الثلاثاء 15 شعبان 1441 - 7 أبريل 2020

مختارات من تفسير " من روائع البيان في سور القرآن" (41)

السبت 21 جمادى الآخرة 1441 - 15 فبراير 2020 187 مثنى محمد هبيان
مختارات من تفسير

 

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30]

السؤال الأول:

ما دلالة الصيغة الاسمية فى الآية: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً } [البقرة:30] ؟

الجواب:

معلوم كما هو مقرر في البلاغة وفي اللغة : أنّ الاسم يدل على الثبوت والفعل يدل على الحدوث والتجدد، والاسم أقوى من الفعل، وهناك فرق بين أنْ تقول : هو متعلم أو هو يتعلم، هو يتثقف وهو مثقف، هو يتفقه وهو فقيه، هو حافظ أو هو يحفظ، ومن الثوابت في اللغة أنّ الاسم يدل على الثبوت حتى لو لم يقع.

وفي البلاغة عموماً إذا أردت أنْ تذكر أنّ هذا أمر ثابت فتذكره بالصيغة الاسمية قبل أنْ يقع، فتُسأل مثلاً هل سينجح فلان؟ فتقول: هو ناجح قبل أنْ يمتحن؛ لأنك واثق أنه ناجح , كما قال تعالى {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] {وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ} [هود:37] لم يقل: سأغرقهم، هذا في التعبير أقوى دلالة من الفعل.

السؤال الثاني:

قوله تعالى : {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30] هل من فارق بين نقدس لك، ونقدسك؟

الجواب:

الفعل (يقدس) فعل متعدٍّ يأخذ مفعولاً به دون حرف الجر اللام، فنقول: نقدس الله، لكنّ الآية أدخلت اللام على الكاف، فما فائدة هذه اللام؟ فائدتُها للتخصيص، أي: التقديس لك لا لغيرك، فالملائكة لا تعصي الله ما أمرها فهي لا تقدس إلا لله، بخلاف البشر الذين قد يقدسون الله ومع تقديسهم لله قد يقدسون غيره.

السؤال الثالث:

ما دلالة كلمة: {خَلِيفَةً} في الآية ؟

الجواب:

في كلمة (خليفة) عدة أقوال :

ـ القول الأول : - وعليه أغلب المفسرين- أنه؛ أي الإنسان، خليفة الله عز وجل في الأرض، وأنّ الله سبحانه وتعالى أوكل إليه أنْ يعمر الأرض، وهو يتولى إعمارها بأنْ يبني هذه البيوت وهذه العمارات والطرق وشق الأنهار وغيرها, وهذه أفعال لا يفعلها من مخلوقات الله أحد، لا الجن يفعلها ولا الطيور ولا الدواب ولا الملائكة إلا إذا كلفهم الله عز وجل أن يفعلوا شيئا فيفعلونه .

وهذا المخلوق ـ الإنسان ـ زُوِّدَ بوسائل بحيث يستطيع أنْ يقوم بالأعمال التي هيأه الله عز وجل لها، فيكون خليفة الله عز وجل في أرضه فيعمر الأرض ، وهذه الأرض موجود فيها المواد والأشياء، وليس هناك في خلق الله سبحانه وتعالى من يجمع هذه الأشياء ويجعل منها حاسوباً إلا هذا الإنسان فهو مُصنِّعٌ في الأرض، وهذه لا تكون إلا بكلمة (كُن فيكونُ) الإلهية. 

ـ القول الثاني : يقول : ممكن أنْ يكون هناك خلق قبلنا، فهذا المخلوق الجديد آدم هو خَلَفٌ لذلك الخلق الذي قبلنا. 

ـ القول الثالث : أنه خليفة، أي: يخلف بعضهم بعضاً فيتوالد ويتكاثر. 

وهذه الآراء جميعاً هي لكبار علمائنا لا نجادل فيها لأنه أمر غيبي، انتهى خلق الإنسان والإنسان الآن يعمل والجدل فيه لا يثمر. 

ـ وآخر قسم من العلماء يقولون : المراد الأنبياء وبقية البشر تبعٌ لهم؛ لأنّ الأنبياء يبلّغون شرع الله ويبلّغون رسالاته، فهم بهذا المعنى خلفاء في أنهم ينقلون شرع الله عز وجل، وهذا المعنى تحتمله اللغة ولا مساس فيه بالاعتقاد , لكنّ سياق الآية لا يُسعف في هذا؛ لأنّ سياق الآية الكلام عن آدم قال: إني جاعل في الأرض خليفة، فتساءل الملائكة: ما هذا الخليفة ؟ ولم يعترضوا على الله سبحانه وتعالى،التساؤل فقط للاستفسار والكشف لا غير .

السؤال الرابع:

من أين علمت الملائكة أنّ هذا المخلوق الجديد سوف يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ 

الجواب:

لعلمائنا أكثر من قول في علم الملائكة بطبيعة هذا المخلوق، وكلها أقوال محترمة:

ـ الرأي الأول : وهو الذي يميل إليه عدد كبير من العلماء؛ وهو أنّ الحوار في القرآن مختصر، كأنّ الله عز وجل حين قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] كأنّ الملائكة سألت : ما شأن هذا الخليفة؟ ما الخليفة هذا؟ وهم خالو الذهن؟ فقال الله عز وجل : إنّ هذا مخلوق له ذرية، من هذه الذرية من سيُسَبِّحُني ويعبُدُني ويقدِّسُني، ومنهم من سوف يفسد ويسفك الدماء، ومن هنا نفهم لماذا ذكروا تسبيحهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة:30] فإذا كان هناك من سيُسَبِّحُ ويقدِّسُ من هذه الذرية فنحن نسبِّحُ ونقدِّسُ، والقسمُ الآخر مفسدٌ يسفكُ الدماء، فما الداعي لإيجاده؟ مجرد سؤال أو للاستفسار بصيغةِ سؤالٍ مؤَدَّبٍ، فسألوا ربهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } [البقرة:30] هذا الرأي الأول وقد مال إليه عدد من كبار علمائنا من المفسرين.

ـ الرأي الثاني: يقول : لعل لديهم تجربة سابقة من خلق إنسان سابق أو مخلوق سابق أفسد وسفك دماءً، فقالوا : هذا سيفعل كما فعل الذي قبله .

وخلق إنسان سابق فيه نظر، وليس لدينا دليل وقد يكون , لكنّ هذا هو الحوار الذي حدث بين الله سبحانه وبين ملائكته , حتى أنّ بعض العلماء يسأل ويقول : ما الداعي إلى أنّ الله سبحانه وتعالى يحاورهم؟ والجواب أنّ الله سبحانه وتعالى يذكر لنا ذلك في القرآن حتى يعلمنا المشورة والمشاورة فلا ينفرد الحاكم برأيه، فرب العزة يشاور الملائكة ويحدثهم ويذكر لنا هذا الأمر أنه عرض على الملائكة وقال لهم: سيكون كذا فقالوا له: يا رب ما شأنه؟ قال: هذا شأنه: منه من يسفك الدماء ويفسد, ومنه من سيسبحني ويقدسني. وهذا هو واقع الحال؛ فالبشر الآن منهم من يفسد فيها ويسفك الدماء، ومنهم من يسبح الله عز وجل ويعبده .

ولمَ عرض الباري عز وجل على الملائكة: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:30] ؟ وذلك لأنهم مشتغلون في الأرض، ومهمتهم في الأرض، من أجل هذا عرض عليهم، ولا يعقل أنه عرض على كل ملائكة السماء والكون وإنما على فئة لها شغل بهذا المخلوق الجديد وبمكانه، وإبليس كان من ضمن هؤلاء، وهو ليس مَلَكَاً لكنه من ضمن الذين لهم شغل؛ لذلك كُلّف مباشرة : {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ] [الأعراف:12] أُمِر مباشرة بالسجود.

ومما ذُكر: أنه يحتمل أنهم اطلعوا على اللوح المحفوظ , واللوح المحفوظ كُتِبَ فيه كل شيء وما يفعله البشر، فرأوا ما يفعله هؤلاء فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة:30] فهم اطلعوا إمّا بإخبار الله لهم , أو بما اطلعوا عليه في اللوح المحفوظ.

السؤال الخامس:

جاءت قصة آدم عليه السلام في سورة البقرة في الآيات (30-38) وجاء في آيتي الأعراف [10-11] قوله تعالى: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ(10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ(11) }. [الأعراف: 10 - 11] والخطاب فيها بصيغة الجمع وليس بالإفراد لآدم , وقوله تعالى في آية الأعراف 172 

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} [الأعراف:172] وقوله تعالى في آية الأحزاب 72 {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72] فهل يمكن - بعد استعراض جميع الصور القرآنية لجوانب قصة الإنسان والأنفس وآدم - أنْ نبين ترتيب مراحل هذه المسألة ؟

الجواب:

المراحل هي : - والله أعلم - 

1ـ خلق جميع البشر كأنفس مجردة عن المادة من آدم عليه السلام حتى قيام الساعة.

2- إعطاء هذه الأنفس صورها الخاصة بها.

3ـ عرض الأمانة على المخلوقات وتعهد الإنسان ( النفس ) بحملها 

4ـ أخذ العهد والميثاق من جميع البشر (الأنفس) {وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} [الأعراف:172] .

5ـ إخبار الله تعالى للملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة .

6ـ معرفة الملائكة بإفساد بني آدم وسفكهم الدماء عندما كشف الله تعالى عنها غطاء غيب الزمن المستقبل .

7 - خلق جسد آدم عبر المراحل التي بيِّنها القرآن الكريم ، ومن ثمَّ تسويته إنساناً كاملاً ونفخ الروح فيه. وهنا دخل آدم عليه السلام عالم المادة والمكان والزمان وأصبح محكوماً لهذه القوانين.

8ـ تعليم الله تعالى لآدم الأسماء كلها , وإخبار آدم الملائكة بذلك .

9ـ الأمر الإلهي للملائكة بالسجود لآدم حين الانتهاء من خلق جسده: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ} ونفخ الروح فيه : {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحِجر:29] .

10ـ سجود الملائكة لآدم عليه السلام وعصيان إبليس بسبب مادة جسم آدم، كما في قوله تعالى على لسان إبليس: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [الأعراف:12] .

11ـ إسكان آدم وزوجه جنّة التدريب والاختبار .

12- إغواء إبليس لهما .

13ـ تلقي آدم التوبة من الله تعالى حيث اجتباه الله تعالى وهداه ، وهنا دخل آدم عليه السلام مرحلة النبوة .

14ـ هبوط آدم عليه السلام وذريته إلى الأرض, ووعد الله تعالى بأنْ يرسل لهم رسلاً يحملون لهم الهدى ومنهج الحق . والله أعلم .

السؤال السادس:

ما الدروس المختصرة والعبر المعتبرة من قصة آدم عليه السلام وسجود الملائكة له ورفض إبليس ونزول الجميع إلى الأرض ؟

الجواب:

أولا ً :

القصة فيها عبرٌ كثيرة، ومنها :

ـ إياك والمعاصي فإنها أذلت عزّ {اُسْجُدُوا} وأخرجت آدم من: {وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ} .

ـ فَرِحَ إبليس بنزول آدم من الجنة وما علم أنّ هبوط الغائص في اللجّة خلف الدّر صعود، كم بين قوله لآدم : {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] وقوله لإبليس: {اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ} [الإسراء:63] .

ـ يا آدم لا تجزع من قولي لك: {اخْرُجْ مِنْهَا} فلك ولصالح ذريتك خلقتها.

ـ تالله ما نفعه عند معصيته عِزُّ: {اسْجُدُوا} ولا خصيصةُ: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص:75] ولا فخرُ: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحِجر:29] وإنما انتفع بذلِّ: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف:23].

ـ يا لها لحظة أثمرت حرارة القلق وما زال يكتب بدم الندم سطور الحُزن ويرسلها مع أنفاس الأسف حتى جاءه توقيع : {فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة:37] .

ثانياً : 

كان أولَ المخلوقات القلمُ ليكتب المقادير قبل كونها وجعل آدم آخر المخلوقات وفي ذلك حِكَم :

1ـ تمهيد الدار قبل الساكن .

2ـ أنه الغاية التي خلق لأجلها ما سواه. 

3ـ أنّ أحذق الصنّاع يختم عمله بأحسنه وغايته.

4ـ أنّ النفوس متطلعة إلى النهايات والأواخر دائماً.

5ـ أنّ الله أخّر أفضل الكتب والأنبياء والأمم إلى آخر الزمان وجعل الآخرة خيراً من الأولى , فكم بين قول المَلَك للرسول صلى الله عليه وسلم : {اقْرَا} فيقول : ما أنا بقارىء وبين قوله تعالى : {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3] .

6ـ أنّ خلق آدم خلاصة الوجود، فناسب أنْ يكون خلقه بعد الموجودات.

7ـ أنّ من كرامة آدم على خالقه أنه هيأ له مصالحه وحوائجه وأسباب حياته، فما رفع رأسه إلا وذلك كله حاضر.

8ـ أنه سبحانه أراد أنْ يظهر شرفه وفضله على سائر المخلوقات فقدّمها عليه بالخلق.

9ـ أنه سبحانه لما افتتح خلق هذا العالم بالقلم كان من أحسن المناسبة أنْ يختمه بخلق الإنسان فإنّ القلم آلة العلم والإنسان هو العالِم، ولهذا أظهر سبحانه فضل آدم على الملائكة بالعلم الذي خُصّ به دونهم.

ثالثاً : 

الله سبحانه وتعالى كتب عذر آدم قبل هبوطه إلى الأرض ووسمه بالخلافة قبل الهبوط، فقال : {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30] ونبّه الملائكة على فضله وشرفه .

والمحب يقيم عذر المحبوب قبل جنايته، فلمّا صوّره على باب الجنة أربعين سنة؛ لأنّ دأب المحب الوقوف على باب الحبيب, ورمى به في طريق ذل: {لَمْ يَكُنْ شَيْئًا} [الإنسان:1] لئلا يُعجب بموقف: {اسْجُدوا} وكان إبليس يمر على جسده فيعجب منه، ويقول : لأمر قد خلقت , ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول : لئن سُلِّطتُ عليك لأهلكنك، ولئن سلُطت عليَّ لأعصينك، ولم يعلم أنّ هلاكه على يده, رأى طيناً مجموعاً فاحتقره فلمّا صوّر الطين دبّ فيه داء الحسد، فلمّا نفخ فيه الروح مات الحاسد, فلمّا بسط له بساط العز عرضت عليه المخلوقات فاستحضر مدّعي: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ} [البقرة:30] إلى حاكم: {أنبِئُوني} [البقرة:31] وقد أخفى الوكيل عنه بينة {وَعَلَّمَ} [البقرة:31] فنكسوا رؤوس الدعاوي على صدور الإقرار، فقام منادي التفضيل في أندية الملائكة ينادي {اسْجُدُوا} فتطهروا من حَدَثِ دعوى: {وَنَحْنُ} [البقرة:30] بماء العذر في آنية: {لَا عِلْمَ لَنَا} [البقرة:32] فسجدوا على طهارة التسليم، وقام إبليس ناحيةً لم يسجد لأنه خَبَثٌ وقد تلون بنجاسة الاعتراض، وما كانت نجاسته تُتلافى بالتطهير؛ لأنها عينية، فلما تمّ كمال آدم جرى القدر بالذنب ليتبين أثر العبودية في الذل.

ولمّا علم الله أنّ ذنب عبده لم يكن قصداً لمخالفته ولا قدحاً في حكمته علّمه كيف يعتذر إليه: {فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة:37] .

السؤال السابع:

ما وجه الاختلاف في قصة آدم بين سورتي البقرة والأعراف؟

الجواب:

مقدمــة : 

أولا ًـ ذكر الله تعالى قصة آدم عليه السلام مع قصة إبليس في القرآن الكريم في سبع سور؛ وهي [ البقرة ـ الأعراف ـ الحجر ـ الإسراء ـ الكهف ـ طه ـ ص ].

ثانياً ـ تبدأ هذه القصة في سورة البقرة من أقدم حدثٍ فيها حين أبلغ الرب سبحانه وتعالى ملائكته بقراره في أنْ يجعل في الأرض خليفة، وذلك قبل خلق آدم, وذكر فيها مراجعة الملائكة لربهم في هذا القرار مبدين عدم رغبتهم في هذا الاستخلاف لأسباب ذكروها , فقطع الله عليهم تخوفهم وظنونهم بعلمه الذي لا يحد , ثم ذكر اختبار المفاضلة الذي أجراه الله بين آدم والملائكة ففضلهم فيه آدم , وثبت بذلك أنّ آدم جدير بالاستخلاف في الأرض.

هذه الأولويات ذكرت في أول سورة من القرآن وفي أول قصة من السورة ولم يذكرها في مكان آخرفي كل القرآن , و قد جاءت القصة في سورة البقرة مبنية على ركنين:

آ ـ تكريم آدم، ويتجلى في : 

1ـ ذكر استخلاف آدم في الأرض: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30].

2ـ تفضيل آدم على الملائكة بتعليمه الأسماء كلها مما لا يعلمه الملائكة.

3ـ إسجاد الملائكة له.

ب ـ تكريم العلم، ويتجلى في : 

1ـ إثبات العلم الشامل لله.

2ـ نفي العلم عن الملائكة إلا ما علمهم إياه رب العزة.

3ـ إثبات التعليم لآدم بما يصلح أنْ يقوم به أمر الخلافة ويستقيم.

والاستخلاف الناجح لا بدّ له من أمرين :

آ ـ أنْ يكون للخليفة حق التصرف والتدبير فيما استخلف فيه.

ب ـ أنْ تكون له القدرة على هذا التصرف حسب العلم والقدرات التي أعطاها الله للإنسان . 

ونستطيع أنْ نقول بشكل مجمل إنّ القصة في سورة البقرة مبنية بشكل رئيس على تكريم آدم, وكل الجوانب الأخرى المذكورة من العلم والاستخلاف إنما تخدم هذا التكريم.

أمّا قصة آدم في سورة الأعراف، فهي ليست مبنية على هذا الأمر، بل لها غرض آخر وقد وقع فيها التكريم ثانوياً , وقد ذكرت القصة في سورة الأعراف في سياق العقوبات وإهلاك الأمم الظالمة من بني آدم وفي سياق غضب الله سبحانه، قال تعالى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ(4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(5) } [الأعراف:4-5]. 

وبناء على ذلك بنيت القصة في كل سورة على ما جاء في سياقها , وهذا ما سوف يأتي بيانه إنْ شاء الله تعالى:

1 ـ معصية إبليس :

جاء في البقرة قوله تعالى: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ} [البقرة:34]. 

بينما جاء في الأعراف قوله: {إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف:11]. 

فقد جمع لإبليس في سورة البقرة الإباء والاستكبار معاً للدلالة على شناعة معصيته بحق آدم الذي أكرمه الله وعلّمه, ولم يقل مثل ذلك في كل القرآن الكريم، بل هو إمّا أن يقول: {أَبَى} [البقرة:34] وإمّا أن يقول:{وَاستَكبَرَ} [البقرة:34] ولم يجمعهما إلا في هذا الموضع .

فالفرق واضح بين التعبيرين بحسب موقف التكريم.

2 ـ سكن الجنة والأكل :

قال في البقرة : {وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:35]. 

وقال في الأعراف : {وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأعراف:19]. 

واليك الفروق بين التعبيرين في الآيتين :

 

فقد أسند القول لنفسه في البقرة {وَقُلْنَا} [البقرة:35]، وهذا في مقام التكريم والتعظيم , وناسب هذا أنْ يذكر {رَغَداً} في البقرة دون الأعراف.

وقال في البقرة :{وَكُلاَ} بالواو، بينما قال في الأعراف:{فَكُلاَ} بالفاء والواو لمطلق الجمع والفاء تفيد التعقيب والترتيب , أي: أنّ الواو أوسع من الفاء؛ لأنّ من جملة معانيها معنى الفاء , فإذا قلت لشخص ما : ادخل وكل , كان له الحق في أنْ يأكل متى شاء على حسب رغبته ومتى أكل كان موافقاً للأمر , ولو قلت له : ادخل فكل , كان عليه أنْ يأكل في عقب الدخول ولو تأخر لكان مخالفاً للأمر ويحق لك أنْ تمنعه .

إضافة إلى أنه أعاد ضمير الجنة في البقرة مع الأكل: {وَكُلاَ مِنْهَا} ولم يعده في الأعراف , فأنت ترى أنه ذكر الجنة وضميرها في البقرة وهو المناسب لمقام التكريم فيها، ولم يفعل مثل ذلك في الأعراف.

ـ الظرف: {حَيٍثُ شِئتُمَا} في البقرة يحتمل أنْ يكون للسكن والأكل جميعاً، والمعنى: اسكنا حيث شئتما وكلا حيث شئتما . 

وأمّا التعبير في الأعراف: {مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} فلا يحتمل إلا أنْ يكون للأكل : فكلا من حيث شئتما ولا يصح تعليقه بالسكن، أي: لا يصح أنْ يُقال : اسكنا من حيث شئتما .

لذلك المشيئة والتخيير في البقرة أوسع؛ لأنها تشمل السكن والأكل، بخلاف الأعراف، وهذا مناسب لمقام التكريم.

3 ـ الزلة :

قال في البقرة : {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} [البقرة:36].

وقال في الأعراف: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف:22].

الزلة قد تكون في المكان نفسه ,وأمّا التدلية فلا تكون إلا إلى أسفل , ذلك أنها من التدلية في البئر , أمّا الزلة فقد لا تكون إلى أسفل .

ومعنى {فَدَلَّاهُمَا} [الأعراف:22] أي: أنزلهما من مكان إلى مكان أحط منه , فخفف المعصية في البقرة وسماها زلة مراعاة لمقام التكريم بخلاف الأعراف .

4 ـ معاتبة الرب لآدم :

لم يذكر في البقرة معاتبة الرب سبحانه لآدم وزوجه على معصيتهما مراعاة لمقام التكريم، بخلاف الأعراف فقد ذكر أنه عتبهما عليها فقال : {وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأعراف:22] .

ولا شك أنّ مرتبة العتاب أدنى من عدمه .

ثم انظر كيف ناسب هذا العتاب لأبوي البشر في الجنة عتاب أبنائهما في الدنيا في الآية التي سبقت هذه القصة: {قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} [الأعراف:10].

5 ـ التصريح بالمعصية :

طوى في البقرة تصريح آدم عن نفسه بالمعصية ولم يذكرها إكراماً له، في حين ذكرها في الأعراف فقال : {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف:23]. 

ذكر الله تعالى ندم المعاقبين من بني آدم في الأعراف فقال: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ(4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(5)} [الأعراف:4-5] .

فانتهت بـ {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف:5] وذكرت الآية عن ندم آدم عليه السلام بـ {ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف:23] فانظر كيف اتفق الندمان على أمر واحد وهو الظلم، فقال آدم: {ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف:23] وقال أبناؤه: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الأعراف:5].

ثم انظر إلى التناسب بين العقوبة ومقدار الظلم؛ فقد قال آدم: {ظَلَمْنَا} بالصيغة الفعلية الدالة على الحدوث للدلالة على أنها زلة طارئة وليست معصية إصرار, بينما قال أبناؤه: {إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} بالصيغة الاسمية الدالة على الثبات على الظلم والإصرار، فتاب على الأولين وأهلك الآخرين .

فسبحان الله ؛ ما أبدع هذا الكلام وأعظمه!!!

6 ـ التوبة على آدم :

في مقام سورة البقرة ذُكر أنّ آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه, علماً بأنه لم يذكر فيها أنّ آدم طلب من ربه المغفرة ومع ذلك ذكر أنه تاب عليه.

وفي مقام سورة الأعراف ذُكر أنّ آدم طلب من ربه المغفرة ولم يذكر أنه تاب عليه.

فانظر إلى تناسب سياق البقرة مع مقام التكريم وسياق الأعراف مع مقام العتاب والمؤاخذة , ثم قل: جلّ قائل هذا الكلام.

7 ـ الوعد بالعودة إلى الجنة مع اتباع الهدى :

قال في البقرة : {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38] .

ولم يقل مثل ذلك في الأعراف , والتكريم واضح في هذه الآية؛ إذ فيها وعد لمن تبع الهدى بالعودة إلى الجنة حيث لا خوف ولا حزن.

قال في البقرة: {تَبِعَ} [البقرة:38] بالتخفيف ولم يقل ـ اتّبع ـ بالتشديد كما في آية طه، حيث قال : {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه:123] ؛ وذلك للأسباب التالية :

آ ـ الفعل بالتشديد يفيد المبالغة , فاكتفى في البقرة بالأخف من الحدث، ولم يشدد عليهم تخفيفاً على البشر مراعاة لمقام التكريم.

ب ـ الفعل (تبع) تردد في سورة البقرة أكثر من أي سورة أخرى في القرآن، فوضعه في مكانه الذي هو أليق به.

ج ـ جاء التخفيف في البقرة مع إسناد القول إلى نفسه سبحانه : {قُلْنَا اهْبِطُواْ} [البقرة:38] بينما جاء التشديد مع إسناد القول إلى الغائب: {قَالَ اهْبِطَا} [طه:123] والله سبحانه يظهر نفسه في موقف التلطف والتكريم.

د ـ في البقرة جاء الفعل بواو الجماعة {اهْبِطُواْ} [البقرة:38]، بينما جاء الفعل بالتثنية في طه : {قَالَ اهْبِطَا} [طه:123].

هـ ـ نهاية آية البقرة تتعلق بالآخرة: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38] أي: في الآخرة، ونهاية آية طه تتعلق بالدنيا والآخرة: {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه:123] أي: لا يضل في الدنيا ؛ لأنّ الضلال إنما يكون فيها، وأمّا في الآخرة فينكشف الغطاء ويصبح الناس كلهم على بصيرة . وقوله: {وَلَا يَشْقَى} [طه:123] متعلق بالآخرة؛ لأنّ الدنيا لا تخلو من الشقاء بدليل قوله تعالى لآدم : {فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى} [طه:117].

فلمّا كانت آية طه تتعلق بالدنيا والآخرة بخلاف آية البقرة زاد في بناء الفعل إشارة إلى زيادة متعلَّقه.

وآية طه تضمنت أمرين هما : مجاهدة الضلال في الدنيا، والفوز بالآخرة، وآية البقرة تضمنت الفوز في الآخرة, والحالة الأولى تتطلب عملاً أكثر وأشق، فجاء بالفعل الدال على المبالغة والتكلف للأمر الشاق, وجاء بالفعل الخفيف للعمل الخفيف .

وقد تقول : أفلا يتطلب الفوز في الآخرة مجاهدة الضلال في الدنيا؟

والجواب:

إنّ الفوز في الآخرة على مراتب بعضها أعلى من بعض , وليس كل الناجين في الآخرة ممن كانوا يجاهدون الضلال في الدنيا أو لم يضلوا في أمر من الأمور .

فمجاهدة الضلال والتحري لعدم الوقوع فيه مرتبة عالية تتطلب جهداً ومشقة في العمل , فوضع كل فعل في المكان الذي يقتضيه تماماً

8 ـ التناسب بين القصة وخاتمة السورة :

في البقرة: قال الله عن إبليس: {وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ}[البقرة:34]، وقال في خاتمة البقرة : {فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [البقرة:286].

في الأعراف قال الله سبحانه: {فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} [الأعراف:11] وقال: {فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا}[الأعراف:13].

وقال في خاتمة السورة: {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف:206]. 

9 ـ الغرض من الوسوسة :

قال في الأعراف : {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا} [الأعراف:20]. 

فذكر أنّ الغرض من الوسوسة هو أنْ يبدي لهما السوءات المخفية واللام هنا هي لام العاقبة وقد وقع ذلك فعلاً كما في الآية [22] وعقب على ذلك بقوله: {يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف:26] .

ونلاحظ هنا الأمور التالية :

آ ـ ذكر كلمة ( لباس) مع التقوى فقال: {وَلِبَاسُ التَّقْوَى} [الأعراف:26] فاللباس والريش يواري السوءات الظاهرة، ولباس التقوى يواري السوءات الباطنة.

ب ـ ثم حذّر الله ذرية آدم فقال: {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا} [الأعراف:27] .

وفي قوله تعالى: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا} [الأعراف:27] نُسب النزع الذي هو فعل الله إلى إبليس؛ لأنّ سببه أكل الشجرة وسبب أكلها وسوسته ومقاسمته إياهما إنه لمن الناصحين.

ج ـ أمر الله بأخذ الزينة عند كل مسجد، فقال :{يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف:31] .

والزينة هي الريش واللباس , وعقب بعد ذلك بقوله : {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف:32]. 

د ـ ثم انظر بعد ذلك كيف قال في عذاب أهل جهنم: {لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ} [الأعراف:41]. 

فأنت ترى أنّ الشيطان نزع عن أبوينا اللباس في الجنة, وهو في هذه الدنيا حريص على أنْ يفتننا لنتعرى من اللباس الظاهر والباطن , ولا يرضى في الآخرة إلا بأن نتسربل من سرابيل جهنم , أعاذنا الله وإياكم منها ومن أنْ يكون لنا منها مهاد وغواش . ونسأل الله العافية.

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا