟ ما لك لا تسعى إلى سبيل النجاة والتخلص من الهلاك؟

قلت: إني أقرأ القرآن وأتدبره وأصلي الصلوات وأستعيذ بمولاي من شر نفسي وكيد الشيطان، ولكني عاجز قليل الرأي ناقص الهمة فاتر العزم، تغلبني هواي فأضعف عن مقاومة الشيطان.

قالوا: فما الحيلة؟

قلت: لا أدري، ولكني غير مقر على نفسي بالهزيمة، يغالبني الشيطان فأغلبه طورا ويغلبني طورا، ولعلي أغلبه فيستسلم لي استسلاما.

قالوا: وهل يعقب عملك السيء عن شيء صالح لك ونافع؟

قلت: كلما وقعت في خطيئة استفدت أمرين: الأول أني أنكسر فلا أرى لنفسي فضلا على أحد ولا أتكل على عملي وعقلي، والثاني أن رحمة ربي تأخذ بيدي وتدفعني إلى التوبة وإلى إصلاح أمري ويعروني تفجع ونحيب.

قالوا: فما توصينا؟

قلت: أوصيكم ونفسي بتقوى الله ومراقبته، وأن لا ننسى أن الجزاء محتوم، وأن نواظب على الصلاة والطاعات وتدبر كتاب الله والنظر في سير الأنبياء والمرسلين، ونلتزم صحبة الصالحين، وأن لا نتوانى عن الحسنات، ولا نضيع الفرص المتاحات، وأن لا نستصغر عدونا المبين، ولا نغتر به اغترارا، ملحين في طلب الصبا وضلاله، وأن نلتجئ إلى ربنا سائلا إياه أن يعصمنا ويعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا