الخميس 10 شعبان 1441 - 2 أبريل 2020

أدب اللجوء في الرواية السورية الحديثة

الأحد 2 جمادى الأولى 1441 - 29 ديسمبر 2019 355 عبد القادر داود
أدب اللجوء في الرواية السورية الحديثة

المقدمة:

لقد أصبحت مسألة "اللجوء" واحدا من أكثر المصطلحات رواجا في العصر الحديث، ومن أكثر المصطلحات الاجتماعية والسياسية والنقدية تداولا بين النقاد والباحثين والمفكرين، وذلك لأنه يمس جانبا من جوانب أزمة الإنسان في العصر الحديث ,حتى بات اللاجئ يعاني توترا نفسيا وقلقا مؤرًقا وعدم الشعور بالقدرة على الانسجام مع أفراد مجتمعه في وطنه الأم أو في أوطان اللجوء الجديدة أو حتى التفاعل مع المجتمعات المختلفة عنه لغويا وثقافيا وحضاريا, وبات التلاؤم مع الثقافات الجديدة من أكثر ما يؤرق الانسان اللاجئ .

ولقد ألقت ظاهرة اللجوء بظلالها على حياة الإنسان فكريا ونفسيا ليغترب جغرافيا بجسده عبر اللجوء من مكان إلى آخر أو بالانطواء على الذات ورفض الأعراف الاجتماعية السائدة في بلد اللجوء .

ومنذ ست سنوات ونيف باتت فكرة "اللجوء" وواقعه جزءا من نسيج الحياة الثقافية والاجتماعية

السورية سواء في الداخل السوري أم في دول اللجوء التي التجأوا إليها.

ولقد مثلت حالة "اللجوء" بوصفها فكرة وواقعا سبغا حياة السوريين ما يشبه الصدمة بعد سنين طويلة كانوا فيها يؤدون دور الحاضن للاجئين ومهاجرين من ثقافات مختلفة. وربما لهذا السبب كان التعبير الفني والأدبي عن هذه الحالة الجديدة سريعا في الظهور، تمظهر بأجناس أدبية وفنية عدة مثل الرواية والقصة والشعر.

وإن انفتاح الجرح السوري على عمقه الديمغرافي والجغرافي واتساع تجلياته في جهات الأرض الأربع حوله إلى عذابات نتقاسمها جميعا ونحن نتلمس نارا استقر لهيبها بين أصابعنا وفي مسامات جلودنا، وهذا ما دفعنا لتناول أدب اللجوء في الأدب السوري عامة وفي الرواية السورية خاصة.

حيث يهتم هذا البحث بأدب اللجوء السوري، ويتطرق بشكل موجز لأعمال أدبية روائية عدة، تعكس واقع اللجوء الثقافي والاجتماعي.

وقد تناولت في هذا البحث ثلاث روايات كنماذج للأدب اللجوء في الرواية السورية, 

وتم كذلك تتبع علاقة أدب اللجوء بالتغيرات الاجتماعية والنفسية والسياسية وغيرها من تجليات اللجوء في الأعمال الأدبية الروائية.

أولا: الفرق بين أدب المهجر واللجوء:

أدب المهجر: هو الأدب الذي أنتجَه الأدباء العرب في بلاد المهجر وهي الأميركتَيْن، الذين أجبرتهم الظروف القاسية على الهجرة، وأُطلِق على هؤلاء الأدباء بأدباء المهجر، وقد انتشر هذا الأدب في الأمريكيتَيْن والعالم العربيّ، وصار له مدرسة أدبيّة خاصّة تُدعى "مدرسة المهجر"، ونشأت هذه المدرسة من مجموعة من الروابط الأدبيَّة، كان الأشهر والأكثر استمرارًا فيها الرابطة القلميَّة والعصبة الأندلسيَّة، وإن من أهم أدباء المهجر إيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران.

ادب اللجوء: هو أدب منبثق من حالة مخصوصة ومحددة بزمن ومكان معين، وموضوع يوثق لصِورة الانسان اللاجئ ومعاناته بعد انفِصاله عن موطنه الأصيل لأسباب تتعلق بعدم وجود بيئة آمنة أو مساحة حرية يمارس فيها حياته الطبيعية، وكان اللجوء عنده الخيار الأخير 

وأن أهم ما يميز أدب اللجوء عن أدب المهجر:

- إن أدب اللجوء ليس مشروطا بأن يكون خارج البلد على عكس المهجر الذي تأسس في الخارج، إن اللاجئ يمكن أن يكون في حدود بلده بأن يخرج من بيته ويلتجئ إلى منطقة أو محافظة أخرى بحثا عن الأمان والرزق، لذلك يقسم أدب اللجوء إلى قسمين: 

اللجوء الداخلي: وهو اللجوء الذي يكون داخل حدود بلده بأن يكون بعيدا عن بيته وأرضه (كان يلتجئ أهل ريف دمشق إلى ريف إدلب)

اللجوء الخارجي: وهو اللجوء الذي يكون خارج حدود بلده (كأن يلتجئ السوري إلى تركيا أو لبنان أو بلدان أخرى.

- في سياق الحديث عن الشخصية التي تتصدر المشهد النصي الأدبي، فإن الشخصية المحورية في أدب اللجوء كثيرا ما تعاني من القهر والانكسار والتمزق قلقاَ على الذات أو على الآخرين حوله، وغالباَ ما تحاول هذه الشخصية التقوقع على الذات واستبطان النفس والعكوف عليها، حيث تجده دائما يتحدث عن وطنه ومعاناة لجوئه وكلّه حزن وألم.

- في سياق الحديث عن المستقبل، فإن المستقبل في أدب اللجوء زمن مجهول متناثر وغير محدد بزمن، فلا يعرف اللاجئ أين سيقذف به الزمن بعد المرحلة التي يعيشها، هل سيعود؟ وكيف سيعود؟ وما الِصورة التي تنتظرها عيناه في لحظة لقاء الوطن؟ 

- في سياق الحديث عن أسلوب أدب اللجوء، فهو أدب واقعي محزن تسوده مفردات القلق والحزن والقهر، فهو يذكرنا بالواقعية المؤلمة التي تلتقَط المساحات المؤلمة التي تعيشها الشخصية الكاتبة.

حيث ترى الأديبة سناء عون أنه يجب إضافة قول جديد لقول الكاتب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني على لسان أحد أبطاله في مجموعته القصصية أرض البرتقال الحزين حيث قال "على اللاجئ أن يثبت على الإنسان على الدوام أنه إنسان" تعزيزه بالقول إن "على الكاتب الذي اضطر إلى اللجوء إلى بلد آخر أن يثبت على الدوام أنه كاتب أولا وأن ما يقدمه من نتاج فني أدبي هو أدب أولا هو فن في النهاية، بعيدا عن التصنيفات والتقسيمات وعن السياسة والحروب والثورات والاستبداد والاضطهاد والقضايا العادلة حتى".

ثانيا: تجليات أدب اللجوء في الراوية السورية:

يُسجَّل للثورة السورية في المستوى الثقافي، بأبعادها الاجتماعية والسياسية، أنها فتحت الباب واسعا أمام مغامرة الكتابة الروائية لرفد الأدب السردي بعدد لا يستهان به من الأعمال الروائية الجديدة بالقراءة والدراسة، نظرا إلى ما تتميز به تلك الأعمال على صعيد بنيتها السردية الحكائية من قيمة فنية وجمالية.

رواية " الموت عمل شاقّ" للروائي السوري خالد خليفة

هذه الرواية التي تقع في 151 صفحة من الورق العادي والتي تندرج تحت خانة الرواية القصيرة تدور أحداثها في رحلة كابوسية مخيفة بين دمشق وحلب، 

يتحدث الكاتب والروائي السوري خالد خليفة في هذه الرواية عن ثلاثة إخوة هم بلبل وحسين وفاطمة، ينطلقون في رحلة كابوسية من جنوب سورية إلى شمال سورية، وهذه الرحلة المخيفة قد وقعت تنفيذا لوصية أبيهم بأن يدفن في مسقط رأسه بجانب أخته ليلى وذلك في قريته العنابية التي تقع في ريف مدينة حلب.

تعيش الشخصيات في هذه الراوية وخاصة "بلبل" حالة من الصراع الداخلي بين رغبته في تنفيذ وصية الأب وبين الخوف من المجهول الذي ينتظرهم في هذه الرحلة المخيفة وسط الرحب والدمار في الجغرافية السورية الواحدة.

وتدور أحداثها في عام 2015 أي بعد 4 سنين على الحرب السورية، ويرصد خليفة في روايته سيرة العائلة والأوضاع السياسية للبلد خلفيًة للرواية ونبرة حزينة في سردية سوداء من الحواجز الأمنية.

ويعرّف خليفة الشخصيات أثناء هذه الرحلة، ويسرد في الرواية ما يحدث بينهم من خلافات أثناء الرحلة، و يتطرق إلى أوضاع العائلة والمشاكل الخاصة التي تتعلق بأفرادها، عوضا عن الظروف السياسية في البلاد.

فيُرى خطين في الرواية؛ أحدهما إلى الأمام وهي الرحلة وأوضاع البلد المقسمة والمجزأة والمحطمة، وخط إلى الخلف يمثل حياة أسرة تعيش في مجتمع هامشي تحت سطوة استبداد غاشم.

"بلبل في لحظِة شجاعة نادرة، وتحت تأثير كلمات الفراق الأخيرة وعيني أبيه الغائمتين الحزينتين، تصّرف بثبات ودون خوف، ووعد أباه بتنفيذ وصيته التي كانت بالرغم من وضوحها وبساطتها مهمة شاقة".

ولكن المأزق يبدأ من لحظة الرحيل وبداية تنفيذ الوصية، فالوصية البسيطة لم تعد كذلك لأن الحركة محفوفة بالمخاطر، كما المشي على أرض مزروعة ألغاما، والجغرافيا السورية التي لم تعد موحدة، والعبور من مكان إلى آخر مهما كان قربه مغامرة مهلكة.

و"القتلى في كل مكان، يدفنون في مقابر جماعية ودون تدقيق في هوياتهم. مراسم العزاء حتى بالنسبة للعائلات الغنية اختصرت إلى ساعات قليلة" هكذا تحول الموت في سوريا إلى أكثر الأشياء توزيعا بالعدل بين الناس، فالكل يقتل والكل يحتفل بموته بالطقوس نفسها، فقد تغيرت طقوس تلقي خبر الموت، بعد أن صار الموت خبزا يوميا لا دهشة فيه".

ويوظف أيضا في الرواية اسلوب الكافكاوي المزيج من السخرية السوداء والأجواء الكابوسية، ويتجلى بوضوح في الحوارات التي تدور بين الشخصيات والحواجز الأمنية التي تستوقفهم أثناء هذه الرحلة، حتى أن أحد أفراد الحواجز الأمنية تقوم باعتقال جثة الأب لأنه مازال على قيد الحيا في سجلات الحكومة.

ينطلق البرنامج السردي لخليفة من فكرة تحول الجسد الحميم، جثة الأب، إلى "عبء ثقيل" في زمن الحرب، وتتحول الوصايا البسيطة إلى أشغال شاقة تختبر فيها النفس البشرية آخر نبضها. ويبدو الابن بلبل كما لو كان آخر كائن يشدو بالحياة في زمن الموت، لذلك كان عليه أن ينفذ الوصية، فعدم تنفيذها يسقط الجميع في الموت الرمزي.

ويقول الناقد والأديب كمال رياحي:" يقدم خليفة في عمله الروائي رواية سورية بكل تعقيداتها من خلال محنة الإنسان على أرض مزقتها الصراعات، فمزقت حتى الحميمي منها، وباعدت بين الأموات قبل الأحياء ليطال الشتات الأمنيات الأخيرة، غير أن إصرار بلبل في الرواية على بلوغ هدفه السامي، وهو تنفيذ وصية والده الراحل ودفنه في قريته، يفتح آفاقا جديدة للحلم السوري بأنه بالإمكان دفن الأحزان وعودة البلبل إلى أشجار سورية لتشدو بالحرية"

رواية "الطريق الى الزعتري" للروائي السوري محمد فتحي المقداد

هذه الرواية التي جاءت أحداثها موزعة على 245 صفحة من الورق العادي والتي طبعت سنة 2018 , وصدرت عن دار عمار للنشر والتوزيع، وقد ذكر على غلاف الرواية أن "الرواية جاء كوثيقة اجتماعية شاهدة على حقبة هامة جدا", تستبطن بأسلوب أدبي ماتع يوميات الخوف والقتل والاعتقال واليأس من الواقع الصعب، إضافة إلى البطالة نتيجة توقف عجلة الحياة ومآلات النزوح واللجوء على لسان الناس البسطاء والمهمشين، ومما لم تأتِ نشرات الأخبار على ذكره.

وقد نقل الروائي السوري "محمد فتحي المقداد" في هذه الرواية تجربة اللجوء السوري في الأردن، وكان شاهد عيان على الخوف من القتل والاعتقال واليأس من الواقع الصعب، إضافة إلى البطالة نتيجة توقف عجلة الحياة، فالأصدقاء في الرواية تختلف مصائرهم والإحباطات تلحقهم.

وأردف "المقداد" الذي عمل كحلاق قبل الحرب ولا يزال يمارس هذه المهنة، أنه اصطحب ذاكرته المشحونة بتفاصيل بصرى باحثاً عن ملاذ آمن لأطفاله في مخيم الزعتري (شمال الأردن) تاركاً شهادته الثانوية لا تزال معلقة هناك على جدار غرفته.

وقد اختار "المقداد" لروايته حيزاً مكانياً وهو قرية (موج) وحول سبب تركيزه على هذه القرية كبنية مكانية في الرواية وعلاقته بها أوضح أن اختياره هذا جاء كمحاولة للخروج من دائرة التشخيص، لأنه يعتبر كفاية الحدث أعظم من جزئيّات التسميات.

وأردف أن فكرة الهروب إلى رمزية الاسم باختياره كلمة "موج" يرسّخ دلالة على كل ما حدث في سوريا من جنوبها إلى شمالها، ومن شرقها إلى غربها.

وقد ذكر المؤلف في حديثه عن هذه الرواية:" الطريق إلى الزعتري.. تنتهي على بوابة مخيم الزعتري، وعند أعتابه، والعنوان أعتقد أنه يشير بوضوح إلى تفسير أحداث الرواية، وهو يتكلم عنها مباشرة بلا واسطة., الرجال والنساء يشتركون في أحداث الرواية، وأن رغم الأحداث ذات الطابع الموسوم بالخوف، ولكن الرواية لم تنس مشاعر الحب الإنسانية، خروجاً من تتالي الأحداث إلى عالم الجسد وحاجاته., بطولة الرواية يمتلكها عدة أشخاص، لا يوجد هناك بطل واحد، بحيث تتمحور عليه أحداث الرواية. وتوزيع البطولة بهذه الطريقة، تتناسب مع الأجواء العفوية المصاحبة لقيام الثورة، أي أنه لم يكن هناك قائد كاريزمي، يوجه، ويعطي الأوامر، هذه النقطة انتقلت للعمل الروائي بكل تفاصيله، فكل الأدوار ربما ستمثل جميعها دور البطل القائد، الذي افتقدته الثورة, و تميل رواية الأحداث إلى البساطة في التعبير عن الحدث بشكل مباشر، ولإيصال الرسالة بوضوح, و قد تم في الرواية التركيز على الناحية الإنسانية بكل جوانبها، من التعاطف والتكافل، وعوامل الخوف الكثيرة المحيطة بالناس، مما حدا بهم إلى الهروب من جحيم الظلم والطغيان، إلى ملاذات آمنة، ومخيّم الزعتري إحدى هذه الملاذات، على رغم السلبيات العديدة فيه، من قساوة الطبيعة والظروف الجوية الصحراوية, وهو نمط جديد من العيش بهذا الأسلوب لم يعتدهُ الناس، حينما انتقلوا من بيوتهم وخدماتها .... وكذلك انتقالاً إلى الطوابير ومعاناتها والانتظار لتلقي المساعدات الغذائية وسواها، وهذا الأمر يستهلك معظم أوقات وساعات يومهم".

رواية "عمتِ صباحا أيتها الحرب" للروائية السورية مها حسن

لقد جاءت هذه الرواية في 368 صفحة من القطع الوسط، وصدرت عن دار منشورات المتوسط سنة 2017, وتدور أحداثها في مدينة حلب على الخاص وبلاد اللجوء التي لجأ اليها السوري على العموم. 

وكانت الرواية أقرب إلى كتاب توثيقي عن الحرب والمآسي الحاصلة في سوريا، كتاب توثيقي بأسلوب أدبي.. هو يوميات الحرب ولكن يوميات مختارة ومجزأة وحتى مبعثرة في سردها.

تعطي الروائية السورية "مها حسن" المقيمة حاليا في فرنسا وجها إنسانيا للحرب الوحشية في روايتها الجديدة "عمت صباحا أيتها الحرب"، تلقي عليها تحية الصباح، في إشارة رمزية إلى ليل الحرب الذي استطال لدرجة مأسوية، واقترب ليغطي بظلامه أي نور أو أمل، وتكون التحية استدراجا لنور الصباح المأمول وبحثا عنه في الوقت نفسه.

إن الملاحظ في الرواية أن البطل الرئيسي هو البيت ومن خلال البيوت تدخلنا "مها" في حياة عائلتها، أخيها حسام ومعه نتابع تطور الأحداث من البداية من لحظة الهتافات والمظاهرات في سوريا إلى لحظة حمل السلاح، حتى ظهور فصائل متعددة يحارب كل منها الآخر، وكذلك والدتها الميتة والتي تشاركها في السرد متنقلة بين جيرانها وأبنائها حية وميتة مرة من بيتها في حلب ومرة من قبرها في الحديقة

تتخذ مها من أسرتها نموذجا للتفتت الذي أحدثته الحرب في سوريا على مختلف الأصعدة، انطلاقا من حلقة الأسرة الصغيرة، مرورا بالعائلة الكبيرة، والحي والمدينة، وصولا إلى خارطة الوطن برمّتها، وقد سردت في مقدمة الرواية انقسام العائلة وتوزعها في دول الشتات إذ قالت: 

أتمنى أن أهدي هذا الكتاب إلى أخي الذي قاطعني بسبب الحرب، أخي لؤي الثاني بين أخوتي الأربعة، هاجر إخوتي الثلاث، وأختاي، وتبعثروا في بلدان شتى، أخي الأكبر ماهر فرّ إلى هولندا، وفر عامر الثالث بينهم إلى فنلدنا، وحسام موضوعه طويل سأحكيه هنا، ما يزال عالقا في أوربا دون إقامة، أما سُها فقد وصلت أخيرا إلى السويد، والأخيرة نائلة بقيت في تركيا، ولؤي ظلّ وحيدا في حلب، مثل أمي التي تركها أولادها وإخوتها وأخواتها، وهاجروا جميعا إلى ألمانيا، وبعضهم إلى بلجيكا.

في هذه الرواية تنتقل "مها" في سرد الأحداث من بيتها الفرنسي إلى بيتها في حلب والذي دمرته الحرب، تدعو الحرب إليها وتقعدها في حضنها، وتبدأ تروي لها حكايات تحدثها عن أمها وأخواتها، عن حاراتها وبيتها، وعما حدث في شعبها، وكيف أصبح في هذه المدينة بعض الشباب أمراء حرب، وكيف أصبح الدم ماءا تسيل في شوارع وأزقة هذه المدينة العريقة 

الأم في الرواية من الشخصيّات الرئيسيّة في هذه الرواية. وهي "شهرزاد الحرب" كما خصصت الأديبة مها فصلاً كاملاً بهذا العنوان. الأم هي التي تعطي وتسرد للكاتبة حكايات عن البيت والحارة والجيش والمعارضة والطبخ والمقبرة التي تسكن فيها وتظلّ تقصّ الحكايات كي لا تموت حتى وهي ميّتة. وفي الوقت الذي تُنصت تبدو وكأنها تسمع بقيّة الحكايات في هذه الرواية. تبدو امرأة نزقة ومجنونة على حد وصفها لنفسها. بينما تصفها الكاتبة على أنها "كائن خرافيّ قفز من الأسطورة وعاش في الأرض، عالقاً بين الحكايات والواقع. هذه المرأة الخياليّة أنجبتني، ورمتني إلى الحياة، وما أزالُ عاجزة عن تصديق أنني أتحدّر من رحم كائن غير واقعيّ، غير عاديّ. أرتجف وأنا أتخيّل تفاصيل معاناتها في الحرب، ثمّ استسلامها للموت، والرحيل وحيدة وغريبة. تجتاحني الكتابة كغرام مُدمّر، لأصفها، أمي امرأة خاصة، بطلة خرجت من روايات أمريكا اللاتينيّة، وعاشت في قرى عفرين السورية.."

تنتقل الكاتبة في الرواية مع أبطال روايتها في مدن النزوح واللجوء التي قصدها السوريون، تسلط الأضواء على حياة اللاجئين السوريين في المخيمات في تركيا، وفي المدن التركية، كما تنتقل برفقة أبطالها إلى اليونان، وتسجل وقائع مغامرة الإبحار ، وصولا إلى ما يفترض أنه بر الأمان في الدول الأوروبية، وتتقصى أحوالهم في مخيمات اللاجئين في أوروبا.

"أين أعيش؟ أين هو بيتي الحقيقي؟ عنواني؟ جذوري؟ هويتي؟ هل ثمة من يخلصني من عقدة البيت؟ هل أكتب هذا الكتاب لأصدق الحياتين اللتين أشك بوجودهما.. حياتي التي حدثت فعلا ذات يوم في حلب وحياتي التي تحدث الآن في فرنسا؟" وبهذا التساؤل المفتوح على العدم تنهي "مها " روايتها، تساؤلات مفتوحة على كل الاتجاهات تزخر بها الصفحات الأخيرة للرواية التي تنتقل في الجغرافية والأمكنة التي يتنقل فيها شخصيات الرواية. 

خاتمة:

هذه بضعة نماذج من النتاج الروائي الغزير الذي كانت الحرب أو اللجوء حافزاً على بروزه، وهو نتاج مهم وطليعي ويحمل معالم غير مألوفة وخصائص أسلوبية وتقنية متعددة، ً. فهذا النتاج استطاع أن يشكل مفترقاً تاريخياً في مسار الحركة الروائية السورية بل هو أسّس رواية جديدة تماماً هي "رواية الحرب السورية" , وعلى الرغم من شتات الروائيين وتوزّعهم بين الداخل والمنفى، فهم استطاعوا أن ينطلقوا من قاعدة أو أرض توحّد جهودهم ومعاناتهم وأسئلتهم ليكتبوا أدب المرحلة الجديدة.

والأمر الملحوظ في الروايات السورية التي تحكي عن سوريا والحرب أنها تتقاطع جميعًا فيما يخص مسألة النهاية المفتوحة، إذ تقدم جميعها مشاهد مبتورة لم تكتمل وربما تعد هذه النقطة هي الأكثر مصداقية لأن تفاصيل المشهد السوري رغم كونها حافلة بالأحداث لا تزال منقوصة وماضية صوب نهاية مجهولة، وكل ما فعله الروائيون السوريون هو محاولة ترميم الخراب وحفظ الذاكرة عبر تدوين وتوثيق مشاهد الحاضر بكل آلامه ومآسيه وأخيرًا محاولة معرفة تأثير الواقع الحاليّ على الشعب السوري، ففي النهاية وحتى لو كانت الأحداث موجعة فأثرها على النفس واستقراء ما يدور بداخل الأشخاص يختلف عن مجرد ذكر تلك الأحداث، إنها مهمة شديدة الصعوبة لا تستطيع حتى الحكايات التخفيف من وطأتها.

 المصادر:

- ميسون شقير، «السوريون الذين سقطوا من حقائبهم على الطريق»، جريدة النهار www.annahar.com/article/694620السوريون-الذين-سقطوا-من-حقائبهم-على-الطريق , 01/11/2017

- كمال الرياحي، «"الموت عمل شاق" رواية تلخص المحنة السورية»، موقع الجزيرة 5/1/2016

- خالد خليفة، الموت عمل شاق، (القاهرة: دار العين للنشر والتوزيع، (.2016

- https://www.zamanalwsl.net/news/article/86732/ , 28/4/2018

- https://www.alaraby.co.uk/diffah/books عمت-صباحا-أيتها-الحرب-البيت-وحلب-والثورة, 19/9/2017

- مها حسن، عمت صباحا أيتها الحرب، (ميانو، منشورات المتوسط , 2017)

- harmoon.org/أدب-اللجوء-السوري،-الشتات-والتعبير-الأدبي , 31/1/2018

- https://www.noonpost.com/content/27185

- محمد فتحي المقداد، الطريق إلى الزعتري، (عمان، دار عمار للنشر,2018)

- https://www.zamanalwsl.net/news/article/86732/ , 28/04/2018

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا