الأحد 13 شعبان 1441 - 5 أبريل 2020

البحث عن اليقين بين طيّات الشّدائد

الخميس 22 ربيع الثاني 1441 - 19 ديسمبر 2019 352 رابطة خطباء الشام
البحث عن اليقين بين طيّات الشّدائد

عناصر المادة

1- مفهوم اليقين2- بصائر ثاقبةٌ باليقين3- شموسٌ في سماء اليقين4- الضّمان الإلهيّ للرّزق

مقدمة:

اليقين الّذي يأتي في أوج الانتصارات وضمن رغد العيش؛ هو تحصيل حاصلٍ ليس إلّا.

اليقين الحقيقيّ هو الّذي ينبثق من القلب في صلب الشّدائد، وبين طيّات الأزمات، وفي شدة الابتلاءات.

اليقين الّذي جعل من سحرة فرعون أناساً ذوي يقينٍ؛ يقولون: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72].

اليقين الّذي تربّى عليه أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتّى رأوا الجنّة والنّار رأي عين، ولرؤيتهم بعيني رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق عندهم من رؤيتهم بعيونهم المجرّدة.

ولذا ونحن نعيش أيّاماً شديدة وأحوالاً مريرةٍ وظروفاً صعبةً، علينا أن نرجع إلى المعين الّذي لا ينضب، وإلى النَّهر الّذي لا يتعكّر، فمنه انبثق اليقين.

1- مفهوم اليقين

اليقين هو: طمأنينة القلب على حقيقة الشّيء، يقال: يقن الماء في الحوض إذا استقرّ فيه.

وقال في لسان العرب: "اليَقِينُ: العِلْم وَإِزَاحَةُ الشَّكِّ وتحقيقُ الأَمر، واليَقِين: نَقيض الشَّكِّ، وَالْعِلْمُ نقيضُ الْجَهْلِ، تَقُولُ عَلِمْتُه يَقيناً. وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ} [الحاقّة: 51]؛ أَضاف الْحَقَّ إِلَى الْيَقِينِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الشَّيْءِ إِلَى نَفْسِهِ، لأَن الْحَقَّ هُوَ غَيْرُ الْيَقِينِ، إِنَّمَا هُوَ خالصُه وأَصَحُّه، فَجَرَى مَجْرَى إِضَافَةِ الْبَعْضِ إِلَى الْكُلِّ". [ 1 ]

فاليقين هو السّرّ الّذي سبقنا به أصحاب النّبيّ صلى الله عليه وسلم، اليقين الّذي إن حلّ في القلب رأيت الفرق واضحاً بين من حازه ومن حُرم منه، كالفارق بين الحرير الطبيعيّ والحرير الصّناعيّ، وكالفرق بين النائحة الثّكلى والنّائحة المستأجرة.

وكلٌّ يدَّعي وصلاً بليلى=وليلى لا تقرُّ لهم بذاكَ

إذا اشتبكت دموعٌ في خدودٍ=ليظهر من بكى ممّن تباكى

اليقين الّذي صنع -وما يزال يصنع- نماذج بذلٍ وتضحيةٍ لا يصدّقها عقلٌ إذا قاسها بمقياس المادّة، لكنّ الأمر مع اليقين يختلف، لقد وهن اليقين في قلب الأمّة تحت ضغط المادّيّة الرّهيب، وصار معظم النّاس -إلّا من رحم الله- يقيسون الأمور بمقاييس المادّة فحسب، مع أنّ رسالتنا قائمةٌ في الأساس على الإيمان بالغيب.

2- بصائر ثاقبةٌ باليقين

قال شيخ أهل الشّام (خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ): "مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ: عَيْنَانِ فِي رَأْسِهِ يُبْعِدُ بِهِمَا أَمَرَ الدُّنْيَا، وَعَيْنَانِ فِي قَلْبِهِ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَتْحَ عَيْنَيْهِ اللَّذَيْنِ فِي قَلْبِهِ فَأَبْصَرَ بِهِمَا مَا وُعِدَ بِالْغَيْبِ فَآمَنَ بِالْغَيْبِ". [ 2 ]

أين عينا قلبك؟! عينا رأسك تُريانك المال الحرام نعيماً وترفاً، لكن عيني قلبك تُريانك إيّاه جمرةً من نارٍ تحرق بها نفسك.

عينا رأسك تُريانك الخلوة غياباً عن الرّقيب وفرصة للانفكاك من عيون البشر، لكن عيني قلبك تُريانك الله عليك شهيداً، ولأعمالك رقيباً، حتّى يستوي عندك السّرّ والجهر والباطن والظّاهر.

وإليكم بصيرة خالد بن الوليد الّتي تتّقد باليقين، فإذا آماله وطموحاته آمال ملَكٍ لا آمال بشرٍ: "مَا مِنْ لَيْلَةٍ يُهدى إليَّ فِيْهَا عَرُوْسٌ أَنَا لَهَا محبٌّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيْدَةِ البَرْدِ كَثِيْرَةِ الجَلِيْدِ فِي سَرِيَّةٍ أُصَبِّحُ فِيْهَا العَدُوَّ". [ 3 ]

3- شموسٌ في سماء اليقين

يقول ابن القيّم: "وَمِنْ مَنَازِلِ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} مَنْزِلَةُ الْيَقِينِ، وَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ مَنْزِلَةُ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ، وَبِهِ تَفَاضَلَ الْعَارِفُونَ، وَفِيهِ تَنَافَسَ الْمُتَنَافِسُونَ، وَإِلَيْهِ شَمَّرَ الْعَامِلُونَ، وَعَمَلُ الْقَوْمِ إِنَّمَا كَانَ عَلَيْهِ، وَإِشَارَاتُهُمْ كُلُّهَا إِلَيْهِ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الصَّبْرُ بِالْيَقِينِ: وُلِدَ بَيْنَهُمَا حُصُولُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى -وَبِقَوْلِهِ: يَهْتَدِي الْمُهْتَدُونَ-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السّجدة: 24].

وَخَصَّ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْيَقِينِ بِالِانْتِفَاعِ بِالْآيَاتِ وَالْبَرَاهِينِ، فَقَالَ: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ} [الذّاريات: 20].

وَخَصَّ أَهْلَ الْيَقِينِ بِالْهُدَى وَالْفَلَاحِ مِنْ بَيْنِ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 4-5].

وَأَخْبَرَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ: بِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْيَقِينِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} [الجاثية: 32].

فَالْيَقِينُ رُوحُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الَّتِي هِيَ أَرْوَاحُ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الصِّدِّيقِيَّةِ، وَهُوَ قُطْبُ هَذَا الشَّأْنِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدَارُهُ". [ 4 ]

من عجائب هذه الشّموس: أنّ أحدهم يقبَل سيفاً من خشبٍ ويقاتل فيه بكلّ يقينٍ واستسلامٍ، قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: "وَقَاتَلَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنِ بْنِ حُرْثَانَ الْأَسَدِيُّ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفِهِ حَتَّى انْقَطَعَ فِي يَدِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَعْطَاهُ جِذْلًا مِنْ حَطَبٍ، فَقَالَ: قَاتِلْ بِهَذَا يَا عُكَّاشَةُ فَلَمَّا أَخَذَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَزَّهُ، فَعَادَ سَيْفًا فِي يَدِهِ طَوِيلَ الْقَامَةِ، شَدِيدَ الْمَتْنِ، أَبْيَضَ الْحَدِيدَةِ، فَقَاتَلَ بِهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمَّى: الْعَوْنَ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ الْمَشَاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قُتِلَ فِي الرَّدَّةِ، وَهُوَ عِنْدَهُ". [ 5 ]

وهذا نبيّ الله موسى عندما لحق به شبح الموت (فرعون)، فأصبح فرعون وراءه والبحر أمامه، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشّعراء: 61-62].

تتعطّل الأسباب وتتوقّف، لتتدخّل قدرة الله تعالى، ويأتي الأمر من الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، وما عسى العصا أن تصنع بالبحر؟! 

وإذا العناية لاحظتك عيونها=نم فالمخاوف كلّهنّ أمانُ 

{فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ} [الشّعراء: 61-66].

4- الضّمان الإلهيّ للرّزق

أخي الحبيب: لو أنّ الله قسّم لك رزقاً وأردت أن تهرب منه ما استطعت منه فكاكاً، {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} [الأحزاب: 17].

لقد قرن الله تعالى الرّزق بالخلق، فقال: {خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ} [الرّوم: 40].

وما اكتفى بالدّلالة حتّى وعد: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذّاريات: 58].

ولم يكتفِ بالوعد حتّى ضمن: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6].

ولم يكتفِ بالضّمان حتّى أقسم: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [الذّاريات: 23].

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ). [ 6 ]

عباد الله: ما أجمل القلوب حينما يباشرها اليقين، وما أعذب الرّوح حين يلامسها اليقين، لترتقي من حمأ الطّين إلى أعلى علّيّين، ليسموَ القلب إلى ما لم يكن يطمح إليه الخيال، ولسان الحال في معترك الحياة وشدائدها {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72].

لقد جرّبت الأمّة الشّرق والغرب فلم تُفلح، ولن ترتاح من وعثاء الحياة إلّا باليقين {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 15].

فلا بدّ للّيل أن ينجلي، ولا بدّ للغثاء أن يذهب جفاءً، ولا بدّ لما ينفع النّاس أن يمكث في الأرض، ويمضي قدَر ربّ العالمين في أن تكون العاقبة للمتّقين، والإمامة للموقنين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله ربّ العالمين.

 

1 - لسان العرب، ج13، ص457

2 - معجم ابن الأعرابيّ: 1964

3 - سير أعلام النّبلاء، ج3، ص229

4 - مدارج السّالكين، ج2، ص374

5 - السّيرة النّبويّة لابن هشام، ج1، ص637

6 - سنن ابن ماجه: 2144

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا