الأربعاء 5 صفر 1442 - 23 سبتمبر 2020

خذ بالأسباب الموجودة تأتيك الأسباب المفقودة

السبت 15 جمادى الأولى 1441 - 11 يناير 2020 864 محمد سعيد بكر
خذ بالأسباب الموجودة تأتيك الأسباب المفقودة

المحاور:

كانت أمة الإسلام ولا تزال وستبقى أمة التوكل على الله، وحسن الثقة واليقين به، كيف لا وقد تلقت دروس التوكل بالسند المتصل إلى نبيها الكريم صلى الله عليه وسلم، ومنه عبر السلسلة الشريفة من إخوانه الأنبياء، قال تعالى: "وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا ۚ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَا آذَيْتُمُونَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ" (إبراهيم: 12).

التوفيق كل التوفيق في حصول التوازن الشريف بين الأخذ بالأسباب والتوكل على رب الأرباب، دون طغيان لإحدى هذين الواجبين على الآخر، فلا نعتمد على الأسباب ولا نهملها، لأن الاعتماد الكلي عليها دليل غرور واستهانة بقدرة القدير سبحانه، وتركها دليل تواكل وتكاسل قبيح مذموم.

وردت كلمة "سبب" باشتقاقاتها في القرآن العظيم في مواضع عديدة منها:

١. الموضع الأكبر لاكتشاف ضعف الأسباب البشرية، قال تعالى: "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ" ﴿١٦٦ البقرة﴾.

٢. موضع بيان المدد الإلهي لكل من يريد أن يتحدى الله تعالى بما منحه إياه من أسباب، حتى إذا أخذه لم يفلته، قال تعالى: " أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ" (ص: 11).

٣. موضع تمادي الطغاة في استخدام الأسباب لتوهين دعوة الحق وإضعاف حجتها، قال تعالى: "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ﴿٣٦} أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ ۚ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ" (غافر: 37).

٤. موضع بيان التوفيق الإلهي لعبد من العباد صنع حالة من التوازن بين توكله على ربه، واستثماره لما وهبه إياه من أسباب حِسان، قال تعالى في الملك الصالح ذي القرنين:" إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴿٨٤} فَأَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٥﴾ .. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا ﴿٨٩﴾ .. ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴿٩٢﴾" (الكهف).

إن مما يحزن النفس تلك الحالة من السلبية التي يعيشها المسلمون اليوم؛ فقد تركوا الأسباب لأعدائهم، وتحولوا إلى أمة مستهلِكة ومستهلَكة، أكثر من كونها أمة قوية منتجة، وليس أسوأ من الذين عبدوا الأسباب (أعداؤنا) إلا الذين أهملوها وتركوها (نحن)، وفي كلٍّ شر وقبح وسوء.

إننا اليوم أحوج ما نكون إلى إعادة قراءة السيرة النبوية الشريفة لاستلهام شواهد ومواقف نتعلم منها كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بالأسباب الموجودة، فيمنحه ربه أسباباً مفقودة، تكريماً له على ما بذله من جهد، وتربية لأمته على وجوب البحث والتنقيب عن الأدوات والأسباب المتاحة، قبل رفع الأيدي إلى الله تعالى لطلب الجديد والمزيد من تلك الأدوات والأسباب! ..

ومن صور الأخذ بالأسباب الموجودة في السيرة النبوية ما يأتي:

١. أنكر النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه عبادة الأوثان، فهجرها وأخذ بسبب الابتعاد عنها، فصار يتعبد في غار حراء، فأكرمه الله تعالى بالوحي من السماء.

٢. أحسن النبي صلى الله عليه وسلم حين أخذ بالأسباب الأمنية الحافظة لدعوته الوليدة من أذى قريش، وقد بدأ الدعوة سراً ثم جمع أصحابه في دار الأرقم، ففتح له الله مملكة الحبشة، ثم أكرمه بدار دولته في المدينة المنورة.

٣. أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأسباب النجاح عند محاولته فتح آفاق جديدة للدعوة، وإن فشل بعض من دعاهم في احتضان دعوته، إلا أن الله تعالى منحه الأسباب المفقودة مكافأة له على سعيه في الأخذ بالأسباب الموجود؛ فقد رفضه أهل الطائف فاستقبله الأنبياء في السماء، ورفضته بعض القبائل التي طلب هدايتها أو نصرتها، فأتى الله بوفد المدينة ليبايعه البيعتين، ويمهد له طريق الهجرة إلى المدينة.

٤. كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب من جبريل عليه السلام أن يحمله من مكة مهاجراً إلى المدينة دون أن يجد أدنى مشقة وعنت، وكان بإمكانه أن يرجعه إلى مكة بعد رحلة الطائف دون استعانة بأحد المشركين، لكنه أراد أن يعلمنا أن الأخذ بالأسباب لا يتعارض مع التوكل على رب الأرباب، وأن معية الله لا تحصل للمتواكلين، وما كانت الحمامة لتبيض ولا العنكبوت لينسج خيوط بيته على باب الغار (كما اشتهر في روايات تاريخية وإن لم تثبت حديثياً) ولا لأرجل حصان سراقة وعيون طالبي جائزة قريش أن تمتنع عن التقدم لملاحقة النبي صلى الله عليه وسلم لولا أنه أخذ بالأسباب وتوكل على ربه الوهاب.

٥. كان لحسن التدبير قبيل الغزوات أثره في ترك التواكل، ولحسن اللجوء إلى الله تعالى أثره البارز في استنزال الملائكة أثناء العديد من تلك الغزوات، قال تعالى: "إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ" (الأنفال: 9).

٦. ما كانت الريح لتعصف بخيام جيش الأحزاب المتكتل حول المدينة لولا الجهد الكبير الذي بذله الصحابة في حفر الخندق حول نقاط ضعفها لحمايتها، ومحاولة النبي صلى الله عليه وسلم تفكيك ذاك الجيش الخبيث من خلال حرصه على متابعة أخبارهم، وقبوله عرض نعيم بن مسعود رضي الله عنه في زعزعة الثقة بينهم .. كل ذلك بعد اللجوء الصادق إلى الله والثقة بنصره على الأحزاب، بل والأمل الكبير بفتح العراق واليمن والشام.

٧. ما كانت قريش لتشترك مع حلفائها بنو بكر في قتل عدد من رجال بني خزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك سبباً وجيهاً وذريعة مقبولة لتجهيز جيش فتح مكة، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بأسباب الفتح من خلال إجراء الصلح (صلح الحديبية) وحسن الثقة بالله تعالى وأنه لن يضيعه.

٨. ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليجلي يهود المدينة أو يؤدبهم لولا أنه قيّد حراكهم الخبيث بوثيقة المدينة التي نصت على منع الدسائس ووجوب الدفاع المشترك، فكانت خيانة يهود سبباً وذريعة في طردهم وتأديبهم.

٩. كانت دماء شهداء مؤتة وإنقاذ خالد بن الوليد رضي الله عنه للجيش بخطة موفقة سبباً واضحاً من أسباب انتصار جيش تبوك على الروم بعدها بعام، فالروم قد شهدوا شجاعة ٣ آلاف مقاتل في مؤتة، فأدركوا أنهم لا يستطيعون المغامرة في مواجهة ٣٠ ألفاً من النوع البشري نفسه في تبوك، وكفى الله المؤمنين القتال.

١٠. ما كان جبريل عليه السلام لينزل فيكشف محاولة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه في كشف مسير جيش فتح مكة، ولا كان لينزل لكشف براءة عائشة رضي الله عنها عند حادثة الإفك، لولا استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بربه أولاً ثم أخذه بالأسباب والإجراءات البشرية المتاحة، فهو قبيل فتح مكة كان شديد الحرص على كتمان الخبر، وهو عند حادثة الإفك كان شديد الحرص على إظهار أدلة براءة زوجته الطاهرة العفيفة.

١١. ما كان الناس ليدخلوا في دين الله أفواجاً لولا استعانة النبي صلى الله عليه وسلم بربه ثم أخذه بأسباب الإمساك بزمام القوة لتحقيق الانتقال من حالة الاستضعاف في مكة إلى حالة الاستخلاف في المدينة، وفي حين كان ضعفنا في مكة يغري أهلها بالاعتداء (علينا)، أصبحت قوتنا في المدينة تغري عموم الناس بالاهتداء (إلينا).

إن طالباً ينتظر بلهفة مع المنتظرين تفوقاً أو نجاحاً في يوم إعلان نتائج الاختبارات النهائية دون أن يكون قد سجل في المدرسة وداوم فيها وشارك طلابها ونجح في اختباراتها اليومية والشهرية، ما هو إلا وأهم مغرور أو مريض نفسياً، وسيكتشف لاحقاً أنه لا يمكن أن يظهر اسمه في قوائم المتفوقين، ولا الناجحين، ولا حتى في قوائم الراسبين (باعتبار أنه لم يسجل اسمه في المدرسة ابتداءً).

قد يتأخر التدخل الإلهي المباشر على الرغم من استيفائك للأخذ بالأسباب المتاحة .. وهذا لحكمة يريدها الله تعالى، والخبرة فيما يختار الله لتا لا فيما نختاره لأنفسنا.

وختاماً:

إن أمة الإسلام اليوم تطلب الأسباب المفقودة دون استعدادها للتضحية واستفراغ الوسع وبذل الجهد في تفعيل واستثمار الأسباب الموجودة؛ فهي تطلب نزول جبريل وعموم الملائكة عليهم السلام لنصرتها وحمايتها، وتطلب البراق ليحملها ويطير بها، والريح لتخلع خيام أعدائها، والرعب لتهز أركان المتآمرين عليها، ولكن هيهات هيهات.

فهذا كله لا يكون إلا لأمة بذلت جميع ما تملك من طاقتها وجهدها ثم استيأست من جميع الأسباب البشرية بعد تجريبها .. وعندها يأتيها نصر ربها، قال تعالى: "حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ" (يوسف: 110)

وهو الوقت الذي يكون الباطل قد بلغ الذروة في اعتزازه بما يملك من أسباب بشرية، قال تعالى:" هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ۚ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ" (الحشر: 2).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا