الثلاثاء 26 جمادى الأولى 1441 - 21 يناير 2020

فقه السيرة (66): حج أبي بكر وعام الوفود

الخميس 6 جمادى الأولى 1441 - 2 يناير 2020 93 عمر جبه جي
فقه السيرة (66): حج أبي بكر وعام الوفود

كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة على كل الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والتعبدية ، وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، فحجة عام 8هـ بعد الفتح كُلِّف بها عتَّاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين ، فلما حل موسم الحج أراد صلى الله عليه وسلم الحج، ولكنه قال: «إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك» فأرسل صلى الله عليه وسلم الصدِّيق أميرًا على الحج سنة تسع، فخرج أبو بكر ومعه عدد كبير من الصحابة ، وساقوا معهم الهدي فلما خرج الصديق بركب الحجيج نزلت سورة براءة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه وأمره أن يلحق بأبي بكر الصديق، فخرج على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء، حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي الحليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سارا، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة، وقد خطب الصديق قبل التروية ويوم عرفة ويوم النحر، ويوم النفر الأول فكان يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات... إلخ، وعلي يخلفه في كل موقف من هذه المواقف، فيقرأ على الناس صدر سورة براءة ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: (لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك). 

وقد أمر الصديق أبا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته. 

إن نزول صدر سورة براءة يمثل مفاصلة نهائية مع الوثنية وأتباعها، حيث منعت حجهم وأعلنت الحرب عليهم. 

قال تعالى: ( بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ.فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ  وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إلى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [التوبة: 1-3]. 

وقد أُمهل المعاهدون لأجل معلوم منهم إلى انتهاء مدتهم، فقال تعالى: ( إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) [التوبة: 4]. 

كما أمهل من لا عهد له من المشركين إلى انسلاخ الأشهر الحرم، حيث يصبحون بعدها في حالة حرب مع المسلمين ، قال تعالى: ( فَإِذَا انسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 5]. 

وقد كلف النبي صلى الله عليه وسلم عليًا بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج ، مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم في عقد العهود ونقضها، ألا يتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للإسلام؛ فلذلك تدارك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر وأرسل عليًا بذلك، فهذا هو السبب في تكليف علي بتبليغ صدر سورة براءة، لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن عليًا أحق بالخلافة من أبي بكر، وقد علق على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور؟ وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير؟!. 

وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع. 

لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلا فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخولها في التوحيد.

عـــــام الوفـــــود (9هـ)

لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت ، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أمد أربعة أشهر لقبائل العرب المشركين لكي يقرروا مصيرهم بأنفسهم قبل أن تتخذ الدولة الإسلامية منهم موقفا معينا، ضربت إليه وفود العرب آباط الإبل من كل وجه معلنة إيمانها وولاءها، وقد بلغ عدد الوفود أكثر من مئة وفد .

من هذه الوفود : وفد قبيلة تميم ، وعبد القيس ، وبني حنيفة، ووفد نجران، ووفد الأشعريين، وأهل اليمن، ووفد دوس . 

إن قصص الوفود وأخبارها وكيفية تعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم معها من الأهمية بالمكان الكبير ، فلقد تركت لنا تلك الأخبار والقصص منهجًا نبويًا كريمًا في تعامله صلى الله عليه وسلم مع الوفود يمكننا الاستفادة من هديه صلى الله عليه وسلم في تعامله مع النفسية البشرية وتربيته ودقته وتنظيمه، ففيها ثروة هائلة من الفقه الذي يدخل في دوائر التعليم والتربية والتثقيف وبعد النظر وجمع القلوب على الغاية ، وربط أفراد بأعينهم بالمركز بحيث تبقى في كل الظروف والأحوال مرتكزات قوية إلى الإسلام ، إلى غير ذلك من مظاهر العظمة للعاملين في كل الحقول نفسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا وإداريًا وسياسيًا وعسكريًا تعطي لكل عامل في جانب من هذه الجوانب دروسا تكفيه وتغنيه هذا وقد تميز العام التاسع بتوافد العرب إلى المدينة ، وقد استعدت الدولة الإسلامية لاستقبالهم وتهيئة المناخ التربوي لهم، وقد تمثل هذا الاستقبال، بتهيئة مكان إقامة لهم وكانت هناك دار للضيافة ينزل فيها الوافدون، وهناك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان ساحة للاستقبال، ثم كان هناك تطوع أو تكليف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة باستضافة بعض القادمين واهتم صلى الله عليه وسلم بتلك الوفود وحرص على تعليمها وتربيتها، وقد كانت تلك الوفود حريصة على فهم الإسلام وتعلم شرائعه وأحكامه، وآدابه، ونظمه في الحياة، وتطبيق ما علموه تطبيقا عمليا، جعلهم نماذج حياة لفضائله، وقد كان لكثير منهم تساؤلات عن أشياء كانت شائعة بينهم ابتغاء معرفة حلالها وحرامها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا أشد الحرص على تفقيههم في الدين، وبيان ما سألوه عنه ، وكان صلى الله عليه وسلم يدني منهم من يعلم منه زيادة حرص على القرآن العظيم وحفظ آياته تفقهًا فيه ويقول لأصحابه: فقهوا إخوانكم وكان صلى الله عليه وسلم يسأل عمن يعرف من شرفائهم، فإذا رغبوا في الرحيل إلى بلادهم أوصاهم بلزوم الحق، وحثهم على الاعتصام بالصبر، ثم يجزيهم بالجوائز الحسان، ويسوي بينهم فإذا رجعوا إلى أقوامهم رجعوا هداة دعاة مشرقة قلوبهم بنورالإيمان، يعلمونهم مما علموا، ويحدثونهم بما سمعوا، ويذكرون لهم مكارم النبي وبره وبشره واستنارة وجهه سرورا بمقدمهم عليه، ويذكرون لهم ما شاهدوه من حال أصحابه في تآخيهم وتحاببهم، ومواساة بعضهم بعضًا ليثيروا في أنفسهم الشوق إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقاء أصحابه، ويحببوا إليهم التأسي بهم في سلوكهم ومكارم أخلاقهم .

واختارت بعض الوفود البقاء على نصرانيتها كوفود نصارى نجران ووافقت على دفع الجزية، ونحاول أن نتحدث عن بعض الوفود لما في ذلك من الفقه والدروس والعبر ، كوفد عبد القيس، وبني سعد بن بكر ووفد نصارى نجران: 

أ- وفد عبد القيس. 

وقد تحدث ابن عباس رضي الله عنهما عن قدومهم فقال: 

إن وفد عبد القيس أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من الوفد؟» أو «من القوم؟» قالوا: ربيعة قال: «مرحبا بالقوم -أو بالوفد- غير خزايا ولا ندامى». قال: فقالوا: يا رسول الله ، إنا نأتيك من شقة بعيدة وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة، قال: فأمرهم بأربع، ونهاهم عن أربع، قال: أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: «هل تدرون ما الإيمان بالله؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا خُمسا من المغنم» ونهاهم عن الدباء والحنتم والمزفت وربما قال النقير أو المقير، وقال: «احفظوهن وأخبروا بهن من وراءكم» ، وفي رواية: أن الأشج بن عبد القيس تخلف في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله» فقال: جبل جبلت عليه أم تخلقا مني؟ قال: «بل جبل» قال: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله. 

وقد انشغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدمهم وأخر صلاة السنة البعدية بعد الظهر وصلاها بعد العصر. 

ب- وفد ضمامة بن ثعلبة عن قومه بني سعد بن بكر . 

قال أنس بن مالك رضي الله عنه : بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد، ثم علقه، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: قد أجبتك. فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أسألك فمشدد عليك في المسألة فلا تجد عليَّ في نفسك ، فقال: «سل عما بدا لك» فقال: أسألك بربك وربِّ من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللهم نعم». قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللهم نعم» قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها في فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم». فقال الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر. 

وفي رواية ابن عباس... حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه ثم لا أزيد ولا أنقص. 

قال: ثم انصرف راجعا إلى بعيره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ولَّى: «إن يصدق ذو العقيصتين يدخل الجنة» قال: فأتى إلى بعيره، فأطلق عقاله ثم خرج حتى قدم على قومه فاجتمعوا إليه ، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى، قالوا: صه يا ضمام اتق البرص والجذام، اتق الجنون، قال: ويلكم! إنهما –والله- لا يضران ولا ينفعان، إن الله عز وجل قد بعث رسولاً، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، إني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا، قال: يقول ابن عباس رضي الله عنهما: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة. 

وتدل قصة إسلامه على مدى انتشار تعاليم الإسلام في وسط القبائل العربية، حتى جاء ضمام لا ليسأل عنها، ولكن جاء ليستوثق منها، معددا لها الواحدة تلو الأخرى، مما يدل على استيعابه لها قبل مجيئه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. 

ج- وفد نصارى نجران . 

قلة من أهل الكتاب شرحت صدراً بالحق، وسارعت إلى اعتناقه ومؤازرته، والكثرة الباقية اختلفت عداوتها له شدة وفتور، .أبى اليهود إلا إبادة الإسلام، فوقعوا في شرور نيتهم، وباد سلطانهم العسكري والسياسي قبل أن يدركوا هذه الغاية.

وقبلهم الإسلام في دولته القائمة أفرادا يبقون على ديانتهم ما أحبوا، ولا يمكّنون من تجمع على عدوان ودس ، وذلك حقه لا ريب!!.

ولم تصادر الحقوق الشخصية ليهودي تحت سلطان الإسلام، وحسبك أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه- لكي يقترض من يهودي- ارتهنه درعه .. وما فكّر قط في إحراجه بما يملك من سلطان ،وكان النصارى أخف خصومة حيث ابتعدوا عن سلطان الكنيسة فأسلم بعضهم عن طواعية وإعجاب بما في الإسلام من سهولة واستقامة، وبقي الآخرون على ما ورثوا.

وسارت العلاقة بين الدينين في مجراها الذي أبنّا عنه آنفا، حتى تحولت إلى حرب طاحنة بين المسلمين والرومان ، وكانت النصرانية- مع تفوّق الرومان السياسي والعسكري- تسود شمال الجزيرة وجنوبها، فرأى المسلمون- وهم في حرب مع دولة الروم- أن يحدّدوا موقفهم مع نصارى الجنوب، خصوصاً وأنّ الروم كانوا يغدقون العطايا على مبشريهم هناك، ويبنون لهم الكنائس، ويبسطون عليهم الكرامات، ويشجّعونهم على المضي في تنصير القبائل المتوطنة بهذه الأرجاء..

فأرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى أهل (نجران) كتابا جاء فيه:( باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، أما بعد ، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فإن أبيتم فالجزية ، فإن أبيتم آذنتكم بحرب، والسلام). 

فلما أتى الأسقف الكتاب، جمع الناس وقرأه عليهم، وسألهم عن الرأي فيه فقرروا أن يرسلوا إليه وفدًا يتكون من أربعة عشر من أشرافهم، وقيل ستين راكبًا، منهم ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب، وهو أميرهم وصاحب مشورتهم والذي يصدرون عن رأيه، والسيد وهو صاحب رحلتهم، وأبو الحارث أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم. 

أرسلت نجران- وهي كعبة النصرانية جنوباً- وفدها إلى المدينة ليقابل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتفاهم معه، ووافى الوفد المدينة بعد العصر، فدخلوا المسجد عليهم ثياب الحبرة، وأردية مكفوفة بالحرير، وفي أيديهم خواتيم الذهب، فكان أول ما صنع أن اتجه إلى بيت المقدس يصلّي لله على ما تقضي به طقوس المسيحية، وأراد الناس منعهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم» ، حتى انتهوا من عبادتهم ورآهم النبي صلى الله عليه وسلم قد لبسوا لملاقاته أردية الكهنوت الفاخرة، وتحلّوا بخواتم الذّهب، وجاؤوا يخبّون في الحرير، وتبدو لهم- بين القلانس والطيالس- سيماء التكلّف الشديد.أبى أن يتحدّث معهم، حتى يرجعوا إلى ملابس سفرهم، ويدعوا هذه الزينة ، قال لهم عثمان: انصرفوا يومهم هذا، ثم غدوا عليه بزي الرهبان فسلموا عليه، فرد عليهم ودعاهم إلى الإسلام ، فأبوا وقالوا: كنا مسلمين قبلكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أن لله ولدًا» ، وكثر الجدال والحجاج بينه وبينهم، والنبي يتلو عليهم القرآن ويقرع باطلهم بالحجة .

وكان مما قالوه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لك تشتم صاحبنا وتقول إنه عبد الله، فقال: «أجل إنه عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول»، فغضبوا وقالوا: هل رأيت إنسانا قط من غير أب؟ فإن كنت صادقا فأرنا مثله؟ فأنزل الله في الرد عليهم قوله سبحانه: ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ ) [آل عمران: 59-60]. 

فكانت حجة دامغة شبه فيها الغريب بما هو أغرب منه.

فجادلوه في عيسى، وقالوا: من أبوه ؟ فروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم ردّ عليهم قائلاً: (ألستم تعلمون أنّ الله حيّ لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ .قالوا: بل ، .قال صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء، يكلؤه ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا: بلى.

قال صلى الله عليه وسلم: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» .

قالوا: لا،قال صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ قالوا: بلى.قال صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أنّ ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف يشاء؟ وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشّراب، ولا يحدث الحدث؟» .قالوا: بلى!.

قال صلى الله عليه وسلم: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمّه كما تحمل المرأة، ثمّ وضعته كما تضع ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبيّ، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟ .قالوا: بلى.

قال صلى الله عليه وسلم: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟

فقالوا: ألست تقول في عيسى: إنّه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه؟

قال صلى الله عليه وسلم: «بلى

والغريب أنّ بعضهم سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما يعبد عيسى ابن مريم وإلى ذلك تدعونا؟.فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني».

وأنزل الله عز وجلّ في ذلك: ( ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) [آل عمران]

فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الجدل يتمادى بالقوم، وأنّهم مصرّون على اعتبار عيسى إلها أو ندّا للإله قال لهم: أقيموا غدا حتّى أخبركم ، فنزلت ايات المباهلة: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) [ال عمران: 59- 61] .فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد، وقد أقبل بنفسه، وحفيديه الحسن والحسين، وابنته فاطمة.واستعدّ أن يشترك مع وفد نجران في صلاة جامعة تستنزل فيها لعنة الله على المفترين.

واستمع وفد نجران إلى هذا الاقتراح، فأوجسوا خيفة من قبوله! من يدري؟

قد يكون محمد صادقا في أنّ عيسى بشر مثله ويكونون- هم- واهمين في انتحال الألوهية له.فلماذا يبتهلون إلى الله أن يمحقهم؟!.

ونظروا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وطفليه وابنته، فشعروا أن الكاذب منهما لن يهلك وحده بل ستهلك معه أسرته، فخشوا على أولادهم وأهليهم البوار إن هم قبلوا هذه المباهلة، ثم خلصوا نجيا.

قال بعضهم للآخر: إن كان هذا الرجل ملكا، فلن نأمن طعننا عليه وخصامنا له، فإنّ دولته مقبلة، وربما أصابنا قومه بجائحة.وإن كان نبيّا مرسلا فلاعنّاه، فلن يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك، فما الرأي؟.

فجاءه متحدث القوم شرحبيل بن وداعة، وقال له: رأيت خيرا من ملاعنتك.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هو؟ .قال: أدع لك الحكم فينا فمهما قضيت فهو جائز!فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعلّ وراءك أحدا يثرّب عليك؟» فقال شرحبيل: سل عني.فلما سأل الرسول صلى الله عليه وسلم عنه أخبر أن أهل الوادي لا يصدرون ولا يردون إلا عن رأيه، فقال: جاحد موفق.

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلاعنهم، وعقد معهم صلحا، أصبحوا بمقتضاه من رعايا الدولة الإسلامية.

وجاء في شروط هذا الصلح: ( أنّ لنصارى نجران جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم، وأرضهم وأموالهم، وغائبهم وشاهداهم، وعشيرتهم وتبعهم.

وألايغيّروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير.

وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يحشرون- يكلفون- بجهاد، ولا يعشّرون-يكلفون بزكاة- ولا يطأ أرضهم جيش.ومن سأل منهم حقا فبينهم النّصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل ربا فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم اخر.وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم)

وشهد على هذه المعاهدة أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس، والمغيرة بن شعبة..

فماذا كلّف به نصارى نجران بإزاء هذه الحقوق؟ أن يدفعوا للدولة ألفي حلة في السنة! ألف في رجب، وألف في صفر.

وهي بدلٌ تافه عن الزكاة التي يدفعها المسلمون وحدهم، والجهاد الذي يحملونه وحدهم.

ولما عزموا على الرجوع إلى بلادهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ابعث معنا رجلاً أمينًا ليقبض منهم مال الصلح ، فقال لهم: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين» فاستشرف له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «قم يا أبا عبيدة بن الجراح»، فلما قام قال: «هذا أمين هذه الأمة».

وبذلك قطع الإسلام الصلة بين أولئك العرب المتنصرين وبين دولة الروم التي يشتبك معها في الحرب، بعد ما ضمن الحرية الدينية لمن سالموه وكفّوا عنه.

ونحن نسأل- على وجه التحدي-: هل عاملت الطوائف المسيحية بعضها بعضا بهذه السماحة الرائعة؟ أم كان ذلك مسلكاً أضاء به الإسلام وحده ظلمات القرون الأولى؟.ثم نسأل مرة أخرى: هل احترم أهل الكتاب ما عليهم من واجب؟ وهل أنصفوا الدين الذي رعى ذمامهم؟..

لقد دخلت السنة العاشرة على الإسلام وهو يبسط تعاليمه على حساب الوثنية المتقلصة، فإذا بعض القبائل في الجنوب تثور ضده تحسب أنّ رجلا من قريش ملك العرب بادعاء النبوة، فليس يعجزها أن تقدم من مفاليكها من يزعم النبوة كذلك!! لعلّه يملك مثل ما ملك محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

ومن المؤسف أنّ النصارى في جنوب الجزيرة ساعدوا في إشعال هذه الثورات، وأنّ نصارى نجران كاتبوا الأسود العنسي فسار إليهم- وهو أحد المتنبئين- ثم رحل عنهم إلى اليمن، فملكها، حتى قتلته امرأته هناك، وأراحت الأرض منه..

أكانت هذه الفتن معاونة لنصارى الشمال في حربهم ضد الإسلام، أم كانت شغبا يمليه الكره المجرد فحسب؟..

وما فعله نصارى نجران في تأييد الأسود العنسي فعل مثله نصارى تغلب في تأييد مسيلمة الكذاب حين ادّعى- هو الاخر- أنّه نبي!.ونحن نفهم أن يرفض أهل نجران وبنو تغلب الدخول في الإسلام، وأن يؤثروا البقاء على ما اقتنعوا به من ديانتهم الموروثة، لكننا لم نفهم بتة أن يكذّب رجل بصحف الوحي، وأن يؤمن- مثلا- بالبعكوكة ، ذاك إن كانوا قد آمنوا حقا بالأسود ومسيلمة..

أما إذا كان الأمر لا يعدو الإعانة على حرب الإسلام بأي سلاح ومع أي حليف، فهذه مسألة أخرى يحتار في علاجها أطباء القلوب .

بعوث رسول الله لتعليم مبادئ الإسلام وترتيب أمور الإدارة والمال 

كانت الوفود تسعى إلى المدينة لتعلن إسلامها وتنضوي تحت سيادة الدولة الإسلامية ويتعلموا ما شاء الله أن يتعلموه في المدينة قبل رجوعهم إلى موطنهم، وكان صلى الله عليه وسلم يرسل معهم من يعلمهم دينهم، وشرع صلى الله عليه وسلم يبعث دعاته في شتى الجهات، واهتم بجنوب الجزيرة حيث قبائل اليمن لتعليمهم مبادئ الإسلام وأحكامه ، فقد انتشر أمر الإسلام في الجزيرة ومختلف أطرافها، وأصبحت الحاجة داعية إلى معلمين ودعاة ومرشدين يشرحون للناس حقائق الإسلام لكي تتطهر قلوبهم وتشفى صدورهم من أمراض الجاهلية وأدرانها الخبيثة، وامتنعت قبيلة بني الحارث بن كعب عن الدخول في الإسلام، فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدًا في سرية دعوية جهادية. 

أ- بعث خالد إلى بني الحارث بن كعب (10هـ) . 

كان بنو الحارث بن كعب يسكنون بنجران ، ولم يقبل منهم أحد الإسلام، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى سنة عشر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا قبل منهم، وإن لم يفعلوا قاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان في كل وجه يدعون إلى الإسلام، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم كتب خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه بإسلامهم وأنه مقيم فيهم حتى يكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره بأن يقبل إلى المدينة ومعه وفد منهم ففعل، فلما قدموا أمَّر عليهم قيس بن الحصين، وبعث إليهم بعد ذلك عمرو بن حزام ليفقههم في الدين ويعلمهم السنة، ومعالم الإسلام وفي رواية: أنه صلى الله عليه وسلم أرسل عليًا بدلاً من خالد ، وعندما وصل إلى قبائل همدان قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت همدان جميعًا ، فكتب علي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامهم ، فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب خرَّ ساجدًا، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان ، السلام على همدان. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا على الجبهة الجنوبية للدولة وأن تدخل قبائل اليمن في الإسلام ، وظهر هذا الاهتمام في النتائج الباهرة التي حققتها الدعوة في كثرة عدد الوفود التي كانت تنساب من كل أطراف اليمن متجهة إلى المدينة؛ مما يدل على أن نشاط المبعوثين إلى اليمن كان متصلا وبعيد المدى، وكانت سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم تساند هذا النشاط الدعوي السلمي حيث بعث خالد بن الوليد ثم علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- في هذا السياق. 

إن الوثائق التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع قبائل اليمن وحضرموت قد بلغت عددا كبيرا ضمنها محمد حميد الله -رحمه الله- في كتابه (مجموعة الوثائق السياسية). 

إن التركيز على مفاصل القوى، ومراكز التأثير في المجتمعات وبناء الدول، منهج نبوي كريم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على ممارسته في حياته. 

ب- بعث معاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري -رضي الله عنهما- إلى اليمن. 

1- بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل الأنصاري أعلم الصحابة في علم الحلال والحرام إلى اليمن قاضيا ومفقها، وأميرًا، ومصدقًا، وجعله على أحد مخلافيها وهو الأعلى، ولما خرج معاذ قاصدا اليمن خرج معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعه ويوصيه، ومعاذ راكب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي تحت راحلته، فأوصاه بوصايا كثيرة ورسم له منهجا دعويًا عظيمًا حيث قال له: «إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم طاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم طاعوا بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم طاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».

وفي هذا الحديث إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم للدعاة إلى الله بالتدرج والبدء بالأهم فالمهم، فالدعوة تكون بترسيخ الإيمان بالله تعالى ورسوله إيمانا يثبت في القلوب ويهيمن على الأفكار والسلوك، ثم تكون الدعوة بعد ذلك إلى تطبيق أركان الإسلام العملية التي ترسخ هذا الإيمان وتنميه، ثم يأتي بعد ذلك الأمر بالواجبات والنهي عن المحرمات، فيتقبل الناس تكاليف الإسلام التي قد تكون مخالفة لهوى النفس؛ لأن قلوبهم قد عمرت بالإيمان واليقين قبل ذلك. 

وهذا منهج نبوي كريم رسمه صلى الله عليه وسلم لمعاذ ولمن يريد أن يسير على هدى الصحابة الكرام، وما أحوج الذين نذروا أنفسهم للدعوة إلى الله إلى الوقوف أمام هذا الهدي النبوي يترسمون خطاه، ويستوعبونه فهمًا ووعيًا، وتطبيقًا، وحينئذ تكون خطاهم في الطريق الصحيح. 

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من وصاياه لمعاذ قال له: «يا معاذ، إنك عسى لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي هذا وقبري»، فبكى معاذ خشعًا لفراق الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك وقع الأمر كما أشار الرسول، فقد أقام معاذ باليمن ولم يقدم إلا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. 

2- وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا موسى الأشعري إلى مخلاف اليمن الآخر وهو الأسفل، قاضيًا ومفقهًا وأميرًا ومصدقًا، وأوصاه ومعاذ فقال: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا».

وهذا منهج نبوي كريم أرشد إليه رسول الله معاذا وأبا موسى بأن يأخذا بالتيسير على الناس ونهاهما عن التعسير عليهم، وأمرهما بالتبشير ونهاهما عن التنفير. 

ج- ترتيب أمور الإدارة والمال . 

إن النظام جزء من هذا الدين، وداخل في كل أموره، لأن النظام يجمع الأشتات، وتحقق به الأهداف والغايات، فالنظام سمة يتميز بها الإسلام منذ اللحظة الأولى ، حيث يدخل في جميع جوانب الإسلام التصورية والشعائرية والتعبدية وفي الشرائع الحياتية كلها، فكان صلى الله عليه وسلم يضع من يدير المدينة في حالة غيبته عنها، وكلما فتح منطقة وضع عليها أميرا، وكانت الوفود تأتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعين عليها أميرًا من قبله، ثم يترك لهم من يعلمهم دينهم ، ويرسل إليهم من يجمع صدقاتهم ، وكان يختار عماله من الصالحين وأولي العلم والدين، ومن المنظور إليهم من العرب وذوي الشخصيات المؤثرة في قبائلهم، فقد كان عامله على مكة عتاب بن أسيد ، وعلى الطائف عثمان بن العاص، وبعث معاذًا وأبا موسى إلى اليمن ، وأقر الرسول في بعض الحالات أمراء وملوك القبائل التي أسلمت أو قبلت الجزية ، ومنهم باذان ابن سامان ولد بهرام الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم على اليمن بعد إسلامه ولما بلغه موته قسم عمله على جماعة من الصحابة، فولى على صنعاء شمر بن باذان ، وعلى مأرب أبا موسى الأشعري، وعلى الجند يعلى بن أمية، وعلى همذان عامر ابن شمر الهمذاني، وعلى ما بين نجران وزمع وزبيد خالد بن سعيد بن العاص، وعلى نجران عمرو بن حزام، وعلى بلاد حضرموت زياد بن لبيد البياضي ، وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور.

وكان صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على العمال؛ يحاسبهم على المستخرج والمصروف، وحدد صلى الله عليه وسلم لبعض عماله رواتب، منهم عتاب بن أسيد والي مكة درهمًا كل يوم ، ولما استعمل -عليه الصلاة والسلام- قيس بن مالك على قومه همذان خصص له قطعة من الأرض يأخذ خراجها، وكانت رواتب عماله تتغير بتغير أحوال المعيشة فهي ليست ثابتة .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ولي لنا ولاية ولم يكن له بيت فليتخذ بيتاً، أو لم تكن له زوجة فليتخذ زوجة، أو لم تكن له دابة فليتخذ دابة» ، وهذه هي الحاجات الرئيسية لولي الأمر في ذلك الوقت منعا لأخذ الرشوة، وهذه قاعدة قانونية جاء بها الإسلام قبل أن تثبتها القوانين الوضعية الحديثة في بنودها ، وهي أن الهدية للحاكم رشوة صريحة.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا