الاثنين 30 جمادى الآخرة 1441 - 24 فبراير 2020

هل انتشر الإسلام بالسيف؟ (3-17)

الثلاثاء 25 جمادى الأولى 1441 - 21 يناير 2020 104 جهاد بن عبدالوهاب خيتي
هل انتشر الإسلام بالسيف؟ (3-17)

السؤال:

من الأسئلة الشائعة لدى غير المسلمين عن الإسلام: كيف يُسمى الإسلام دين السلام في حين أنه انتشر بحدّ السيف؟

الجواب:

دعوى أنّ الإسلام انتشر باستخدام السيف والقوة، وأنّ الناس في أنحاء المعمورة أُجبروا على الدخول في الإسلام؛ ليست سوى فرية لا أساس لها في واقع المسلمين على مرّ التاريخ، وليس لها مستند من شرائع الإسلام ومبادئه.

فالصحيح أنّ الإسلام لم ينتشر بالسيف، وإنّما انتشر لأنّه الدين الحقّ الذي يتوافق مع الفطرة والمنطق، ولأنّه يحقق للناس العدل والسلام. 

ولم يُجبِر المسلمون في أي وقت من الأوقات أحدًا على الدخول في الإسلام؛ لأنّ دينهم يمنعهم من ذلك. يقول المؤرخ المرموق "دي لاسي أوليري" في كتابه "الإسلام عند مفترق الطرق" ص (8) ردًّا على هذه الفرية: "إنّ التاريخ يؤكّد بما لا يدع مجالًا لأيّ شكّ أنّ خرافة الاجتياح البربري لمساحات شاسعة من الأرض، وإجبار الناس على الدخول في الإسلام بقوّة السلاح فوق رقاب الشعوب المغلوبة على أمرها؛ إنّما هي خرافة خيالية مضحكة عارية تمامًا من الصحّة وبعيدة كلّ البعد عن الحقيقة".

وفيما يلي: الرد المختصر على هذه الفرية:

العلاقة بين كلمتي الإسلام والسلام في اللغة.

اشتق لفظ "الإسلام" من مادة سلم، وهو الأصل نفسه الذي اشتقت منه كلمة "السلام". 

والإسلام يعني إخلاص الدين لله، وإظهار الخضوع والتسليم له والانقياد لأوامره والقبول بمشيئته، وهذا الاستسلام لأوامر الله تعالى يحقق للمسلم -بل للمجتمع المسلم كلّه- السلام؛ لأنّ شرائع الإسلام وضعها خالق الناس، وهو العالِم بما يصلح أمورهم الروحية والعقلية والنفسية والجسمية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، والتزامها يحقّق السكينة والطمأنينة.

مكانة السلام في الإسلام:

من أسماء الله تعالى: السلام، {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [الحشر: 23] وهذا الاسم يعني أن الله -تعالى- سالم من كل نقص وعيب وظلم وشر، ويعني أنّ الله هو من يمنح السلام والأمان لعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة.

وتحية المسلمين: السلام، وتعني إعطاء الأمان، والدعاء بحصول الخير والطمأنينة لمن تسلّم عليه.

والسلام مبدأ من المبادئ التي حرص الإسلام على غرسها في نفوس المسلمين، حتى أصبحت جزءًا من عقيدتهم وتعاملاتهم.

والقبول بالسلام أحد مبادئ القتال في الإسلام! {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنفال: 61]

والجنة سمّاها الله دار السلام {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ} [يونس: 25].

لا إكراه في الدين:

من مبادئ الإسلام -والتي نطق بها القرآن واضحة جليّة- أنّه "لا إكراه في الدين"، قال تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 256].

فالله -سبحانه وتعالى- نهى المسلمين عن إكراه الناس على الإسلام، حتى ولو كانوا أقرب الناس إليهم؛ حتى يكونوا هم مَن يختاروا ذلك بإرادتهم.

لم ترد كلمة سيف أو أيٍ من مرادفاتها مع كثرتها في القرآن مطلقًا، بعكس الإنجيل:

إنّ كلمة سيف لم ترد في القرآن مطلقًا، بينما وردت في الإنجيل أكثر من مائتي مرة، ومنها ما نُسب إلى المسيح -عليه السلام- أنّه قال: "لا تظنوا أني جئت لألقي سلامًا على الأرض، ما جئت لألقي سلامًا، بل سيفًا" (متى10: 34)

الباعث للحرب في الإسلام: دفع الاعتداء لا البدء به: 

إذا كان الإسلام يدعو للسلام، فإنّه في الوقت نفسه يحضُّ أتباعه على الكفاح حيثما وُجد قَمْع واضطهاد، والكفاح ضد الاضطهاد -في بعض الأحيان- يقتضي استخدام القوة، وفي الإسلام يمكن استخدام القوة فقط لبسط السلام والعدل.

إنّ الحروب التي قام بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم تكن إلا للدفاع عن المسلمين الذين ظلّوا مضطهدين في مكة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجروا إلى المدينة التي دخل أهلها في الإسلام برغبة منهم دون إكراه، فلم يرض المشركون بقيام دولة للمسلمين فحاربوهم، فما كان من النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أن قاتلهم ليدافع عن المسلمين؛ ثم لينقذ المستضعفين في مكة وغيرها من جَوْر المشركين، ثم ليقطع هذا الشر ويستأصله من جزيرة العرب بالكلية.

وليس أدلَّ على نفي تهمة انتشار الإسلام بالسيف أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مكة -بلده التي أُخرج منها بالقوة، وحاربه أهلها بالسيف مدة ثمانية أعوام- أعطى الأمان لكلّ من ترك القتال وأغلق عليه باب بيته منهم، ثم عفى عنهم وترك لهم حرية الدخول في الإسلام. 

ولما بدأ أصحابه من بعده بنشر الدعوة الإسلامية لإخراج الناس من ظلمات الكفر والظلم إلى نور الإسلام والعدل، كان أساس هذه الدعوة: الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، كما قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. ولم يقاتلوا إلا من حاربهم ووقف في طريقهم، ومنعهم من إيصال الدعوة إلى الناس.

ومن عجيب ما حصل في تاريخ حروب المسلمين أنّ بعض الجيوش التي انتصرت على المسلمين وغزت بلادهم -كالتَّتار مثلًا- قد أسلموا ودخلوا في دين الله أفواجًا بعد أن عرفوا حقيقة الدين الإسلامي! فأين الإكراه هنا؟

حال النصارى في كثير من البلدان شاهد على كذب ادعاء أنّ الإسلام انتشر بالسيف:

دخلت مصر تحت الحكم الإسلامي منذ أكثر من 1400 عامًا، ومع هذا فإننا نجد اليوم حوالي 8 مليون نصراني قبطي؛ ظلّوا على دينهم، فلو كان المسلمون قد استخدموا السيف في نشر الإسلام، لما بقى أحد منهم حتى اليوم! 

وحكم المسلمون إسبانيا فترة تبلغ نحو 800 سنة، ولم يستخدموا خلالها السيف قطّ لإجبار الناس على اعتناق الإسلام وبقي النصارى وبقيت كنائسهم قائمة لم تمس بسوء، ولم يُجبر أحد على الدخول في الإسلام، وكذلك الأمر كان مع اليهود حيث وجودوا الأمن والأمان فيها هاربين من أوربة النصرانية، ولكن في وقت لاحق عندما غزا الصليبيون إسبانيا أقاموا للمسلمين المحاكم، وعذّبوهم ونكّلوا بهم لإجبارهم على الرجوع عن دينهم، أو يخرجوا من البلاد.

أما الهند: فقد حكمها المسلمون نحواً من ألف سنة، وقد كان لديهم القوة والسلطة لإجبار كل من ليس مسلمًا على اعتناق الإسلام، لكن ذلك لم يحصل، ونجد اليوم أن أكثر من 80% من سكان الهند من غير المسلمين، وكلّ هؤلاء يشهدون بأن الإسلام لم ينتشر بحد السيف.

كثير من البلاد الإسلامية لم تدخلها جيوش المسلمين:

تحتضن إندونيسيا أكبر عدد من المسلمين في العالم، كما أنّ غالبية السكان في ماليزيا مسلمون، ولك أن تتساءل: أي جيش إسلامي ذهب إلى هذين البلدين ونشر الإسلام بحدّ السيف؟! والجواب: أنّ الإسلام انتشر في تلك البلاد عن طريق التجار المسلمين وأخلاقهم في المعاملة، ولم تصل الجيوش المسلمة إلى تلك المناطق مطلقًا.

وبالطريقة السلمية نفسها انتشر الإسلام على نحو سريع في الساحل الشرقي لإفريقيا، وللمرء أن يتساءل مرة أخرى: إذا ما كان الإسلام قد انتشر بحدّ السيف، ما هو ذلك الجيش الإسلامي الذي ذهب إلى ساحل إفريقيا الشرقي وفتحها عنوة؟!

كلمة أخيرة:

الإسلام أكثر الأديان انتشارًا في العصر الحاضر:

في دراسة قديمة نشرتها مجلة "Reader's Digest" عام 1986م حول نسبة الزيادة في عدد أتباع الأديان في العالم خلال نصف قرن بدءًا من عام 1934 حتى عام 1984م، جاء الإسلام على رأس القائمة بزيادة قدرها 235% بينما ازداد عدد النصارى بنسبة قدرها 47% .

وتشير الإحصائيات الحديثة إلى أنّ الإسلام مازال أسرع الديانات نموًّا في العالم، ففي دراسة أعدّها مركز بيو للأبحاث "Pew Research Center" في إبريل 2015 تبيّن أنّ أكثر الديانات نموًّا حول العالم هي الإسلام. ورغم أنّه ثاني الديانات من حيث عدد المنتسبين إليه بعد النرصانية، إلا أنّه يتوقّع -وفق الدراسة- أن يُصبح عدد المسلمين مساويًا لعدد النصارى بحلول العام 2050 وذلك لأوّل مرة في التاريخ. 

وفي دراسة أخرى للمركز نُشرت في يناير 2019 ذكرت أنّ 49% من المسلمين السود في أمريكا هم من المعتنقين للإسلام، في مقابل 6% من السود النصارى هم ممن اعتنق النصرانية. 

فما الذي ساق الناس للإقبال على الإسلام بهذه الأعداد الكبيرة في الغرب؟ هل يظن عاقل أنّهم أُكرهوا على الإسلام بالسيف؟!

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا