الثلاثاء 2 رجب 1441 - 25 فبراير 2020

من سمرقند إلى قباء! قصة من الواقع

السبت 15 جمادى الأولى 1441 - 11 يناير 2020 90 يحيى حاج يحيى
من سمرقند إلى قباء! قصة من الواقع

( شخصية القصة في الواقع هو الدكتور عبد الكريم شحادة / رحمه الله - وقد التقينا به قدراً في المدينة المنورة في مسجد قباء ، وكنا أربعة من أبناء بلده جسر الشغور : جميل جانودي ، وَ عبد الجليل الجابر وَعبد المحسن علي ، وكاتب السطور ، والقصة منشورة في كتابي : البرتقال يزهر على ضفاف العاصي

** اقتربوا منا بعد انتهاء الصلاة ، وجلسوا وكأنهم يعرفوننا منذ زمن بعيد !

كانوا مجموعة من حجاج داغستان وكان الحاج مصطفى أكبرهم سناً !

- ماشاء الله أنت تتكلم العربية : قال له أحدنا !

- أجاب مبتسماً : نعم ! تعلمتها في داغستان ، في الليل .

- ولماذا الليل !؟

- خوفاً من الشيوعيين آنذاك !؟ إن تعلم العربية ،وقراءة القرآن لم يكن له عقوبة إلا الموت ؟!

حرك هذا الكلام ذكريات دفينة في قلب الدكتور عبد الكريم الذي كنا نتحلق حوله في مسجد قباء ، فالتفت إلى الداغستاني ، وقال : هل تعرف سمرقند ؟ هزّ الحاج مصطفى رأسه بالإيجاب !

تنهد الدكتور ، ونحن نحدق به بانتباه واهتمام شديدين ، وزفر زفرة طويلة ، أحسسنا أنه سيتذكر شيئاً ذا بال ؟ وراح يقص علينا بلغة فصيحة مبسطة ، قصدها ليفهم الأخ الداغستاني ورفقته !

قال الدكتور عبد الكريم : في عام ١٩٦٧ سافرت إلى سمرقند لحضور مؤتمر طبي ، وحين علمت السلطات الشيوعية أنني مسلم اختارت لي مرافقاً يختلف عني ديناً وسلوكاً !؟ كان حريصاً على أن يطبع في ذهني الصورة التي يريدها عن النظام الشيوعي ؛ من أن المؤتمرات تعقد في جميع الجمهوريات ، وليست حكراً على العاصمة ، دون أي اعتبار عرقي أو ديني ،

فهذه سمرقند فيها مسلمون يتمتعون بحريتهم ، ولا يتدخل أحد في شؤونهم !؟ وشاء الله أن يجلس إلى جواري أحد أعضاء المؤتمر من أهل سمرقند ، وحين علم أنني مسلم ازداد تعلقه بي ، وأحسست أن عنده الشيء الكثير يريد أن يقوله لي .....

قدم لي ورقة صغيرة ، ورجاني أن أكتب له بالعربية " بسم الله الرحمن الرحيم " كتبتها بخط جميل ، فأخذها ، ووضعها في جيب سترته ، ولم تمض لحظات حتى قدم لي ورقة أخرى ، وطلب أن أكتب له الفاتحة ! فكتبتها بخط كبير ، فطواها ووضعها في جيب آخر ، وهو يحس بشيء من الاضطراب !!

أحسست أن الرجل يتجاذبه شعوران : فهو يغبط نفسه أن قدر الله له الجلوس بجوار رجل مسلم ، ويخشى في الوقت ذاته أن يراه أحد !؟ كان " حميدوف " يعد هذا اللقاء فرصة يجب اغتنامها بكل ما فيها ! فقدم لي ورقة ثالثة دون أن يقول شيئاً !!

فأخذتها ، وكتبت فيها آية الكرسي ، فطواها ، ووضعها في جيب قريب يلامس القلب تماماً !!

نسي حميدوف الذي كان طبيباً مثلي ، ونسيت أيضاً ، ونحن في غمرة المودة أننا في بلد يحكمه نظام يحصي الحركات ، ويعد الأنفاس !!؟

كان حضور المرافق غير المتوقع مفاجأة لكل منا !؟ لقد كان يراقبنا من بعيد ، وحين رآني وحميدوف في غاية الانسجام ، وشاهد الأوراق التي كتبتها له تغيّر وجهه ، وتبدلت قسماته ، ووجه كلامه إلى حميدوف بلهجة محلية يفهمانها !؟

شعرت من خلال نبراته القاسية أنه يسأله عن الأوراق ؟! ثم انطلق ، وهو يهمهم ، ووقف حميدوف محتاراً !؟ أيعيد الأوراق الثلاث لي ، أم يدسهافي الظرف الذي كان أمامه ، أم يمضي بها إلى المنزل !؟

كان هذا آخر لقاء بيني وبينه ، ومضت أيام المؤتمر ولم يحضر حميدوف !؟

وعدت إلى بلدي لأجد الوزير يوجه لي عتاباً شديداً ، بناء على رسالة من أمانة المؤتمر بأنني خرجت على آداب الضيافة ، وشغلت نفسي بأمور جانبية ليست من طبيعة المؤتمر ، وأنني قمت بعمل تخريبي في بلد صديق ؟!

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا